سر ابنتي
بساقيّ.
في ورقة أخرى مكتوب
الطفلة الثانية تحويل حديثي ولادة موافقة د. سامر الراوي.
الطفلة الثانية.
هكذا كُتبت.
ليس اسمًا.
ليس إنسانة.
مجرد حالة.
وفي الأسفل
شهادة وفاة.
لُمى سامر الراوي.
مولودة الساعة 213.
متوفاة الساعة 213.
نفس الساعة.
نفس الكذبة.
وفجأة سمعت باب البيت يُفتح في الأسفل.
أغلقت الملف بسرعة، وأخفيت ثلاث ورقات تحت ملابسي بينما يداي ترتجفان بشكل لا أستطيع السيطرة عليه.
سمعت صوت سامر في الطابق السفلي يتحدث عبر الهاتف.
نعم يمّه هناء بدأت تشك. سأذهب لآخذ ليان أبكر من المدرسة وبعدها نتصرف.
تجمّد الدم داخل عروقي.
لم أنزل.
اختبأت داخل حمام الممر وأغلقت الباب بهدوء، ثم اتصلت بالمدرسة فورًا.
أنا والدة ليان الراوي ممنوع تسلمون ابنتي لوالدها اليوم مهما قال.
ترددت الموظفة.
دكتورة هناء، الدكتور سامر اتصل قبل قليل وقال إنه سيأخذها لمراجعة طبية.
بدأ صوتي ينهار.
لا تسلموها أنا جاية الآن ومعي الشرطة.
سمعت خطوات سامر تصعد الدرج.
أغلقت الهاتف بسرعة.
فتحت نافذة الحمام الصغيرة وخرجت إلى سطح الخدمة، مثل لصّة تهرب من بيتها هي.
عبرت إلى بيت الجيران عبر جدار منخفض، وركبتاي ترتجفان من الخوف والغبار يملأ ملابسي.
كانت أم مصطفى تنشر الغسيل فوق السطح.
التفتت نحوي بفزع عندما سقطت قرب أصص النعناع.
يا ساتر هناء! شبيك؟
أريد هاتفك بسرعة.
لم تسأل.
هناك نساء يعرفن من أول نظرة أن امرأة
اتصلت بالشرطة.
ثم بسارة.
ثم بالجهة التي أعطتني اسمها.
وصلت إلى المدرسة بنفس اللحظة التي وصلت فيها الدورية.
كان سامر هناك بالفعل.
واقفًا داخل الإدارة بكامل هدوئه، ومعطفه الأبيض ظاهر تحت سترته، يبتسم بتلك الثقة التي يملكها الرجال الذين اعتادوا أن يصدقهم الجميع.
أما ليان فكانت جالسة على كرسي صغير تضم حقيبتها إلى صدرها وعيناها مليئتان بالدموع.
هناء قال سامر بهدوء بارد أنتِ تضخمين الموضوع بشكل مؤذٍ.
لم أرد عليه.
ركضت نحو ليان واحتضنتها فورًا.
حاول سامر الاقتراب.
لكن الشرطي أوقفه.
هذه ابنتي.
أخرجت الأوراق من تحت ملابسي وسلمتها للضابطة.
وهذه أيضًا.
اختفى اللون من وجه سامر.
ولأول مرة منذ عرفته رأيته خائفًا.
في التحقيق، لم تظهر الحقيقة دفعة واحدة.
بل خرجت قطعة قطعة.
كأنهم يفتحون جرحًا قديمًا دون مخدر.
ليان ولُمى ولدتا داخل مستشفى خاص في بغداد.
أنا تعرضت لنزيف حاد بعد الولادة وتم تخديري بالكامل.
وخلال تلك الساعات سجّل سامر، بمساعدة والدته ومدير إداري في المستشفى، لُمى على أنها متوفاة.
لكنها لم تمت.
تم تسليمها لعائلة خارج بغداد لم تستطع الإنجاب، مقابل مصاريف طبية دُفعت بعيدًا عن أي أوراق رسمية.
وعندما توفي الزوجان قبل أشهر في حادث سير، بقيت لُمى مع خالتها التي بدأت تبحث عن أوراق حقيقية لتسجيلها في المدرسة.
وهنا ظهر اسم سامر من جديد.
وهنا
ولهذا بدأ يدخل غرفة ليان كل ليلة.
ليس ليؤذيها بالطريقة التي تخيلتها في أول لحظة رعب.
بل لأنه كان ينهار.
كان يشاهد ابنته تنام بينما ابنته الأخرى تعيش في مكان آخر، بالدم نفسه والملامح نفسها وحياة سُرقت منها منذ أول دقيقة.
ليش؟ سألت وأنا أنظر إليه عبر طاولة التحقيق.
كان يجلس بلا معطف طبي.
بلا هيبة.
بلا قناع.
كنتِ ستموتين يا هناء.
هذا ليس جوابًا.
خفض رأسه.
أمي قالت إننا لن نستطيع تربية طفلتين كنت في بداية عملي علينا ديون والعائلة الثانية كانت تريد طفلة بأي طريقة.
ضحكت.
ليس لأن الأمر مضحك.
بل لأنني لو لم أضحك كنت سأقتله بيدي.
بعت ابنتي؟
رفع عينيه نحوي بسرعة.
أنقذتها.
سرقتها.
خفض رأسه مرة أخرى.
ظننت أن الأمر لن يُكشف أبدًا.
وهنا فهمت الحقيقة كاملة.
لم يكن نادمًا لأنه فعلها.
بل لأنه انكشف.
وصلت حماتي بعد ساعة وهي تمسك مسبحة سوداء وتصرخ بأن سامر رجل محترم، وأنني دائمًا أعاني من أوهام وقلق.
لكن الضابطة وضعت أمامها نسخة من أوراق المستشفى.
توقيعك موجود هنا كشاهد.
اختفى صوتها فجأة.
كانت ليان في غرفة أخرى مع سارة.
عندما دخلت إليها، رفعت رأسها نحوي فورًا.
عندي أخت حقيقية؟
ركعت أمامها.
لم أعرف كيف يمكن لأم أن تخبر طفلتها أن حياتها كلها بُنيت فوق كذبة.
فقلت الحقيقة الوحيدة التي بقيت واضحة.
نعم.
بدأت تبكي وهي متعلقة برقبتي.
يعني كانت تجي فعلًا
ضممتها
ولم أخبرها أن أحدًا لم يكن يأتي من الظلام.
بل إن السر نفسه كان يعيش معنا داخل البيت طوال تلك السنوات.
بعد يومين بدأت إجراءات البحث الرسمية عن لُمى.
لم يكن الأمر مثل الأفلام.
لا مطاردات.
لا موسيقى مؤثرة.
فقط اتصالات طويلة، أوراق، أسماء مكتوبة بشكل خاطئ، وموظفون يبحثون داخل ملفات قديمة بين المستشفيات والمدارس والسجلات.
كنت أعيش كل ساعة وكأنها سنة كاملة.
ليان لم تعد تريد النوم وحدها.
صارت تنام بجانبي كل ليلة، وتتمسك بيدي حتى تغفو.
أما أنا فلم أعد أحتمل رؤية الباب مغلقًا.
في اليوم الثالث، اتصلت سارة.
كنت في المطبخ أحاول إعداد الشاي بينما يداي ترتجفان من التعب.
هناء أعتقد أنهم وجدوها.
توقف كل شيء داخلي.
حتى صوت أنفاسي اختفى.
قالت إن طفلة بعمر ليان تعيش مع خالتها في أطراف أربيل، وإن الاسم الذي كانت تعيش به ليس لُمى.
بل لانا.
ولم يكن اسم سامر موجودًا في أوراقها الحالية.
اسم مختلف.
عائلة مختلفة.
وحياة كاملة فوق حياة مسروقة.
لم يسمحوا لي برؤيتها فورًا.
كانت هناك إجراءات.
أخصائيات.
موافقات.
أسئلة لا تنتهي.
لكنني كنت أشعر أن قلبي يركض نحوها حتى قبل أن أراها.
في صباح رمادي، أخذوني إلى مركز رعاية صغير قرب أربيل.
المكان هادئ بشكل مؤلم.
جدران فاتحة.
ألعاب أطفال قديمة.
ورائحة معقمات خفيفة تذكرني بالمستشفيات.
كانت ليان معي.
تمسك يدي بقوة حتى بدأت أصابعي تؤلمني.
ثم فُتح الباب.
ودخلت طفلة صغيرة برفقة أخصائية اجتماعية.
شعرها أقصر من شعر ليان.
لكن عينيها
كانتا عينَيّ أنا.
شعرت أن الأرض اختفت من تحتي.
لم تركض