زوجوني لرجل أصم يعيش لوحده
في شتاءٍ قاسٍ من شتاءات شمال الأردن، كانت قرية “وادي الريح” تبدو كأنها مختبئة بين الجبال هربًا من العالم.
الثلج يغطي الطرق الترابية الضيقة، والريح تعصف بين البيوت الحجرية القديمة، بينما يتصاعد دخان الحطب من المداخن الصغيرة كأنه أنفاس متعبة.
كانت القرية صغيرة… لكنها تخاف كثيرًا.
فالرجال الذين يملكون القمح، والديون، والمخازن الزراعية، كانوا يملكون أفواه الناس أيضًا.
وفي آخر طرف من أطراف القرية، جلست العروس الجديدة وحدها داخل بيتٍ باردٍ نصفه حجر ونصفه خشب.
كانت تحدق في النار المشتعلة داخل المدفأة، بينما تضم طرف عباءتها السوداء فوق صدرها كأنها تحتمي بها من شيء أكبر من البرد.
لم يكن يوم زفاف يشبه الأفراح.
لم يكن هناك غناء.
ولا زغاريد حقيقية.
فقط رجال جلسوا داخل ديوان القرية يقرأون الفاتحة بسرعة، ثم تبادلوا نظرات ثقيلة قبل أن يغادر الجميع وكأنهم أنهوا صفقة لا أكثر.
حتى النساء اللواتي صافحنها قبل خروجها من بيت أبيها، لم يخفين همساتهن.
“الحمد لله الذي سترها.”
“على الأقل وجدوا رجلًا يقبل بها.”
“حتى لو كان ذلك الأصم.”
أغمضت عينيها للحظة.
ما تزال تسمع ضحكات الرجال خارج الديوان عندما دخل هو.
طويلًا بشكل مخيف.
عريض الكتفين.
صامتًا.
وجهه قاسٍ كصخور الجبال، ولحيته كثيفة غير مرتبة، وعيناه ثابتتان بطريقة جعلت الأطفال يختبئون خلف أمهاتهم.
الرجل الذي يسمونه في القرية كلها:
الوحش.
سمعت باب البيت يُفتح ببطء.
انتفض جسدها تلقائيًا.
دخل الرجل دون أن يُصدر صوتًا تقريبًا، يحمل فوق كتفه حزمة حطب مغطاة بالثلج.
لم ينظر إليها مباشرة.
ركع قرب المدفأة، ألقى الحطب داخل النار، ثم وقف ساكنًا لثوانٍ.
بعدها أشار بيده نحو الغرفة الصغيرة في آخر البيت.
فهمت فورًا.
تلك غرفتها.
أما هو، فسوف ينام قرب النار.
تجمدت في مكانها.
لم تتوقع ذلك.
كل النساء في القرية أخفنها منه طوال الأسبوع الماضي.
“الرجل يعيش وحده منذ سنين.”
“لا أحد يعرف ماذا يفعل داخل تلك المزرعة.”
“احذري أن تغضبيه.”
لكن الرجل لم يقترب منها أصلًا.
حتى نظرته لم تستقر فوقها طويلًا.
اقترب من الطاولة الخشبية القديمة، ثم أخرج دفترًا صغيرًا وقلمًا قصيرًا.
كتب شيئًا بسرعة.
ودفع الدفتر نحوها.
“إذا احتجتِ شيئًا… اكتبيه.”
حدقت بالكلمات بدهشة.
خطه ثقيل ومهتز، كأن يده لم تعتد الكتابة.
رفعت عينيها نحوه ببطء.
أنت… تعرف القراءة؟
رفع حاجبه قليلًا، ثم كتب:
“بصعوبة.”
شعرت بحرارة خفيفة من الخجل.
طوال عمرها صدقت أن الرجل الأصم لا يفهم شيئًا.
خفضت نظرها بسرعة.
أما هو، فعاد وجلس قرب النار بصمت، وكأن وجودها داخل البيت لا يزعجه… لكنه لا يعرف كيف يتعامل معه أيضًا.
في الخارج، استمرت الريح تعصف بعنف.
أما داخل البيت…
فكان الصمت أثقل من أي صوت.
مرّ الأسبوع الأول ببطء غريب.
الرجل
لا يتكلم.
نادراً ما ينظر مباشرة في وجهها.
وإذا احتاج شيئًا، يكتبه في الدفتر.
أما هي، فبدأت تلاحظ أشياء لم تخبرها بها القرية.
كان يترك لها الجزء الأكبر من الطعام.
يشعل النار قبل أن تستيقظ.
ويطرق الباب مرتين قبل الدخول، حتى لو كان البيت بيته.
مرة، استيقظت قبل الفجر ووجدته يصلح الباب الخارجي تحت الثلج.
كانت أصابعه متشققة وتنزف من البرد، لكنه استمر يعمل بصمت كأن الألم لا يعنيه.
وفي مرة أخرى، رأت طفلًا صغيرًا يبكي قرب المزرعة لأن حماره هرب بين الجبال.
الرجل نزل وسط الثلوج يبحث عنه ساعة كاملة حتى أعاده للطفل.
ثم عاد دون كلمة واحدة.
لا ينتظر شكرًا.
لا يبتسم.
لا يحاول حتى أن يبدو لطيفًا.
فقط ذلك الصمت الغريب الملتصق به كأنه جزء من جسده.
لكن شيئًا آخر بدأت تلاحظه أيضًا.
ألمه.
كل ليلة تقريبًا، كان يضغط يده فوق أذنه اليمنى.
أحيانًا يرتجف فجأة.
وأحيانًا ينهض من نومه بعنف كأنه يسمع انفجارًا داخل رأسه.
وفي الصباح، تجد بقع دم خفيفة فوق الوسادة.
في البداية خافت أن تسأله.
ثم ذات ليلة، بينما كان جالسًا قرب النار يحدق داخل اللهب بشرود، كتبت في الدفتر:
“هل تؤلمك أذنك؟”
قرأ السؤال.
توقف طويلًا.
ثم كتب كلمة واحدة:
“قديم.”
“هل رأيت طبيبًا؟”
شد القلم بقوة حتى ابيضّت أصابعه.
ثم كتب:
“لا أحب الأطباء.”
رفعت عينيها نحوه ببطء.
ولأول مرة، رأت شيئًا مختلفًا داخل نظرته.
الخوف.
ليس خوف رجل قوي من المرض…
بل خوف طفل قديم ما يزال يعيش داخله.
بعد أيام، اضطرت للنزول إلى سوق القرية وحدها.
كانت تحتاج طحينًا وزيتًا وبعض الأعشاب للحمّى.
ما إن دخلت السوق حتى بدأت الهمسات.
كالعادة.
“زوجة الوحش.”
“كيف ما زالت حيّة؟”
“ربما لم يلمسها أصلًا.”
ضحك بعض الرجال قرب المقهى.
خفضت رأسها وتابعت السير.
لكن حين مرت قرب الجمعية الزراعية، خرج الرجل الذي تخشاه القرية كلها تقريبًا.
صاحب الجمعية.
الرجل الذي يملك مخازن القمح، والقروض، ومعظم الأراضي الزراعية حول وادي الريح.
رجل تجاوز الستين، يرتدي عباءة داكنة ويحمل عصًا برأس فضي.
ابتسم لها ابتسامة باردة.
كيف حال زوجك؟
أجابت باقتضاب:
بخير.
ظل يراقبها لحظة طويلة بطريقة جعلت معدتها تنقبض.
ثم قال:
إذا احتجتما مالًا… الدين ما يزال مفتوحًا.
كرهت طريقته في قول كلمة “الدين”.
وكأنها قيد يلتف حول رقبتها.
قبل أن ترد، خرج طبيب القرية من باب الصيدلية المجاورة.
رجل نحيف شاحب الوجه.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى ارتبك للحظة قصيرة.
ثم قال بسرعة:
كيف حال أذن زوجك هذه الأيام؟
تجمدت مكانها.
أنت تعرف أن أذنه تؤلمه؟
تبادل الرجلان نظرة سريعة جدًا.
لحظة صغيرة…
لكنها كانت كافية.
ابتسم
أقصد… حالته القديمة معروفة.
هزّت رأسها ببطء وغادرت.
لكن طوال طريق العودة، بقي شيء ثقيل يضغط داخل صدرها.
شعور بأن هناك سرًا أقدم من المرض نفسه.
في تلك الليلة، اشتدت العاصفة بشكل مرعب.
الريح ضربت النوافذ بعنف حتى اهتز البيت كله.
كانت نائمة حين سمعت صوت ارتطام قوي.
نهضت مذعورة.
وجدته واقفًا قرب الحائط، يضغط رأسه بكلتا يديه.
أنفاسه متقطعة.
وجسده يرتجف بعنف.
اقتربت منه بسرعة.
ما بك؟
بالطبع لن يسمعها.
لكن الألم كان واضحًا في عينيه.
ثم فجأة…
خرج دم داكن من أذنه.
تراجعت بفزع.
لكنه فقد توازنه وسقط على ركبتيه.
أمسكت كتفه بسرعة قبل أن يرتطم بالأرض.
كان جسده يحترق من الحمّى.
ركضت نحو المطبخ الصغير، أحضرت ماءً دافئًا وبعض القماش، ثم جلست أمامه تحت ضوء المصباح الضعيف.
حاول إبعاد يدها.
لكنها أمسكت معصمه بقوة لأول مرة.
اهدأ.
نظر إليها بتعب شديد.
ثم ترك يده تسقط ببطء.
بدأت تنظف الدم بحذر.
كان هناك التهاب واضح داخل الأذن.
وصديد قديم متراكم.
لكن أثناء التنظيف، شعرت بشيء صلب في الداخل.
توقفت.
عبست.
أدخلت طرف الملقط المعدني بحذر أكبر.
الرجل شد أسنانه من الألم.
شيء ما كان عالقًا عميقًا.
سحبت ببطء.
وفجأة…
خرج خيط داكن طويل مغطى بالصديد.
ثم سقطت قطعة معدنية صغيرة داخل الصحن الفخاري بصوت خافت.
تجمّدت.
قطعة نحاس صغيرة.
حادة الأطراف.
ومحفور عليها هلال صغير يشبه رمز المسجد القديم في القرية.
رفع الرجل رأسه فجأة.
حدق بالقطعة.
ثم حدث شيء لم تتوقعه أبدًا.
بكى.
ليس كبكاء مرتفع…
بل بصمت كامل.
دموع نزلت من عينيه المفتوحتين كأن ذكرى مدفونة انفجرت داخله دفعة واحدة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
ما هذه؟
كان يتنفس بصعوبة.
ثم تحركت شفتاه ببطء شديد.
ز…
تجمّد جسدها بالكامل.
هو…
يتكلم؟
زهراء.
خرج اسمها مبحوحًا، متكسرًا، كأنه صوت لم يُستخدم منذ سنوات طويلة.
غطّت فمها بصدمة.
أما هو، فظل يحدق بقطعة النحاس وكأنها أخرجت عمرًا كاملًا من الظلام.
لم يناما حتى الفجر.
أشعلت النار أكثر من مرة، ووضعت الكمادات فوق أذنه الملتهبة.
أما هو، فجلس ممسكًا الدفتر بيد مرتجفة.
ثم بدأ يكتب.
“أنا لم أولد أصم.”
شعرت أن قلبها توقف لحظة.
رفع عينيه نحوها.
ثم أكمل.
“كنت أسمع كل شيء.”
كلمات قليلة.
متقطعة.
لكنها كانت كافية لفتح باب عمره عشرون سنة.
كتب عن طفولته.
عن والده.
عن الأرض الواقعة قرب الينابيع الجبلية.
وعن الطريق القديم الذي تمر منه تجارة كثيرة لا يحب الناس الكلام عنها.
ثم كتب اسم صاحب الجمعية.
بعدها توقف طويلًا.
أنفاسه أصبحت أثقل.
ثم كتب:
“أبي رفض بيع الأرض.”
تسارعت نبضات قلبها.
“سمعتهم خلف المسجد القديم.”
“هو… والطبيب… ورجل من
“هددوا أبي.”
رفعت عينيها عنه ببطء.
كان وجهه شاحبًا تحت ضوء النار.
لكن نظرته هذه المرة لم تكن نظرة رجل مخيف.
بل نظرة رجل عاش سنوات داخل رعب لم يفهمه أحد.
أكمل الكتابة بصعوبة.
“بعد يومين… مات أبي.”
“قالوا حادث.”
“لم يكن حادثًا.”
شعرت بأنفاسها تضيق.
ثم جاءت الجملة التي جعلت البرد يختفي تمامًا من حولها.
“أخذوني للطبيب.”
توقفت يده للحظة.
ثم تابع.
“ثبتوني بالقوة.”
“ثقبوا أذني.”
“وضعوا النحاس.”
أغمضت عينيها.
كأنها تسمع صراخ طفل صغير وسط العاصفة.
“كنت أصرخ.”
“ثم لم أعد أسمع جيدًا.”
“ثم خفت من الكلام.”
“ثم صار الصمت أسهل.”
نزلت دمعة ساخنة فوق خدها دون أن تشعر.
طوال عمرها صدقت ما يقوله الناس عنه.
الوحش.
المجنون.
الرجل المخيف.
لكن الحقيقة؟
كان طفلًا محطمًا تُرك وحده حتى تحول ألمه إلى شيء يخشاه الجميع.
رفعت رأسها نحوه.
لماذا لم تخبر أحدًا؟
ابتسم ابتسامة قصيرة مكسورة.
ثم كتب:
“لا أحد أراد أن يسمع.”
ساد الصمت طويلًا.
النار تشتعل بهدوء.
والريح تعصف خارج البيت.
ثم كتبت هي ببطء:
“سنذهب إلى طبيب خارج القرية.”
ما إن قرأ الجملة حتى تغير وجهه فورًا.
هز رأسه بعنف.
خوف حقيقي ظهر داخل عينيه.
“سيعرفون.”
“سيقتلونني.”
شعرت بقلبها ينقبض.
اقتربت منه أكثر.
لن أتركهم يفعلون.
حدق فيها طويلًا.
كأنه لا يفهم لماذا تساعده.
لماذا تصدقه.
لماذا لم تهرب منه مثل بقية الناس.
ثم كتب ببطء شديد:
“لماذا؟”
نظرت إلى يديه الخشنتين الممتلئتين بالجروح القديمة.
إلى الرجل الذي عاش عمره كله يُعامل كأنه شيء مشوّه.
ثم قالت بهدوء:
لأنك… رغم كل ما فعلوه بك… لم تؤذني يومًا.
ظل ينظر إليها.
ولأول مرة منذ دخلت هذا البيت…
شعرت أن الصمت بينهما لم يعد مخيفًا.
بل صار يشبه الأمان.
وفي الخارج، استمرت الثلوج تتساقط فوق جبال الأردن الباردة…
بينما شيء قديم جدًا بدأ أخيرًا يخرج من تحت الصمت.
مع أول ضوء للفجر، كانت السماء فوق جبال شمال الأردن رمادية وثقيلة كأنها لم تنم طوال الليل.
الثلج المتراكم فوق سفوح “وادي الريح” جعل القرية تبدو معزولة تمامًا عن العالم، كأن الجبال ابتلعتها وأغلقت عليها الصمت.
وقفت زهراء أمام الحظيرة تلفّ الشال الصوفي حول رأسها بينما أنفاسها تتحول إلى ضباب أبيض في الهواء البارد.
خلفها، خرج حيدر من البيت ببطء.
وجهه شاحب.
وعيناه غائرتان من الحمى والسهر.
لكن شيئًا داخله كان مختلفًا.
كأن جزءًا من ذلك الصمت القديم تصدّع أخيرًا.
اقتربت منه وهي تحمل كيسًا صغيرًا فيه خبز يابس وقليلًا من الجبن وبعض المال الذي أخفته سنوات داخل ملابسها القديمة.
كتبت بسرعة في الدفتر:
“سننزل إلى إربد.”
قرأ الجملة.
ثم رفع عينيه نحو الطريق الممتد بين الجبال.
الخوف كان واضحًا
لكنه لم يعترض هذه المرة.
لأن الخوف نفسه لم يعد أسوأ من البقاء هنا.
قبل أن يغادرا، سمعت زهراء صوت حوافر حصان بعيد.
التفتت بسرعة.
رجل يقف أعلى التلة المقابلة للمزرعة.
يرتدي عباءة سوداء.
يراقبهما.
ما إن لمح أنها رأته، حتى استدار بحصانه واختفى بين الأشجار.
شعرت بانقباض داخل معدتها.
لقد عرفوا.
القرية كلها كانت تعرف أخبار بعضها قبل أن تكتمل أصلًا.
وأصحاب النفوذ كانوا يملكون رجالًا يراقبون الطرق والمزارع والدكاكين.
أمسكت يد حيدر بسرعة.
يجب أن نتحرك الآن.
كان الطريق إلى المدينة طويلًا وقاسيًا.
الثلوج غطّت أجزاء كبيرة من الممرات الجبلية، والريح كانت تضرب وجوههم كالسكاكين.
استأجرت زهراء شاحنة قديمة من أحد الرعاة حتى أوصلتهما إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى إربد، لأن سيارات القرية نفسها كانت تتجنب الاقتراب من مزرعة حيدر منذ سنوات.
طوال الرحلة، كان حيدر صامتًا.
أحيانًا يضغط يده فوق أذنه.
وأحيانًا يرفع رأسه فجأة كأنه يحاول التقاط صوت بعيد.
وفي منتصف الطريق، توقف فجأة.
نظر حوله بتوتر.
ثم قال بصوت مبحوح بالكاد خرج من حنجرته:
هذا…؟
حدقت به زهراء.
ماذا؟
أشار نحو الوادي البعيد.
صوت.
استمعت للحظة.
ثم ابتسمت رغم خوفها.
مياه.
ظل ينظر نحو الوادي كطفل يسمع العالم للمرة الأولى.
مياه…
كرر الكلمة ببطء شديد، كأنه يتذوقها.
شعرت زهراء بشيء يعتصر قلبها.
رجل حُرم من صوت الماء عشرين سنة كاملة.