في جنازة زوجي

لمحة نيوز


هذه المرة أقل.
في اليوم التالي، أخذني موسى إلى مقر الشركة.
الطريق كان يصعد وينزل بين شوارع إسطنبول، بيوت قديمة، محال صغيرة، رجال يفتحون أبواب أرزاقهم، ونساء يمسحن عتبات البيوت كأن الصباح يجب أن يبدأ نظيفًا مهما كان القلب متعبًا.
في بغداد كنت قد قضيت سنوات بين جدران المستشفى، الصيدليات، فواتير العلاج، ووجه فاضل الشاحب.
أما هنا
فالهواء كان غريبًا.
رائحته بحر ومطر وشيء قديم لا أعرف اسمه.
كان اسم الشركة
الأخوان.
عندما رأيت اللوحة، فهمت الصورة.
خرجت امرأة في الستين تقريبًا لاستقبالي.
عائشة.
احتضنتني كأنها تعرفني من زمن.
أستاذ فاضل كان يتحدث عنكِ كثيرًا.
هنا؟
في كل اتصال. كان يقول إذا وصلت تهاني يومًا لا تعاملوها كضيفة. عاملوها كصاحبة المكان.
صاحبة المكان.
الكلمة كانت واسعة عليّ.
دخلنا.
مكتب بسيط، طاولة طويلة، صور قديمة على الجدران، ورفوف مليئة بملفات تحمل أسماء شركات وموانئ وشحنات.
وفي الغرفة الداخلية كانت هناك صورة أخرى.
فاضل، بشعره الأبيض، جالسًا قرب حيدر.
التاريخ يعود إلى خمسة عشر عامًا.
في ذلك الأسبوع كنت أعتني بأحفادي لأن رند كانت لديها سفرة ضرورية.
وفاضل قال لي إنه سيذهب إلى مراجعة طبيب في السليمانية.
تألمت.
ليس من السفر.
بل من الصمت.
لماذا لم يأخذني معه؟ سألت.
نظر موسى إلى الصورة.
لأن أولادكِ كانوا يراقبون حساباته منذ وقت طويل. فاضل خاف أن يعرفوا بوجود إسطنبول فيضغطوا عليكِ. وخاف أيضًا أنكِ لن توافقي على المجيء ما دام هو مريضًا.
كان محقًا.
لم أكن لأتركه.
في منتصف النهار رن هاتفي.
سيف.
نظرت إلى الشاشة حتى انطفأت.
ثم رند.
ثم ميساء.
ثم الرسائل.
يمّه وين إنتِ؟
لازم نحچي بموضوع أبوي.
التذكرة ما كانت حتى تسافرين بدون ما تبلغينا.
في أمور قانونية.
ضحكت.
قانونية.
ما أجمل هذه الكلمة عندما يكتشف الأبناء أن الأم التي تجاهلوها ما زال اسمها موجودًا على ورقة.
لم أرد.
في

تلك الليلة، تحت شرفة البيت القديم، شرح لي موسى كل شيء بهدوء.
يجب أن أوقّع قبول الوصية.
أن أسجل حضوري أمام جهة قانونية.
أن أقرر إن كنت سأدير أو أوكل.
تحدث عن محامين، بنوك، صلاحيات، وأوراق بدت أكبر من قدرتي.
لا أعرف إن كنت أستطيع قلت.
كانت عائشة تضع القهوة على الطاولة، فتوقفت ونظرت إليّ.
ست تهاني، أنتِ قدرتِ ترفعين أستاذ فاضل من سريره عندما لم يعد يستطيع تحريك رجليه. هذه مجرد أوراق.
ضحكت ودموعي في عيني.
بعد ثلاثة أيام، وصل أولادي إلى إسطنبول.
لا أعرف كيف حصلوا على العنوان.
ربما من المحامي في بغداد.
وربما لأن المال يجعل الأنانيين محققين.
ظهروا أمام البيت القديم، متعبين، غاضبين، وملابسهم تقول إنهم جاءوا لإغلاق صفقة لا لزيارة أم.
دخلت رند دون أن تسلّم.
يمّه، شتسوين هنا؟
كنت جالسة قرب النافذة، أشرب القهوة في فنجان أزرق.
أفطر.
نظر سيف حوله.
هذا البيت مال أبوي؟
لا. كان لحيدر.
ومن هذا حيدر أصلًا؟
خرج موسى من المكتب بحقيبته الجلدية.
صباح الخير. أذكركم أن هذا المكان ملكية خاصة.
ضحكت ميساء ضحكة جافة.
يعني شنو ملكية خاصة؟ إحنا أهل.
وقفت ببطء.
غريب. يوم الوصية أيضًا كنتم أهلًا وأنتم تضحكون على تذكرتي.
شدت رند شفتيها.
يمّه لا تكبرين الموضوع. كانت مزحة.
لا. لم تكن مزحة. كانت راحة.
طرق سيف بأصابعه على الطاولة.
أبوي ما كان يحق له يخبي أشياء. لازم نراجع كل شيء.
فتح موسى ملفًا.
يمكنكم المراجعة. لكن إذا طعنتم بالوصية الخاصة، سيتفعل بند الخسارة الجزئية في العراق. أنصحكم أن تقرؤوا قبل أن تهددوا.
شحُب وجه سيف.
وخطفَت ميساء الورقة من يده.
أما رند فنظرت إليّ كأنني أنا التي رتبت كل شيء.
إنتِ كنتِ تعرفين؟
لا.
إذن تنازلي.
الكلمة اخترقتني.
لم تطلب.
أمرت.
كما كانت تترك أطفالها عندي دون أن تسأل.
كما كان سيف يأخذ المال سلفة وهو يعرف أنه لن يعيده.
كما كانت ميساء تنظر إليّ كأنني قطعة أثاث قديمة
في بيتهم.
تنازلي.
عن راحتكِ.
عن اسمكِ.
عن بابكِ.
عن آخر شيء تركه لكِ فاضل.
شعرت بالخوف.
نعم.
الخوف لا يختفي لأن هناك أوراقًا.
يبقى في الجسد، معتادًا على الطاعة.
لكنني شعرت أيضًا برسالة فاضل داخل حقيبتي.
دفعتِ ثمن الحب أكثر من اللازم.
لا قلت.
رمشت رند.
شنو؟
لن أتنازل.
أخرج سيف نفسًا حادًا من أنفه.
يمّه، هم يلعبون بعقلك.
لا يا ابني. لأول مرة أحد يخبرني الحقيقة بدل أن يستخدمني.
تقدم خطوة نحوي.
فتقدم موسى أيضًا.
لكن الأمر لم يحتج.
ظهرت عائشة عند الباب، ومعها رجلان من العاملين في الشركة.
لم يقولوا شيئًا.
وقفوا فقط.
ثابتين.
خفض سيف صوته.
راح تبقين وحدكِ.
نظرت إليه.
رأيت الطفل الذي كنت أمسح حرارته بيدي.
والشاب الذي دفعت له مصاريف الجامعة.
والرجل الذي لم يبكِ على أبيه لأنه كان مشغولًا بحساب السيارات.
أنتم تركتموني وحدي من زمان قلت الفرق أن عندي الآن مفاتيح.
بدأت رند تبكي.
في الماضي، كانت دموعها تكسرني.
هذه المرة رأيت أنها ليست دموع ألم.
كانت دموع خسارة.
لكنهم لم يكونوا يخسرونني.
كانوا يخسرون الوصول إليّ.
خرجوا ذلك اليوم وهم يهددون بالمحامين، والسفارة، والمحاكم، وكل شيء يستخدمه الناس عندما لا يملكون حقًا، لكن يملكون مالًا يكفي لإحداث الضجيج.
بقيت أنا في الشرفة.
والمطر عاد ينزل فوق إسطنبول.
سألني موسى إن كنت أريد الرجوع إلى بغداد لأيام.
فكرت في بيتي الصغير.
في الطاولة التي بدت عليها التذكرة كإهانة.
في جاراتي.
في رائحة الخبز صباحًا.
في الشوارع التي حفظت خطواتي وأنا أذهب للصيدلية.
فكرت في كل ما كان لي.
ثم فكرت في بيت أوسكودار.
في شركة الأخوان.
في عائشة.
في النساء اللواتي يمكن للمؤسسة أن تستقبلهن.
وفي فاضل، وهو يكتب بيده المتعبة أنه لم يترك لي مالًا لأختفي بل مكانًا أُرى فيه.
سأرجع إلى بغداد قلت لكن ليس لأبقى.
رجعت بعد شهر.
لم أدخل بيوت أولادي.
ذهبت إلى قبر فاضل ومعي ورد
أبيض، رغم أنه لم يكن موسمه.
جلست أمام الشاهد، ووضعت الرسالة على صدري.
يا رجل يا كتوم همست جعلتني أبكي في مكتب مليء بالغربان.
حرّك الهواء الزهور.
لكن شكرًا.
لم أبع البيت الصغير الذي اعتنيت به فيه.
رممته.
وتركت مفتاحًا عند جارتي أم
سامر.
وفي المطبخ، فوق الطاولة، وضعت نسخة مؤطرة من تذكرة السفر.
ليس لأتذكر الإهانة.
بل لأتذكر الباب.
بعد ستة أشهر، افتتحت مؤسسة تهاني الراوي أول بيت مؤقت لها في إسطنبول.
وصلت ثلاث نساء عراقيات وامرأتان من الجالية هناك، كلهن كبيرات في السن، كلهن متعبات من طلب الإذن كي يعشن.
واحدة تركها أبناؤها في مستشفى ببغداد.
وأخرى جاءت من الموصل بحقيبة بلاستيكية ويدين لا تتوقفان عن الدعاء.
استقبلتهن بالقهوة، والخبز، والرز، وطعام بسيط دافئ.
لم أكن أعرف كيف تُدار مؤسسة.
تعلمت.
كما تعلمت إعطاء الإبر.
كما تعلمت قراءة فواتير العلاج.
كما تعلمت النوم جالسة.
وكما تعلمت، متأخرة جدًا لكن تعلمت، ألا أخلط بين التضحية والحب.
أولادي أرسلوا رسائل.
ثم دعاوى.
ثم صمتًا.
والصمت كان الشيء الوحيد المحترم الذي قدموه لي.
أحيانًا كانوا يؤلمونني.
أكيد.
الأم لا تقتلع أبناءها من قلبها دون نزيف.
لكن الأم أيضًا تستطيع أن تغلق الباب عندما يدخل الأبناء فقط ليفرغوا البيت.
في إحدى الأمسيات، كنت جالسة في شرفة البيت القديم، أرى المطر ينزل على إسطنبول.
كانت عائشة تغني في المطبخ بصوت خافت.
إحدى النساء تسقي النباتات.
وأخرى تضحك في الهاتف مع حفيدتها التي تذكرتها أخيرًا.
أخرجت الصورة القديمة لفاضل وحيدر.
الشابان كانا ينظران إلى المستقبل دون أن يعرفا كم سيخفيان من الأسرار.
وجدتها يا فاضل قلت بهدوء الأشياء الصغيرة.
التذكرة المطوية.
الظرف.
السفر.
السخرية.
الباب.
وفهمت أن أولادي ابتسموا لأنهم ظنوا أنهم يخرجونني من العائلة.
لم يعرفوا أن فاضل، حتى بعد موته، كان يخرجني من قفص.
ترك لي تذكرة ذهاب
فقط.
لأنه كان يعرف أنني، بعد عمر كامل عشته من أجل الآخرين، كنت أحتاج أن أتعلم شيئًا واحدًا
ليس كل رجوع يعني بيتًا.
أحيانًا يبدأ البيت الحقيقي في المكان الذي لا يستطيع فيه أحد أن يأمركِ بالعودة.

 

تم نسخ الرابط