ملياردير خليجي
اهتز هاتف فهد مرة أخرى.
نظر إلى الشاشة بسرعة وهو يدخل المصعد الزجاجي المؤدي إلى قاعة الاجتماعات.
أول عملية شراء
صيدلية في دبي مول.
128 درهمًا.
توقف.
عبس قليلًا.
هذا ليس ما توقعه.
ثم ظهر الإشعار الثاني.
متجر ملابس أطفال.
214 درهمًا.
أما العملية الثالثة
فكانت من مطعم صغير قريب من المحطة.
63 درهمًا فقط.
رفع عينيه ببطء عن الهاتف.
مساعدته كانت ما تزال تتحدث عن الاجتماع، والأسهم، والمستثمرين، لكنه لم يكن يسمع شيئًا.
كان معتادًا أن يرى الناس ينهارون أمام المال.
لكن غادة اشترت دواءً.
ثم معطفًا لطفلتها.
ثم وجبة عادية.
لا فندق فاخر.
لا مجوهرات.
لا سحب نقدي.
شعر بانزعاج غريب.
وكأن جزءًا داخله كان ينتظر أن تثبت له أنه على حق.
دخل قاعة الاجتماعات.
الجميع وقف فورًا.
رجال ببدلات فاخرة.
شاشات تعرض أرقامًا بملايين الدراهم.
روائح عطور باهظة.
جلس في مكانه المعتاد على رأس الطاولة، لكن عقله بقي في محطة المترو.
فتح هاتفه مرة أخرى تحت الطاولة.
عملية شراء جديدة.
مكتبة.
49 درهمًا.
حدق بالشاشة لثوانٍ.
ماذا تشتري امرأة بلا منزل من مكتبة؟
ضغط على تفاصيل العملية دون أن يشعر.
دفاتر تلوين.
قصة أطفال.
وأقلام شمعية.
أغلق الهاتف ببطء.
ثم سمع أحد أعضاء المجلس يقول
أستاذ فهد؟ ما رأيك بالأرقام الجديدة؟
رفع رأسه متأخرًا.
لأول مرة منذ سنوات، لم يكن مركزًا.
انتهى الاجتماع بعد ساعة ونصف.
الجميع غادر يتحدث عن العقود الجديدة.
أما فهد، فبقي جالسًا وحده.
ثم فتح هاتفه مجددًا.
عملية جديدة.
فندق متوسط قريب من شارع الشيخ زايد.
ليلة واحدة فقط.
تنفس بهدوء.
لا جناح فاخر.
ولا حتى فندق خمس نجوم.
مجرد غرفة نظيفة.
أخذ مفاتيح سيارته بنفسه.
وهذا وحده فاجأ مساعدته.
السائق بالخارج، قالت بسرعة.
سأقود وحدي.
خرج قبل أن تسأله أين سيذهب.
كانت غادة تقف داخل الغرفة الصغيرة وهي تنظر حولها وكأنها لا تصدق أن الباب يُغلق هذه المرة من الداخل.
الغرفة بسيطة.
سريران.
ستائر رمادية.
وحمام صغير.
لكن ليان كانت تضحك لأول مرة منذ أيام.
تركت حقيبتها على الأرض وركضت نحو السرير.
ثم توقفت فجأة.
ماما إحنا مسموح لنا ننام هنا فعلًا؟
شعرت غادة بشيء يضغط صدرها.
ابتسمت بصعوبة.
نعم يا حبيبتي.
اقتربت ليان من السرير بحذر، ثم جلست فوقه ببطء وكأنها تخشى أن يطلب منها أحد المغادرة.
وبعد ثوانٍ فقط
استلقت بالكامل.
وأغمضت عينيها.
كأن جسدها الصغير كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن.
وقفت غادة تنظر إليها بصمت.
ثم جلست على الأرض قرب السرير.
ولأول مرة منذ أسابيع، سمحت لنفسها بالبكاء.
بهدوء.
دون صوت.
في المساء، ظهر إشعار جديد على هاتف فهد.
متجر أحذية.
حذاء أطفال.
87 درهمًا.
ثم بعده مباشرة
سوبرماركت.
حليب.
خبز.
فواكه.
معجون أسنان للأطفال.
أغلق فهد الهاتف بقوة هذه المرة.
شعر بضيق لا يفهمه.
كل شيء كانت تشتريه غادة يبدو طبيعيًا أكثر من اللازم.
حذرًا أكثر من اللازم.
حتى وهي تملك بطاقة بلا حد كانت تتصرف وكأنها تخاف أن تأخذ أكثر مما تستحق.
تذكر فجأة نساءً عرفهن في عالمه.
نساء أنفقن عشرات الآلاف على حقائب خلال ساعة واحدة.
أناسًا ولدوا داخل القصور ولم يقولوا يومًا شكرًا لأحد.
أما هذه المرأة
فكانت تحسب ثمن الحليب.
وصل إشعار جديد.
مطعم صغير.
وجبتان أطفال.
توقف قليلًا عندما قرأ الملاحظة المرفقة مع الطلب
بدون مخلل الطفلة لا تحبه.
حدق في الشاشة طويلًا.
تفصيلة صغيرة.
غريبة.
إنسانية أكثر مما ينبغي.
شعر بشيء ثقيل يتحرك داخله.
في تلك الليلة، لم يستطع النوم.
وقف أمام الواجهة الزجاجية لشقته المطلة على أضواء دبي.
مدينة كاملة تلمع تحت قدميه.
لكن كل ما كان يراه
طفلة تسأل أمها إن كان مسموحًا لها بالنوم على سرير.
رن هاتفه.
نظر إلى الاسم.
والده.
أجاب بعد ثوانٍ.
سمعت أنك تغيبت ذهنيًا عن الاجتماع اليوم، قال عبدالرحمن السالم ببرود.
لم يرد فهد فورًا.
ثم قال
كنت مشغولًا قليلًا.
ضحك والده ضحكة قصيرة بلا دفء.
لا تقل لي
تصلب فك فهد قليلًا.
مجرد موقف وانتهى.
اسمعني جيدًا الناس المحتاجون لا يريدون المساعدة. يريدون الوصول لما تملكه. هذه قاعدة لن تتغير.
سكت فهد.
لكن لأول مرة في حياته
لم يشعر أن والده محق تمامًا.
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان مبكرًا.
كانت جالسة على الأرض ترسم بالألوان التي اشترتها أمها.
رفعت الورقة بحماس عندما رأت غادة تستيقظ.
شوفي يا ماما.
اقتربت غادة ببطء.
الرسم كان عبارة عن سرير صغير.
وبجانبه نافذة وشمس.
وفوقهما كتبت ليان بخط طفولي متعرج
بيتنا.
شعرت غادة أن قلبها انكمش.
لأن طفلتها أصبحت تعتبر غرفة فندق مؤقتة بيتًا.
وفي نفس اللحظة تقريبًا، كان فهد ينظر إلى صورة العملية الأخيرة في تقرير البنك.
دفاتر التلوين.
أقلام الشمع.
حذاء صغير.
وحليب.
ثم همس لنفسه دون أن يشعر
ماذا حدث لكِ حتى أصبحتِ تخافين من أخذ أبسط الأشياء؟
في الساعة التاسعة صباحًا، وصل إشعار جديد إلى هاتف فهد.
مخبز صغير.
18 درهمًا فقط.
ثم بعده بدقيقتين
مغسلة ملابس.
41 درهمًا.
ظل ينظر إلى الشاشة بصمت.
امرأة نامت في محطة مترو لثلاث ليالٍ
وأول ما فعلته عندما حصلت على المال، أنها غسلت ملابس ابنتها.
أغلق الهاتف ببطء.
ثم رفع عينيه نحو المدينة الممتدة خلف زجاج مكتبه.
لأول مرة منذ سنوات، شعر أن هناك شيئًا لا يفهمه عن البشر.
كانت غادة تجلس قرب نافذة الفندق الصغيرة بينما تأكل ليان قطعة كرواسون بحماس طفولي بسيط.
كل بضع دقائق، كانت الطفلة ترفع عينيها نحو أمها وكأنها تخشى أن يختفي كل شيء فجأة.
ماما إحنا راح نرجع للمحطة؟
سكتت غادة لثوانٍ.
ثم قالت بهدوء
لا أعرف يا حبيبتي.
لم تكذب عليها.
لم تعد تملك طاقة للكذب المطمئن الذي تقوله الأمهات عادة لأطفالهن.
خفضت ليان عينيها نحو الطعام.
ثم سألت بصوت صغير
الرجال الغني كان طيب؟
ارتبكت غادة قليلًا.
فهد لم يكن لطيفًا بالمعنى الطبيعي.
حتى مساعدته كانت تتحدث
لكنه أيضًا لم ينظر إليهما باحتقار مثل بقية الناس.
قالت أخيرًا
أعتقد أنه يحاول يفهم شيئًا.
ليان لم تفهم الجملة.
لكنها هزت رأسها وعادت للأكل.
في الظهر، خرجت غادة من الفندق ممسكة بيد ابنتها.
كانت تتحرك بحذر واضح.
كأنها ما تزال تخشى أن يوقفها أحد ويقول إن كل هذا خطأ.
دخلت متجرًا بسيطًا للملابس.
ليس فاخرًا.
ولا رخيصًا جدًا.
وقفت ليان أمام فستان أزرق طويل قليلًا عليها.
ثم ابتعدت فورًا عندما رأت السعر.
لاحظت غادة ذلك.
يعجبك؟
هزت ليان رأسها بسرعة.
لا عادي.
لكن الأطفال لا يعرفون الكذب جيدًا.
ابتسمت غادة بخفة.
ثم أخذته بهدوء ووضعته مع الملابس الأخرى.
تجمدت ليان.
لا ماما غالي.
لا بأس.
بس الرجال يمكن يزعل.
توقفت غادة للحظة.
هذه الطفلة أصبحت تخاف حتى من شراء ما تحبه.
قالت بهدوء وهي ترتب شعرها
ما أحد يزعل من فستان يا ليان.
لكن شيئًا داخلها كان يهمس بالعكس.
هي نفسها كانت خائفة من البطاقة.
خائفة من أن يأتي وقت ويطلب فيه فهد كل شيء بالمقابل.
الحياة علمتها أن لا شيء مجاني فعلًا.
في نفس الوقت تقريبًا، كان فهد يجلس مع أحد المستثمرين داخل مطعم فاخر في برج خليفة.
الرجل يتحدث عن مشروع جديد.
مئات الملايين.
توسعات.
أرباح.
لكن فهد لم يكن يسمع جيدًا.
لأن إشعارًا جديدًا ظهر على هاتفه.
متجر ألعاب.
76 درهمًا.
ضغط عليه دون وعي.
لعبة تعليمية صغيرة.
ودمية أرنب رخيصة.
حدق طويلًا.
ثم سأل المستثمر فجأة
عندما كنت صغيرًا هل كنت تخاف من طلب الأشياء؟
توقف الرجل عن الكلام مرتبكًا.
ماذا؟
أعاد فهد نظره للهاتف.
لا شيء.
لكن السؤال بقي عالقًا داخله.
لأنه لا يتذكر أنه خاف يومًا من طلب أي شيء.
أما ليان
فكانت تخاف من فستان.
في المساء، عادت غادة وابنتها إلى الفندق.
ليان كانت الأرنب الصغير وكأنه كنز.
وعندما دخلتا الغرفة، ركضت مباشرة نحو السرير وقفزت فوقه وهي تضحك.
ضحكة قصيرة.
خفيفة.
لكنها ملأت المكان بالكامل.
وقفت
ثم فجأة غطت عينيها بيدها.
ليس لأنها تبكي.
بل لأنها لم تعد تعرف كيف تتحمل هذا الشعور.
السعادة البسيطة أصبحت تؤلمها.
رن هاتفها فجأة.
رقم غير معروف.
ترددت قبل أن ترد.
ألو؟
جاءها صوت رجل هادئ
معكِ فهد السالم.
تصلب جسدها