جوزي بيخلع دبلة جوازنا
كان بقاله ست شهور كاملين بيقلع دبلة جوازنا قبل كل سفرية شغل، وهو فاكرني مش واخدة بالي ومش حاسة بحاجة.
أول مرة شفته بيعمل كده، حاولت أعدي الموضوع وأقول لنفسي: "بلاش أوهام يا سلمى.. أكيد فيه تفسير طبيعي."
ساعتها "طارق" كان بيحضّر شنطته عشان مسافر إسكندرية مؤتمر تبع الشركة. كنت ماشية ناحية المطبخ، ولمحت انعكاس صورته في مراية الحمام المفتوح. وقف قدام المراية ثواني، وبص ناحية باب الأوضة يتأكد إني مش موجودة، وبعدها خلع الدبلة بهدوء وحطها تحت الشرابات جوه درج الكومودينو.
المشهد كله خد أقل من عشر ثواني… بس العشر ثواني دول فضلوا عايشين في دماغي شهور.
تاني يوم الصبح، وأنا بعمل القهوة، سألته بهدوء كأني بسأل سؤال عادي: — "هو إنت سبت الدبلة ليه؟"
بصلي وهو بيشرب أول رشفة وقال بمنتهى البرود: — "آه دي؟ يا ستي كنت هضيعها في البيسين الشهر اللي فات. قلت أريح دماغي وأسيبها هنا."
هزيت راسي وسكت. لكن الحقيقة إن الدبلة دي مكانتش مجرد دبلة.
الذهب ده كان معمول من دبلة أبويا الله يرحمه. يوم كتب كتابنا، أمي ادتهاله وقالتله: "خلي بالك منها دي فيها ريحة أبوها." وطارق وقتها اتأثر جدًا، ووعدني عمره ما هيشيلها من إيده.
عشان كده اللي خوفني مكانش موضوع الدبلة نفسه… اللي خوفني فعلًا هو الطريقة. السرّية. النظرة السريعة ناحية الباب. الإحساس إنه بيعمل حاجة مش عايزني أشوفها.
ومن بعد اليوم ده، بدأت
تليفونه مبقاش يفارق إيده. بقى يقلب الشاشة لتحت أول ما يحطه على الترابيزة. ولما توصله رسالة، يرد بسرعة وبابتسامة خفيفة كده تختفي أول ما أبصله.
وقبل كل سفرية، يقف قدام الدولاب بالساعات. ينقي قمصان معينة. يعيد حلاقة دقنه مرتين. ويحط برفان جديد عمري ما شميته عليه.
مرة وأنا بفضّي جيوب البنطلون قبل الغسيل، لقيت فاتورة من مطعم غالي جدًا في إسكندرية.
وجبتين. تحلية. وعصيرين فريش.
وقفت أبص للورقة كتير.
مش دليل. أكيد مش دليل.
بس العقل لما يبدأ يشك… أي تفصيلة صغيرة بتتحول لحكاية كاملة.
الأصعب من كده إن طارق كان هادي جدًا. من النوع اللي يعرف يخرج من أي نقاش وهو كسبان. كنت متخيلة لو واجهته هيبصلي باستغراب ويقنعني إني بتوهم. ويمكن فعلًا كنت هصدق نفسي غلط.
عشان كده قررت أسكت.
وأراقب.
لحد قبل السفرية اللي بعدها بثلاث أسابيع… لما عملت حاجة عمري ما تخيلت إني أعملها.
دخلت أوضته وهو في الشغل، وفتحت اللاب بتاعه.
مكنتش بدور على فضيحة. ولا كنت عايزة أمسك عليه حاجة. أنا كنت بس عايزة راحة.
فضلت أفتح ملفات الشغل والإيميلات وأنا قلبي بيرتعش. لحد ما لقيت فولدر صغير باسم: “Alex Notes”
فتحته.
جواه صور لفنادق… أماكن… مطاعم… وشوية ملفات PDF.
في الأول حسيت إن نفسي اتكتم.
بس لما فتحت أول ملف… اتجمدت مكاني.
كان برنامج رحلة علاج.
رحلة علاج لإعادة تأهيل نفسي لمرضى
قعدت أقرأ وأنا مش فاهمة.
واحدة واحدة، بدأت الصورة تتوضح.
من حوالي سبع شهور، طارق كان بيتابع مع دكتور نفسي. ومن الكلام المكتوب فهمت إنه من بعد وفاة أبويا وأنا دخلت في اكتئاب شديد من غير ما أحس بنفسي.
أنا فعلًا كنت اتغيرت. بطلت أخرج. بطلت أضحك. بطلت أتكلم مع حد. حتى علاقتي بطارق نفسها بقت باردة.
بس أنا كنت فاكرة إني "كويسة". وهو كان سايبني على راحتي.
الملفات كلها كانت عن أماكن هادية يقضي فيها وقت معايا. مطاعم مناسبة. أنشطة تساعد على تحسين الحالة النفسية. ملاحظات بخطه عن الحاجات اللي كنت بحبها زمان.
وفي ملف صغير اسمه: “الخطة الأخيرة”.
فتحته بإيدي المرتعشة.
لقيته كاتب:
"سلمى كل يوم بتبعد أكتر عن نفسها.
مش عايز أضغط عليها بالكلام لأنها بتقفل فورًا.
نفسي ترجع تضحك تاني.
نفسي ترجع تبص لنفسها زي زمان.
لو المؤتمر الجاي خلص بدري، هاخدها إسكندرية حتى لو يومين بس."
وقفت مكاني وأنا مش قادرة أتنفس.
كملت قراءة.
وكان فيه سطر خلاني أعيط فعلًا:
"بقيت أقلع الدبلة قبل السفر عشان كل ما أبص فيها أفتكر يوم فرحنا وساعتها ببقى مشتاق لها زيادة وهي أصلًا بعيدة عني وأنا جنبها."
قعدت على الأرض وأنا منهارة.
كل السيناريوهات اللي بنيتها في دماغي… كل القلق… كل الشك… طلع سببه إن الراجل ده كان بيحاول يشيل عني وجع وأنا حتى مش واخدة بالي.
وفي نفس اللحظة حسيت بذنب فظيع. أنا
لما رجع البيت يومها، كنت هادية بشكل غريب. دخل وهو تعبان كعادته، ورمى المفاتيح وقال: — "مالك؟"
بصيتله ثواني طويلة. وبعدين لأول مرة من شهور، حضنته من غير سبب.
اتفاجئ.
حتى إيده فضلت معلقة في الهوا ثواني قبل ما يحضني.
ولأول مرة من شهور… عيطت.
عيطت بطريقة خوّفته.
فضل يسألني: — "في إيه؟ حد ضايقك؟"
لكن أنا مكنتش قادرة أقول الحقيقة. مقدرتش أقوله إني فتشت وراه. ولا إني شكيت فيه بالشكل ده.
كل اللي قلته بصوت مكسور: — "وحشتني يا طارق."
وساعتها حسيت حضنه ضيق عليا أكتر كأنه هو كمان كان مستني الجملة دي من زمان.
بعدها بأسبوع، طلب مني أجهز شنطة صغيرة.
استغربت. قلتله: — "ليه؟"
ابتسم وقال: — "عندي يومين إجازة بالعافية… وإحنا مسافرين."
— "فين؟"
— "إسكندرية."
ولأول مرة من سنين… ركبت الطريق وأنا مش شايلة هم حاجة.
وصلنا وقت الغروب. البحر كان هادي والهوا بارد خفيف. وأنا ماشية جنبه على الكورنيش، لاحظت إنه لابس الدبلة.
بصيت لإيده من غير ما أتكلم.
فهم نظرتي.
ابتسم ومد إيده مسك إيدي وقال: — "المرة دي مش هشيلها تاني."
وفي الليلة دي، قعدنا على البحر بالساعات. اتكلمنا بصدق لأول مرة من شهور. عن تعبي. وعن خوفه. وعن المسافة اللي دخلت بينا من غير ما نحس.
واكتشفت إن أوقات كتير إحنا مش بنخسر الناس بسبب قلة الحب… إحنا بنخسرهم بسبب الصمت.
ومن يومها بقينا
لأن أسوأ حاجة ممكن تحصل بين اتنين بيحبوا بعض… إن كل واحد يبقى عايش جوه دماغه لوحده.