تظاهر مليونير بالسفر… فعاد ليجد معجزة في مطبخه قلبت حياته وابنه للأبد
كانت إلينا تنظر إليهما ودموع السعادة تنساب على خديها. كانت تعلم أن عملها قد اكتمل. لقد شفت ساقي الطفل لكن الأهم أنها شفت قلب الأب وفي الطريق وجدت بيتها هي أيضا. اختفت الخادمة وولدت سيدة بيت جديدة. والمليونير وهو يتقلب على العشب اكتشف أخيرا أن أعظم ثروته ليست في خزنة حديدية بل في الضحك بين ذراعيه.
حل الليل على القصر لكن الظلامللمرة الأولى منذ سنواتلم يجلب الصمت الجنائزي الذي كان يسكن الممرات. كان البيت حيا. تسمع آثار يوم صاخب ماء يجري في حوض الاستحمام همهمة إلينا الرقيقة في غرفة الطفل وصوت روبرتو وهو يحرك الأثاث في غرفة الجلوس.
كان روبرتو يتصبب عرقا وقد خلع قميصه وبقوة ولدتها عزيمة خالصة كان يجر طاولة الوسط الزجاجية المستوردةقطعة تصميم ثمنها يفوق ثمن سيارة صغيرةنحو المرآب. لم يكترث إن خدش الزجاج إطار الباب ولم يكترث إن صرت الأرجل المعدنية.
كانت تلك الطاولة تمثل الخطر والبرودة وتقديم المظهر على الحياة. وعندما دفعها أخيرا إلى ركن مظلم من المرآب بجوار سيارات فاخرة نادرا ما كان يستخدمها توقف أمام شيء آخر كان هناك منفيا سلفا الكرسي المتحرك الفضي. نظر إليه بمزيج من الكراهية والاحترام.
كان سجن ابنه لكنه كان أيضا الوسيلة التي أبقته آمنا حتى جاءت إلينا. مرر روبرتو يده على المقعد الجلدي البارد وهمس للشيء الجامد
لم نعد نحتاجك. شكرا على لا شيء.
ثم أغلق باب المرآب بضربة جافة تاركا وراءه ماضي المعدن والزجاج.
وعندما عاد إلى المطبخ وجد إلينا. كانت قد أنهت تنويم بيدريتو. كان شعرها منسدلا وفي يديها كوب شاي. أضاء نور المطبخ الخافت ملامحها وشعر روبرتو بخفقة في قلبه حين أدرك أن تلك المرأةالخادمة البسيطةصارت محور وجوده.
قالت إلينا وهي تستند إلى الرخام وتنظر إليه بنظرة دافئة
نام وهو يبتسم. قال إن أباه يجري بسرعة.
ابتسم روبرتو ابتسامة متعبة لكنها صادقة وهو يملأ كأسا من ماء الصنبورشيئا لم يكن ليفعله من قبل فقد كان يفضل دائما الماء المعبأ. ثم قال وهو يستدير إليها
إلينا اليوم مزقت عقدا ورفضت ملايين لكنني أحتاج أن أعرف شيئا. أحتاج أن أعرف هل أنت مستعدة لما هو قادم.
قالت وما القادم يا روبرتو
أجاب بجدية الحرب. غدا سأطرد الفريق الطبي كله. سأقاتل شركة التأمين. سأعيد ترتيب حياتي العملية وستكون هناك أيام سيئة. أيام يسقط فيها بيدريتو ويؤذي نفسه وسأخاف وسأرغب أن أعيده إلى فقاعة. أحتاج أن أعرف هل ستكونين هناك لتمنعيني من ذلك.
وضعت إلينا الكوب على الطاولة واقتربت. لم تلمسه لكن حضورها ملأ المسافة بينهما. قالت
أنا
قال روبرتو هذا هو العهد. لم تكن هناك حاجة لخواتم ولا لطلبات رسمية. في ذلك المطبخ بين رائحة النظافة وشاي البابونج تأسس تحالف أقوى من أي زواج مصلحة. أدرك روبرتو أن الحب ليس امتلاكا بل فريق.
بعد ثلاث سنوات كان مسرح مدرسة سان ميغيل مكتظا بآباء متوترين وكاميرات تصوير وهمهمات قلقة. كان ذلك مهرجان نهاية العام لمرحلة ما قبل المدرسة. جلس روبرتو في الصف الثاني مرتديا قميصا بسيطا بلا ربطة عنق. كانت إلينا إلى جانبه تضغط يده بقوة. كانت ترتدي فستانا مزهرا وتبدو متألقة لا بوصفها عاملة منزل بل شريكة حياته والأم المتبناة الرسمية لبيدرو.
همس روبرتو وهو يشعر بشبح الخوف القديم يلامس مؤخرته
أتظنين أنه سيفعلها
قالت إلينا بلطف
اهدأ انظر إلى المسرح.
انفتح الستار. امتلأ المسرح بنحو عشرين طفلا في الرابعة من العمر متنكرين بأزياء حيوانات الغابة أرانب ودببة وسناجب وهناك في الطرف الأيمن كان بيدريتو مرتديا زي أسد.
لم يكن أكثر الأطفال رشاقة كان ذلك واضحا. بينما كان الآخرون يقفزون ويركضون بطاقة فوضوية كان بيدريتو يتحرك بإيقاع مختلف. كانت مشيته تحمل عرجا خفيفا وتأرجحا مميزا في ساقه اليمنى علامة حرب من معركته مع الشلل. حبس روبرتو أنفاسه.
كانت الرقصة تقتضي أن يصعد الحيوانات إلى منصة خشبية صغيرة في النهاية الكبرى. صعد الأطفال واحدا تلو الآخر بقفزة. جاء دور بيدريتو. وقف أمام الدرجة. لطفل عادي كانت عشرة سنتيمترات أمرا تافها. لبيدريتو كانت إيفرست.
ساد صمت محرج بين الجمهور. همس بعض الآباء. همست سيدة خلف روبرتو مسكين كان ينبغي أن يساعدوه. شعر روبرتو بدفعة كهربائية تدفعه للنهوض للركض نحو المسرح لرفعه بيديه.
توترت عضلاته. نظر إلى إلينا. لم تكن تنظر إليه كانت تنظر إلى الأسد. كانت شفتاها تتحركان بصمت تردد التعويذة التي كرروها ألف مرة في غرفة الجلوس
قدمان ثابتتان عقل قوي.
على المسرح لم ينظر بيدريتو إلى المعلمة طلبا للمساعدة. لم يبك. وضع يده على المنصة وأسند ساقه القوية وبزئير التقطه الميكروفون وضخمه دفع نفسه إلى الأعلى. انزلقت قدمه مرة واحدة. كتم الجمهور صرخة. أغمض روبرتو عينيه لثانية وهو يدعو إلها بدأ يؤمن به من جديد.
وعندما فتح عينيه كان بيدريتو فوق المنصة واقفا ولبدة الأسد ملتوية وابتسامته تلمع أكثر من الأضواء. رفع يديه وزأر.
كان زئيرا طفوليا حادا نشازا لكنه محمل بانتصار نقي جعل الجدران ترتج. را!
في ذلك اليوم لم ير روبرتو طفلا ذا إعاقة يبذل جهدا بل رأى عملاقا وعرف يقينا أن الكرسي المتحرك لم يعد سوى ذكرى سيئة.
بعد سبع سنوات خاتمة. كانت شمس العصر تهبط على ملعب كرة القدم في النادي الرياضي المحلي. كانت المباراة متعادلة بهدف لهدف وبقيت دقيقتان. كان روبرتو وقد غزا الشيب صدغيه وظهرت حول عينيه تجاعيد الضحك يسير على خط الملعب بوصفه مدربا مساعدا متطوعا.
صاح وهو يجعل يديه بوقا
بيدرو! أغلق المساحة!
كان بيدرو قد بلغ الحادية عشرة. كان طفلا نحيلا قوي البنية جلده مسمر من ساعات اللعب في الهواء الطلق. كان عرجه ما يزال موجودا خفيفا لكنه ظاهر حين يجري بأقصى سرعة. لم يكن المهاجم الأبرز ولم يكن الأسرع لكن كان لديه شيء لا يملكه أي طفل آخر في الملعب لم يكن يخاف الأرض. بينما يتردد الآخرون قبل الانزلاق خوفا من الخدش كان بيدرو يندفع.
بالنسبة له كانت الأرض صديقه القديم. الأرض هي المكان الذي تعلم فيه الحياة. انفلت مهاجم الفريق الخصم على الجناح متجها إلى المرمى. كان طفلا كبيرا سريعا. كان بيدرو آخر مدافع. صاح أحدهم من المدرجات
إنه منفرد!
ركض بيدرو. كانت ساقاهالساقان اللتان ميتهما فالاداريس قبل سنواتتضخان القوة. لم يستطع اللحاق به سرعة فاستعمل الذكاء حسب الزاوية وفي اللحظة الحاسمة انزلق انزلاقا مثاليا نظيفا وأخرج الكرة خارج الملعب قبل التسديد مباشرة.
أطلق الحكم صافرة النهاية. بقي بيدرو ممددا على العشب يتنفس بعنف ينظر إلى السماء الزرقاء. ركض روبرتو نحوه ومد له يده
انزلاق ممتاز يا بني. قالها بفخر.
أمسك بيدرو بيد أبيه وبدلا من أن يرفع رفعا استعمل ذراع روبرتو كرافعة ليندفع واقفا بنفسهعادة لم يفقدها قط.
قال شكرا يا أبي. كاد يفلت مني.
سارا معا نحو إلينا التي كانت تنتظرهما بزجاجات ماء وقطع برتقال. نظرت إليهما رجلاها معجزتاها. وبينما كان بيدرو يشرب بنهم اقتربت منهما شخصية. كان رجلا شابا يرتدي بدلة فاخرة بدت شاذة في ملعب متسخ. كان يمسك بيد طفل صغير في الثالثة تقريبا يرتدي أجهزة تقويم على ساقيه ويمشي بصعوبة شديدة. كان الرجل ينظر إلى بيدرو بدهشة.
قال للرجل وهو يوجه الحديث إلى روبرتو
عفوا لقد كنت أراقب ابنك يلعب. إنه إنه مذهل كيف يتحرك.
ابتسم روبرتو فقد تعرف في عيني الرجل على نفس الألم ونفس الحيرة التي عاشها قبل عقد. ورأى في البدلة الفاخرة درعا ضد العجز.
قال اسمه
خفض الرجل صوته وهو ينظر إلى طفله بحزن
الأطباء يقولون إنه لن يستطيع الركض هكذا أبدا. لديه خلل تنسجي شديد. يقولون إن علي أن أكون واقعيا
ربت على رأس ابنه بذلك الخوف المشلول الذي عرفه روبرتو جيدا.
تبادل روبرتو نظرة مع إلينا. أومأت إيماءة تكاد لا ترى. حان وقت تسليم الشعلة. ركع روبرتو أمام الرجل وطفله واتسخت ركبتاه بالجينز على العشب ونزل إلى مستواهما.
قال بصوت قوي لكنه ودود
انظر إلي يا صديقي الأطباء يعرفون الطب لكنهم لا يعرفون المستقبل.
قبل عشر سنوات قالوا لي إن ابني لن يمشي. قالوا لي أن أشتري كرسيا وأن أستسلم.
وأشار إلى بيدرو الذي كان يضحك الآن مع رفاقه ويدفعهم مازحا
الواقع ليس ما يقوله التشخيص. الواقع هو ما أنت مستعد أن تبنيه معه.
لا تشتر له أغلى كرسي. اشتر له وقتك. ارم نفسك على الأرض معه. وسخ بدلتك. العب.
سأل الرجل بصوت فيه خيط أمل وهل ينجح ذلك
نهض روبرتو وضم إلينا من خصرها يجذبها إليه. قال وهو ينظر إلى عائلته
لا ينجح فحسب بل هو الطريقة الوحيدة للنجاة.
صدقني كنت أفقر رجل في العالم حين لم أملك إلا المال. الآن الآن أنا مليونير.
نظر الرجل إلى روبرتو ثم إلى إلينا ثم إلى طفله. وللمرة الأولى أفلت قبضته الصلبة عن يد الطفل وفك الزر الأعلى من قميصه. قال
شكرا.
رأى روبرتو وإلينا الرجل يبتعد وهو يمشي أبطأ قليلا يكيف خطواته مع خطوات ابنه ويبدأ رحلته الخاصة. ثم توجها نحو موقف السيارات والشمس تغرب تصبغ السماء بالبرتقالي والبنفسجي. كان بيدرو يمشي أمامهما يركل حجرا يعرج قليلا لكنه يمضي دائما.
قال روبرتو كاسرا الصمت المريح
أتدرين في ماذا كنت أفكر
قالت إلينا في ماذا يا حبيبي
قال الجارة غيرتروديس كانت محقة في شيء.
رفعت إلينا حاجبها بمزاح في ماذا تلك العجوز الساحرة لم تكن محقة في شيء قط!
ضحك روبرتو قالت إن ذلك البيت كان ساحة مهرجان وكانت محقة. بيتنا ساحة مهرجان ضجيج صراخ فوضى وهو مثالي.
ضحكت إلينا وأسندت رأسها إلى كتفه
الصمت مبالغ في تقديره يا روبرتو.
وصلا إلى السيارة. فتح روبرتو الباب الخلفي لبيدرو لكن الطفل كان قد صعد وحده وأخذ يبحث عن الموسيقى في المذياع. نظر روبرتو إلى إلينا قبل أن يصعد إلى مقعد السائق. نظر إليها بنظرة من يعثر على كنز في المكان الأقل توقعا.
قال ببساطة ووضوح
أحبك.
قالت وهي تمازحه وتغمز بعينها
وأنا أحبك يا سيدي أيها المليونير السابق.
ثم أضافت والآن قد فالبطل جائع.
انطلقت السيارة وابتعدت على الطريق تحمل عائلة تحدت العلم والمال والقدر وأثبتت