جدك مكنش الشخص اللي إنتي فاكراه

لمحة نيوز

بعد جنازة جدي بأسبوعين، تليفوني رن برقم غريب، وصوت من الناحية التانية قاللي جملة ركبي سيبت بسببها: "جدك مكنش الشخص اللي إنتي فاكراه". مكنتش متخيلة أبداً إن الراجل اللي رباني كان مخبي سر كبير بالمنظر ده، سر يغير حياتي كلها.
كان عندي ست سنين لما خسرت بابا وماما.
الأيام اللي بعد كده كانت سودة، كلها كلام ووشوشة من الكبار عن السواق السكران اللي خبطهم وماتوا بسببه، وكانوا عمالين يتخانقوا هيعملوا معايا إيه.
كلمة "ملجأ" كانت عمالة تتردد في البيت. الفكرة دي كانت مرعباني، وكنت فاكرة إنهم هيرموني بعيد للأبد.
بس جدي لحقني.
كان عنده 65 سنة، هلكان وتعبان، وضهره وركبه واجعينه، بس دخل الصالة اللي الكبار كانوا قاعدين يوشوشوا فيها على مصيري، وخبط بإيده جامد على ترابيزة الصالون وقال:
"البنت هتيجي معايا، والموضوع خلص."
ومن اللحظة دي، جدي بقى هو كل دنيتي.
سابلي أوضته الكبيرة وأخد هو الأوضة الصغيرة. اتعلم إزاي يضفرلي شعري من فيديوهات اليوتيوب، وكان بيحضرلي أكل المدرسة كل يوم، وبييجي يحضر كل حفلات المدرسة واجتماعات أولياء الأمور.
كان هو بطل القصة ومثلي الأعلى في الدنيا.
لما كان عندي عشر سنين، قلتله: "يا جدي، لما أكبر نفسي أطلع أخصائية اجتماعية عشان أنقذ الأطفال زي ما أنت أنقذتني."
أخدني في حضنه جامد لدرجة حسيت إن ضلوعي هتتكسر، وقاللي: "تقدري تطلعي أي حاجة نفسك فيها يا بنتي، أي حاجة في الدنيا."
بس الحقيقة، عمر ما كان معانا فلوس كتير.
لا سافرنا، ولا كنا بنجيب أكل من بره، ولا حتى الهدايا اللي من غير مناسبة دي اللي بشوف العيال التانية بتجيبها.

ولما كبرت، بدأت ألاحظ حاجة غريبة بتتكرر في حياتي مع جدي.
كنت أقوله: "يا جدي، ينفع أجيب طقم جديد؟ كل البنات في المدرسة بيلبسوا بناطيل ماركات ونفسي في واحد."
كان رده دايماً: "معناش فلوس للحاجات دي يا بنتي."
ده كان رده على أي طلب لشيء زيادة عن اللزوم. كنت بكره الجملة دي أكتر من أي حاجة في الدنيا كلها.
وبدأت أزعل منه وأشيل في نفسي عشان دايماً بيقول لاء.
في الوقت اللي البنات التانية بيلبسوا على الموضة وماركات، كنت أنا بلبس هدوم قديمة ومستعملة.
صاحباتي كلهم معاهم موبايلات جديدة، وأنا معايا موبايل قديم زي القالب مبيمسكش شحن أصلاً.
كان زعل وحش وأناني، من النوع اللي يخلي الدموع تنزل حامية على مخدتي بالليل، وأقعد أكره نفسي عشان زعلانة منه، بس برضه مكنتش قادرة أوقف الضيق اللي جوايا.
كان بيقوللي إني أقدر أكون أي حاجة أنا عاوزاها، بس الوعد ده بدأ يحسسني إنه كدبة.
بعد كده جدي تعب، والزعل ده اتقلب لخوف شديد بيوجع البطن.
الراجل اللي كان شايل دنيتي كلها على كتافه، فجأة مبقاش قادر يطلع السلم من غير ما ينهج ويموت من قلة النفس.
مكنش معانا فلوس نجيب ممرضة أو حد ياخد باله منه (طبعاً، ما احنا معناش فلوس لأي حاجة)، فكنت أنا اللي برعاه لوحدي.
كان يقوللي: "أنا هبقى كويس يا بنتي، ده شوية برد. الأسبوع الجاي هقوم وأبقى زي البمب، ركزي أنتِ بس في امتحاناتك."
وكنت أقول في سري: "كداب".
كنت أقوله: "ده مش برد يا جدي، لازم ترتاح، أرجوك سيبني أساعدك."
كنت بوفق بالعافية بين ترم الثانوية الأخير وبين إني أساعده يدخل الحمام، وأأكله الشوربة بالمعلقة، وأتأكد
إنه أخد كوم الأدوية بتاعه.
كل ما كنت أبص لوشه وهو بيخس وبيصفر أكتر كل يوم الصبح، كنت بحس برعب في صدري. إيه اللي هيحصلنا إحنا الاتنين؟
في ليلة، وأنا بساعده يرجع السرير، قال حاجة قsectionت قلبي.
كان بيترعش من المجهود اللي بذله عشان يمشي بس لحد الحمام. وهو بيقعد، بص في عيني بنظرة قوية وعمرها ما طلعت منه قبل كده.
قاللي: "يا ليلى، أنا محتاج أقولك على حاجة."
قلتله: "بعدين يا جدي، أنت تعبان ومحتاج ترتاح."
بس كلمة "بعدين" دي عمرها ما جت.
لما مات وهو نايم، دنيتي وقفت تماماً.
كنت لسه متخرجة من المدرسة، وبدل ما أحس بفرحة أو أمل، لقيت نفسي غرقانة في مكان مرعب وضلمة.
بطلت آكل كويس، وبطلت أنام.
وبعد كده الفواتير بدأت تيجي... ميه، ونور، وعوايد، وكل حاجة.
مكنتش عارفة أعمل فيهم إيه.
جدي سابلي البيت، بس هجيب منين فلوس عشان أصرف عليه؟ كان لازم أدور على شغل فوراً، أو يمكن أحاول أبيع البيت عشان بس أشتري لنفسي كام شهر أعيش بيهم لحد ما أشوف خطوتي الجاية إيه.
وبعدين، بعد الجنازة بأسبوعين، جالي تليفون من رقم غريب.
صوت ست رد عليا وقالت: "أنا الأستاذة رانيا من البنك، وبكلمك بخصوص جدك المرحوم."
البنك! الجملة اللي كنت بكرها زمان "معناش فلوس للحاجات دي" رجعت ترن في ودني بس بصدمة جديدة: هو كان عزيز النفس ومحبش يطلب مساعدة من حد، وأنا دلوقتي اللي هشيل شيلة ديون كبيرة مأستهاش.
بس الكلام اللي الست قالته بعد كده كان غير متوقع لدرجة إن الموبيل كان هيقع من إيدي.
وقالتلي: "جدك مكنش الشخص اللي إنتي فاكراه، إحنا لازم نتكلم."
قلتلها: "قصمك إيه بمكنش اللي أنا
فاكراه؟ هو كان وقع في مشكلة؟ كان مديون لحد؟"
قالتلي: "مينفعش نتكلم في التفاصيل في التليفون، تقدري تيجي النهاردة بعد الظهر؟"
قلتلها: "آه، هكون عندك."
لما وصلت البنك، لقيت الأستاذة رانيا مستنياني، وأخدتني لمكتب صغير.
قالتلي وهي بتمسك إيدها بانتظام على المكتب: "شكراً إنك جيتي يا ليلى، أنا عارفة إن الوقت ده صعب عليكي."
قلت بسرعة ومن غير مقدمات: "قوليلي بس كان مديون بكام، وأنا هقسطهم وهدفعهم، بوعدك."
الأستاذة رانيا بربشت بعينها وقالت: "هو مكنش مديون بحاجة يا بنتي، العكس تماماً. جدك كان من أكتر الناس اللي شفتهم في حياتي حريصين على التحويش، وكان ليا الشرف إني اتعاملت معاه."
قلتلها: "أنا مش فاهمة، إحنا عمر ما كان معانا فلوس، كنا بنكح تراب عشان ندفع فاتورة الغاز والنور."
قربت مني، والكلام اللي قالتهولي بعد كده خلاني أعرف إن جدي كان عايش معايا في كدبة طول حياتي.
"يا ليلى، جدك جه هنا من 18 سنة، وعمل حساب ادخار مقفول للتعليم باسمك، وكان بيحط فيه فلوس كل شهر بانتظام."
الحقيقة نزلت عليا زي الصاعقة.
جدي مكنش فقير، هو كان بيقسي على نفسه وعليا بقصد وبتخطيط. كل مرة كان بيقولي فيها "معناش فلوس للحاجات دي يا بنتي"، كان بيبقى معناه الحقيقي: "أنا مش هصرف الفلوس دي دلوقتي عشان ببني لك حلمك."
وبعدين الأستاذة رانيا طلعتلي جواب.
وقالتلي: "هو صمم إني أديكي الجواب ده لما تيجي، كتبه من كام شهر."
أخدت الجواب، وإيدي كانت بترتعش وأنا بفتح الورقة اللي جوه.
"حبيبتي ليلى،
لو بتفتحي الجواب ده دلوقتي، فده معناه إني مش هقدر أكون جنبك وأنا بوصلك لجامعتك بنفسي،
وده بيعصر قلبي العجوز من الحزن. أنا آسف يا بنتي..."
 

تم نسخ الرابط