غسلتي باظت حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز


تانية خالص.. هدى الجديدة اللي مفيش مخلوق يقدر ييجي على حقها. أول حاجة عملتها، نزلت المحل اللي كنت شايفة فيه العرض، واشتريت الغسالة الجديدة بفلوس شقايا وتعب قلبي.
يوم ما الغسالة وصلت البيت والعمال بيركبوها، كنت واقفة ببص لها وفرحانة، مش بس عشان ريحت إيدي اللي اتهرت، لأ، عشان كانت رمز لانتصاري وكرامتي اللي رجعتلي.
حماتي لمت حاجتها ورجعت بيتها وهي بتجر ذيول الخيبة، ومبقتش تيجي غير زيارات خفيفة وعلى حركراكر، ومبتفتحش بوقها بنص كلمة. وأحمد بقيت أشوف في عينه نظرة احترام وخوف من زعلي متعودتش عليها منه قبل كدا.
عرفت يومها إن الست هي اللي بتعمل لقيمتها حساب، وإن السكوت على قلة التقدير بيعلم الناس تتمادى، بس لما تقفي وتجيبى حقك، الكل بيعملك ألف حساب.
مرت الأيام، والغسالة الجديدة بقت شغالة في البيت، وصوتها وهو بيلف كان بالنسبالي زي لحن الانتصار. كل ما أحط فيها هدوم وأدوس على الزرار، أفتكر وجع إيدي وكسرة نفسي، وأحمد ربنا إن الغمة دي انزاحت، وإن صبري ماراحش هدر.
أحمد اتغير معايا تماماً، بقى يدخل الشقة عينه في الأرض، بيحاول يرضيني بأي طريقة. يشتري طلبات البيت من غير ما أطلب، ويسألني عن رأيي في كل صغيرة وكبيرة، وكأنه بيحاول يمسح قلم دقة الوجع اللي علم على وشي وقلبي. وأنا؟ كنت بتعامل ببرود الذكية؛ بمرّي يومي، وبأكل ولادي، وبشوف طلبت بيتي، بس الحنية اللي كانت في قلبي زمان ناحيته بقت محكومة بحساب.
في يوم جمعة، لقيت أحمد قاعد

معايا في الصالة والولاد بيلعبوا حوالينا، حمحن كذا مرة وقال بصوت واطي
هدى.. أمي تعبانة شوية بقالها يومين، ونفسها تشوف الولاد.. وكمان، يعني، لو تسمحي، نفسك في لقمة من إيدك.
بصيت له بكل هدوء، حطيت كوباية الشاي من إيدي وقولتله
أمك على عيني ورأسي يا أحمد، تعبها ليه احترامه، والولاد ولاد ابنها يروحوا يزوروها ويطمنوا عليها ويا سيدي هعملها لقمة خفيفة تاكلها بالهنا والشفا.. بس أنا؟ أنا مش هروح، وزيارتها هنا زي ما اتفقنا؛ ساعة زمن وتتكل على الله. أنا مش شايلة منها، بس اللي يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي، وأنا كرامتي لسة بتلملم نفسها.
أحمد بلع ريقه وهز رأسه بالموافقة ومقدرش ينطق بحرف، لأنه عارف إن أي ضغط عليا ممكن يهد المعبد كله فوق دماغه.
وفعلاً، مشيت حياتي على النظام ده. الفلوس اللي بطلعها من شغلي بقت تتدخر في البنك باسمي، ومبقتش أصرف مليم واحد في البيت إلا بمزاجي ولحاجة تخص ولادي بس. أما مصروف البيت، فبقى هو المسؤول عنه قرش صاغ، ويلف حوالين نفسه عشان يكفيه ويكفي طلباتنا، عشان يحرم يقول أنا اللي بديكِ الفلوس.
حماتي لما لقتني ناشفة ومش مديّة الأمان، وبقيت بلقط الكلمة وأرد عليها في وقتها بكل أدب بس بسمّ يقطع الخميرة من البيت، اتلمت وبقت تيجي تقعد حاطة إيدها في حجرها، تتكلم بنحنحة وتدعيلي وتدعي لولادي، وعينها تروح وتيجي على الغسالة الجديدة اللي بقت واقفة في المطبخ زي العسكري اللي حامي حمايا.
وفي ليلة، وأنا قايمة بليل أشرب،
عديت على أوضة الولاد، لقيتهم نايمين في سلام وأمان. دخلت المطبخ، حطيت إيدي على الغسالة وابتسمت.. ابتسامة واحدة عرفت قيمتها وقيمة شقاها، وجمعت من وسط الوجع قوة تخليها تعيش ملكة في بيتها، ومحدش يجرؤ يكسر لها عين بعد اليوم.
فاتت شهور وسنة ورا سنة، وحياتنا مشيت على العجين ملخبطوش. الغسالة اللي كانت سبب الأزمة بقت هي الشاهد على إن الست لما بتاخد موقف، كل حاجة حواليها بتتغير.
أحمد اتعلم الدرس وعاش معايا بما يرضي الله، وبقى عامل حساب لكل كلمة وكل نظرة، مش خوفاً مني، لأ، خوفاً من إنه يخسرني ويخسر بيته بعد ما عرف قيمتي بجد. وحماتي؟ ربنا هداها، أو بمعنى أصح، عرفت إن اللعب معايا مبقاش جايب همه، فبقت تحترمني وتعملي ألف حساب لما تيجى تزورنا، والزيارة بقت بالزي والأصول.
وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة في الصالة، وبنتي الكبيرة واقفة في المطبخ بتغسل كوبايتين، لقيتها بتناديني وبتقول
ماما.. أنا تعبت من وقفة المطبخ، هو إحنا مش هنجيب غسالة أطباق تريحنا شوية؟
بصيت لأحمد اللي كان قاعد جنبي بيقرأ في تليفونه، أول ما سمع الكلمة، رفع عينه وبصلي وابتسم ابتسامة فيها فهم وندم على كل اللي فات. أخد نفس طويل وقام وقف، وراح طلع محفظته من جيبه، وحط مبلع محترم على الترابيزة قدامي وقال بصوت كله رضا واحترام
لأ يا حبيبة أبوكي، إحنا هنجيبها.. والمرة دي بقى، دي فلوس غسالة الأطباق جاهزة ومكورة، ومن خيري وتعبي أنا، هدية لأمك ست البيت اللي شالت واستحملت، وعشان
إيدها الغالية دي متتمسش بماية تعب تاني أبداً.
بصيت للفلوس وبصيت له، وحسيت إن الوجع القديم كله اتمسح في اللحظة دي. مش عشان الفلوس، ولا عشان الغسالة الجديدة، بس عشان الراجل اللي عرف غلطه وصالحه، وعشان الكرامة اللي اتصانت والبيت اللي اتقفل على أهله بالحب والتقدير. لمت الفلوس وأنا مبتسمة وقولتله يسلم خيرك يا أبو الولاد.. طول عمرك أصيل.
ودخلت المطبخ وأنا حاسة برضا ملوش آخر، باصة لولادي ولبيتي المستقر، وعرفت إن الست العاقلة هي اللي تعرف إمتى تقف وتثور لكرامتها، وإمتى تسامح وتعدي عشان مركب بيتها يسير في أمان
أحمد بص للولاد وقالهم بفرحة يلا البسوا عشان ننزل كلنا نختار الغسالة الجديدة مع ماما، ونشرب عصير ونحتفل باللمة الحلوة دي.
الولاد جريوا يطنططوا من الفرحة ويدخلوا أوضتهم يلبسوا، وأحمد قرب مني، مسك إيدي وباسها بكل احترام وقال سامحيني يا هدى على كل ثانية زعلتِك فيها، إنتي النور اللي منور بيتي ده.
ابتسمت له ونفضت آخر ذرة وجع كانت باقية في قلبي من الماضي. دخلت الأوضة ألبس، ووقفت قدام المراية أصلح الطرحة، بصيت لملامحي لقيتني راضية وهادية، الست اللي انكسرت زمان مبقاش ليها وجود، وال واقفة دلوقتي ست قوية، حكيمة، وعارفة قيمتها كويس.
خرجنا كلنا والضحكة مالية وشوشنا، وأحمد ماسك إيدي وإيد الولاد، ونزلنا السلم وإحنا بنقفل باب الشقة ورا ظهرنا على حياة جديدة، مفيهاش مكان غير للاحترام والأصول والتقدير اللي مفيش ست تقبل تعيش من غيرهم.

تمت 
حكايات انجى الخطيب

تم نسخ الرابط