دفنت زوجي بعد أربعين عاما من الزواج
يلتقطون الصور كأن الحياة لا تزال تستحق التوثيق.
اشتريت آيس كريم مانجو.
وجلست أمام البحر.
ثم فتحت الهاتف.
كان هناك رسالة من خالد.
لم تكن طويلة.
أنا أراجع مختصًا نفسيًا. أنا وريم انفصلنا. لا أكتب لك لأطلب الفيلا. فقط أريد أعرف إنك بخير.
قرأتها أكثر من مرة.
ثم أجبت
أنا بخير. أكثر مما تتخيل.
ولم أزد.
أحيانًا فتح الباب لا يعني أن تسمح للجميع بالدخول.
بعد تسعة أشهر، افتُتح بيت نورة من دوني.
لطيفة، وأم فهد، وسعاد التي قررت أن تنزل من الرحلة أسبوعًا للمساعدة، نظمن أول غداء.
حضرت ثلاث نساء كبيرات في السن في ذلك اليوم.
واحدة اسمها مها، كان ابنها قد أخذ راتبها التقاعدي.
والثانية جميلة، كانت تنام في غرفة الخادمة داخل بيتها.
أما الثالثة فلم ترغب في قول قصتها.
طلبت قهوة فقط.
عاد مطبخي تفوح منه رائحة الحساء.
لكنه لم يعد سجنًا.
صار مأوى.
أرسلت لي
وعلى الجدار، فوق الخزانة التي أرادت ريم أن تضع مكانها الأقفاص، علقوا لوحة كتبوا عليها
هنا لا توجد امرأة زائدة.
ظللت أنظر إلى الصورة طويلًا.
كان أبو خالد سيبتسم.
أو يبكي.
ربما الاثنان معًا.
انتهى العام في صباح صافٍ.
عادت السفينة إلى جدة، وكان صوت موسيقى هادئة يملأ المكان، والركاب يصطفون بحقائبهم، وهداياهم، ووجوههم التي غيّرتها الشمس.
نزلت بحقيبتي البيضاء، وأقراط اللؤلؤ، وهدوء لم أعرفه من قبل.
كان خالد في الميناء.
وحده.
أنحف قليلًا.
بلا نظارات سوداء.
يحمل باقة ورد بسيطة، ليست فاخرة.
أعجبني ذلك، لكنني لم أقل.
قال
يمّه.
نظرت إليه.
لم أركض لأحضنه.
ولم أعاقبه بالبرود.
انتظرت فقط.
ابتلع ريقه وقال
سامحيني لأنني ظننت أن حياتك متاحة لنا فقط لأنك أمي.
هذه الجملة كانت جديدة.
ليست كاملة.
لكنها جديدة.
قلت
ما زلت غاضبة.
قال
أعرف.
وما زلت متألمة لأن جود ظنت أنني تركتها.
خفض رأسه.
أنا قلت لها ذلك. وأنا أخجل منه.
قلت
جيد. الخجل مفيد إذا لم يبقَ نائمًا.
بقي صامتًا لحظة.
ثم قال
أقدر أوصلك البيت؟
نظرت إلى الخارج.
كان هواء جدة يحمل رائحة البحر، والقهوة، وحركة السيارات قرب الميناء.
وفي البعيد، كان البحر يواصل حركته كأنه لا يتعب أبدًا.
قلت
لن أذهب إلى البيت مباشرة.
سأل
إلى أين؟
إلى الكورنيش. أريد أن أفطر أمام البحر.
رمش بعينيه.
في الماضي كان سيقول إنه متعب، أو مستعجل، أو إن الطريق مزدحم.
هذه المرة قال فقط
أقدر أجي معك؟
فكرت في كل شيء.
في الأقفاص.
في الببغاء.
في الظرف الأزرق.
في السفينة وهي تبتعد عند الفجر.
وفي النساء الجالسات داخل فيلتي تحت اللوحة الجديدة.
قلت
تقدر تمشي معي. أما مرافقتي فهذه ستتعلمها مع الوقت.
هز رأسه.
خرجنا معًا، لكن ليس متلاصقين.
كان هذا
وأثناء المشي، اهتز هاتفي.
كان فيديو من أم فهد داخل بيت نورة.
الصالة ممتلئة بنساء يتناولن الفطور، والشمس تدخل من النافذة، ودلة القهوة على الطاولة.
وفي الخلف، كان أحدهم قد علّم الببغاء جملة جديدة.
صرخ ذلك الطائر بصوته الخشن نفسه
أم خالد هي الآمرة!
ضحكت بقوة حتى خاف خالد.
قال
وش صار؟
أريته الفيديو.
لم يعرف هل يضحك أم يبكي.
أما أنا فعرفت.
ضحكت.
ضحكت من أجل أبي خالد.
ومن أجل أربعين عامًا من الخدمة.
ومن أجل عظامي المتعبة.
ومن أجل الحيوانات التي لم أعتنِ بها.
ومن أجل الفيلا التي توقفت عن كونها ميراثًا، وصارت بابًا مفتوحًا.
ضحكت لأن غيابي كسر حياتهم فعلًا.
لكن ليس ليهدمهم.
بل ليجبرهم أن يروا الفراغ الذي كنت أملؤه دون أن يشكرني أحد.
وبينما كنت أمشي نحو البحر، والشمس على وجهي، وابني يتعلم ألّا يمشي أمامي فهمت أن المرأة أحيانًا لا تحتاج
أحيانًا يكفي أن تصعد إلى سفينة.
وألا ترد على الهاتف.