وصية امي ٢ حكايات زهرة
عروق جبهته برزت من تحت النضارة، وصوته وطى بس كان زي فحيح الأفعى
بقى كدة يا زهرة؟ بتكسري كلامي قدام أمي وقدام الغريب؟ بتفضلي كلام ميتين على مصلحة الحي اللي عايش معاكي؟
حماتي سحبت ابنها من دراعه وقالت بغل واضح
سيبها يا أحمد.. سيبها يا بني، اللي أوله شرط آخره رضا. شكلها كدة واخدانا على طمع وشايفة إننا جايين نسرقها. يلا بينا، والبيت يجمعنا.
فات تلات أيام على خناقة البنك. تلات أيام والبيت عامل زي القبر. أحمد ما بيكلمنيش، يدخل من المدرسة يغير هدومه، ياكل اللقمة اللي أمه بتعملها من ورايا، ويدخل ينام في الأوضة التانية. وحماتي، متبطليش دندنة بأغاني حزينة وصوت الهون شغال من الفجرية كأنها بتعاقبني على صحياني. شيماء أختها مجتش البيت، بس كانت بتلقح عليا ببوستات على الفيسبوك عن الأصل الطيب والست اللي بتصون جوزها في أزمته.
في الليلة الرابعة، كنت قاعدة في الصالة لوحدي، بهبب نفسي بالهوا، والجو كان حر وخنقة. أحمد خرج من الأوضة، وبصلي بنظرة خالية من أي مشاعر، وقعد على الكرسي اللي قدامي.
زهرة.. أنا فكرت كتير في اللي حصل. قالها وهو بيقلع نضارته ويمسحها بياقة قميصه.
ياريت تكون فهمتني يا أحمد، أنا مش قصدي أقف في طريقك، بس دي وصية أمي، وأنا مقدرش أخون الست اللي شقيت عشان تسيبلي القرشين دول.
تمام.. وصية أمك على عيني ورأسي. بس الجواز برضه ليه أصول. إنتي شايفة إن الفلوس دي بتاعتك لوحدك، وإني ماليش كلمة عليكي. وطالما ماليش كلمة، يبقى مفيش لزوم للعيشة دي. أنا هسيبلك
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. طلاق؟ عشان 350 ألف جنيه؟ هو أنا كنت رخيصة عنده للدرجة دي؟ فين الأيام اللي كان بيقف فيها في هواء طوبة ساعتين تحت المطر عشان بس يشوفني؟ فين الحنية والعشرة؟
قبل ما أنطق بكلمة، دخلت حماتي وهي شايلة الشنطة الخوص الكبيرة بتاعتها، بس المرة دي ما كانش فيها برطمانات لفت؛ كانت لامة فيها هدوم أحمد وهدومها. وبصتلي من فوق لتحت وقالت
يلا يا بني.. سيبها لفلوس أمها تنفعها. الدهب اللي في إيديها ده لوحده يجيب حتة أرض، وهي مستخسرة فيك قرشين سيلان. بكرة تندمي يا بنت ال...
مشوا.. وقفلوا الباب وراهم برقعة هزت حيطان الشقة الإيجار اللي كنا ساكنين فيها.
قعدت في الأرض أعيط لحد ما عيوني ورمت. بقيت محتارة بين نارين نار إني أخرب بيتي وأتطلق وأنا لسه في أول جوازي، وكلام الناس اللي ما بيرحمش، ونار إني أخون وصية أمي الغالية اللي ماتت وهي عشمّانة فيا.
دخلت أوضة النوم، فتحت الدولاب وطلعت العلبة القطيفة الحمرا. فتحتها وبصيت للغويشتين الذهب اللازوردي القدام، التقال. مسكت واحدة منهم وقربتها من النور عشان أشوف نقشة الوردة البلدي الصغيرة المحفورة جوه. وأنا ببص، افتكرت حاجة.. افتكرت إن أحمد كان دايماً مركز مع الغوايش دي. افتكرت يوم ما شيماء بصت على معصم إيدي، ويوم ما هو قالي في المطبخ ومراته كمان ساعدته.
فجأة،
شريط الذكريات بدأ يرجع لورا بسرعة. يوم ما أمي كانت في المستشفى، وأحمد كان واخد نسخة من تقاريرها الطبية وأشعتها على تليفونه.. هو كان بيدخل للدكتور لوحده بحجة إنه بيفهم في الكلام ده. وفي الأيام الأخيرة، لما أمي كانت بتخرف من كتر المسكنات والكيماوي، أحمد كان بيقعد معاها بالساعات لما أكون أنا نازلة أشتري دوا أو بعمل حاجة في المطبخ.
مسكت تليفوني وإيديا بتترعش، وطلبت رقم عم مصطفى البواب بتاع عمارة أمي الله يرحمها.
أيوة يا عم مصطفى، إزيك؟
أهلاً يا بنتي، البقاء لله يا ضنايا، شد حيلك.
ونعم بالله يا عم مصطفى.. كنت عايزة أسألك على حاجة كدة معلش.. هو الأستاذ أحمد، جوزي، كان بييجي شقة أمي لوحده في الفترة الأخيرة قبل ما تتنقل المستشفى؟
عم مصطفى سكت شوية، وبعدين قال بنبرة تردد
والله يا بنتي مش عايز أعمل مشاكل، بس هو الأستاذ أحمد جه كذا مرة وهي تعبانة، وكان بيقول لي إنه جاي يجيب ورق مهم تبع المعاش بتاع الحجة عشان يخلصوا ليها. حتى في يوم أنا شفته نازل ومعاه كيس أسود صغير، ولما سألته قال لي دي أشعة قديمة بنرميها.
الكيس الأسود! الكيس الأسود ده كان فيه الأوراق الرسمية بتاعة حسابات أمي في البنك وبند الصرف! هو عرف كل حاجة من ورايا، وخطط لكل حاجة بالمليم
الدموع نشفت في عيني، وحل مكانها غضب وبرود غريب. نزلت الغوايش من إيدي وحطيتها في العلبة، وقررت إني مش هكون الضحية. أحمد ما كانش بيحبني، أحمد كان مستني أمي تموت عشان يورثها فيا!
تاني يوم الصبح، لبست أحسن عباية عندي، وحطيت روج خفيف عشان ميبانش عليا الكسرة، ورحت البنك. قابلت نفس الموظف، وربطت ال 350 ألف جنيه شهادة تلات سنين باسمي، وعملت تعليمات مشددة إن مفيش أي سحب أو كسر للشهادة يتأثر إلا بحضوري الشخصي وبصمة إيدي.
وبعدها، طلعت على محامي محترم من طرف واحد قريبي، وحكيت له كل حاجة.
يا أستاذ، أنا عايزة أرفع قضية خلع، بس من غير ما يلمس مليم واحد من حاجتي، وعايزة قايمة منقولاتي كاملة.
المحامي ابتسم وقال لي ولا يهمك يا مدام زهرة، طالما المنقولات مكتوبة بالكامل، والفلوس في البنك باسمك، هو ملوش عندك حق. والخلع هياخد كام شهر وتكوني حرة.
عدى أسبوعين، وأحمد افتكر إن البعد كسرني، وبعتلي رسالة على الواتساب أنا مستني ردك يا زهرة، الأرض هتروح مننا، والفرصة مابتجيش مرتين. لو رجعتي لعقلك، أنا وأمي هنيجي نخدك.
رديت عليه بكلمتين اتنين بس، ومعاهم صورة من إيصال ربط الشهادة وصورة من عريضة دعوى الخلع اللي اترفت في المحكمة
الشهادة اتربطت، والخلع اترفع. ومستنياك في المحكمة يا أستاذ اللغة العربية عشان نطلق.. بالهداوة.
من اليوم ده، عرفت إن الدفا اللي كنت بدور عليه مش في حضن راجل طمعان، الدفا الحقيقي هو إني أصون نفسي وأصون شقا أمي اللي سابتهولي عشان يحميني