اقتحمت شقة قديمة في السيدة زينب
رأيت ورقةً قديمة معلّقة خلف الباب الحديدي الصدئ.
كانت تحمل صورة رحمة.
وأسفل الصورة مباشرة
عبارة كُتبت بحبرٍ أحمر داكن..
تمّ دفع ثمنها كاملًا
التسليم الجمعة بعد العشاء.
تجمّدتُ مكاني.
بقيتُ أحدّق في الورقة المعلّقة خلف الباب الحديديّ الصدئ، بينما كانت أنفاسي تخرج ببطءٍ ثقيل كأنّ الهواء صار أثقل من أن يدخل صدري.
الصورة نفسها.
وجه الطفلة نفسه.
الفستان الباهت نفسه.
لكنّ الكلمات المكتوبة بالحبر الأحمر
لم تكن إعلانًا عن طفلة مفقودة.
بل شيئًا أكثر ظلامًا.
شيئًا جعل معدتي تنقبض بعنف.
تمّ دفع ثمنها كاملًا.
ثمن.
كانت تتحدّث عنها كبضاعة.
لا كطفلة.
وفي اللحظة نفسها
صدر صوت المفتاح داخل القفل.
هذه المرّة كان أوضح.
أقرب.
وأبطأ.
كأنّ مَن بالخارج لا يستعجل الدخول
لأنّه واثق أنّ ما بالداخل لا يستطيع الهرب.
تراجعتُ خطوةً إلى الخلف وأنا أحمل الطفلة بين ذراعيّ.
كانت أصابعها الصغيرة تتشبّث بقميصي بقوّة مؤلمة.
ثم همست قرب أذني بصوتٍ مرتجف
أرجوك لا تدعها تأخذني.
شعرتُ بشيء ينفجر داخل صدري.
غضب.
خوف.
وذنب قديم لم أفهمه.
لكن لم يكن هناك وقت للتفكير.
صدر ارتطامٌ قويّ بالباب.
ثم صوت امرأة تصرخ بعنف
افتحي يا بنت الكلب أعرف أنّك مستيقظة!
ارتجفت الطفلة بالكامل.
دفنت وجهها في صدري فورًا.
وشعرتُ بأنفاسها الساخنة المرتبكة تخترق جلدي.
نظرتُ حولي بسرعة.
الشقّة ضيّقة.
النوافذ محكمة بقضبان حديديّة قديمة.
ولا يوجد مخرج سوى نافذة صغيرة في المطبخ.
اندفعتُ نحوها بسرعة.
وخلفي
بدأ الباب يهتزّ بعنف.
كانت المرأة
افتحي قبل أن أخلع الباب فوق رأسك!
وصلتُ إلى المطبخ.
دفعتُ النافذة بقوّة.
صرخت المفاصل الصدئة بصوتٍ حادّ.
وفي الخارج
كان المطر قد بدأ يهطل بغزارة.
زقاق ضيّق غارق في الظلام.
رائحة صرفٍ قديم.
وقطط تبحث في أكوام القمامة.
لكنّه كان أفضل من البقاء هنا.
رفعتُ الطفلة أوّلًا عبر النافذة.
ثم قفزتُ خلفها بسرعة.
وفي اللحظة نفسها
صدر صوت تحطّم الباب الرئيسيّ.
تجمّدت الطفلة بين ذراعيّ.
ودوّى صوت المرأة داخل الشقّة
رحمة!
ثم صمتت لحظة.
وأردفت بصوتٍ أخفض وأكثر رعبًا
أعرف أنّ هناك أحدًا هنا.
حبستُ أنفاسي.
المطر كان يهطل فوق رؤوسنا بقوّة، يضرب الأرض القديمة كطبول حرب.
أخذتُ الطفلة وبدأتُ أسير وسط الزقاق بسرعة.
كانت قدماي تغوصان في الماء والطين، بينما تعلّقت الصغيرة بعنقي بصمت.
بعد خطوات قليلة
همست
ستجدنا.
لن تجدنا.
دائمًا تجدني.
كان في صوتها يقين مرعب.
يقين طفلة تعلّمت أنّ النجاة لا تدوم.
خرجتُ من الزقاق أخيرًا إلى شارع أوسع قليلًا.
المدينة بدت باردة على غير عادتها.
أضواء المحالّ الخافتة تنعكس فوق الماء.
وباعة الشاي يقفون تحت المظلّات المهترئة.
ولا أحد ينتبه لرجل يحمل طفلة صغيرة في هذا الوقت من الليل.
فهذه المدينة
اعتادت رؤية الألم.
واعتادت تجاهله أيضًا.
توقّفتُ تحت شرفة قديمة أحتمي بها من المطر.
أنزلتُ الطفلة برفق.
كانت ترتجف من البرد.
خلعتُ سترتي القديمة ولففتها حولها.
رفعت رأسها نحوي فجأة وسألت
لماذا تساعدني؟
فتحتُ فمي
لكنني لم أجد جوابًا.
لأنني أنا نفسي لم أفهم بعد.
ربّما لأنني رأيتُ الجوع في عينيها.
وربّما لأنني حين قرأت تلك الورقة
شعرتُ أنّني أنظر إلى نفسي القديمة.
طفل يُباع لأنّه لا يساوي شيئًا.
قلت أخيرًا بصوتٍ خافت
لأنّ الله لن يغفر لي إن تركتُكِ هناك.
صمتت قليلًا.
ثم قالت
كانت أمّي الحقيقيّة تقول الشيء نفسه.
تجمّدتُ مكاني.
انخفضتُ إلى مستواها ببطء.
تتذكّرين أمّك الحقيقيّة؟
هزّت رأسها الصغيرة.
قليلًا.
ماذا تتذكّرين؟
أغمضت عينيها كأنّها تبحث داخل الظلام عن صورة قديمة.
ثم همست
رائحتها كانت تشبه الصابون.
شعرتُ بانقباضٍ مؤلم في صدري.
الأطفال عادةً يتذكّرون الوجوه.
أمّا هي
فلم يبقَ لها سوى الرائحة.
أردفت
وكانت تقرأ لي القرآن قبل النوم.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
ثم سألت
وهل تتذكّرين كيف وصلتِ إلى تلك المرأة؟
ارتبكت.
بدأت أصابعها الصغيرة تتحرّك بتوتّر.
لا أعرف
ثم همست
أتذكّر رجلًا حملني.
أيّ رجل؟
كانت رائحته سجائر.
ثم وضعت يدها فوق عينيها.
وبعدها أصبح كل شيء مظلمًا.
شعرتُ بقشعريرة باردة تسري في ظهري.
اختُطفت.
هذه الطفلة اختُطفت فعلًا.
وفجأة
دوّى صوت صراخ بعيد في آخر الشارع.
التفتُّ بسرعة.
وفي نهاية الطريق الضيّق
كانت المرأة تظهر من بين المطر.
ترتدي عباءة سوداء.
تمشي ببطء.
وتبحث بعينيها في الوجوه.
حتى من بعيد
استطعتُ رؤية القسوة في ملامحها.
وحين وقعت عيناها علينا
ابتسمت.
ابتسامة باردة جعلت الدم يتجمّد في عروقي.
ثم بدأت تمشي نحونا.
اختبأت الطفلة خلف ظهري فورًا.
وشعرتُ بيدها تتمسّك بقميصي كأنّها تغرق.
المرأة اقتربت أكثر.
حتى صارت على
كانت رائحة السجائر الرخيصة تفوح منها.
وعيناها غارقتين في السواد.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم قالت بهدوء مرعب
أحسنت.
وجدتَها أسرع ممّا توقعت.
قبضتُ على يد الطفلة بقوّة.
قلت بحدّة
ابتعدي عنها.
ضحكت المرأة ضحكة خافتة.
ابتعد عنها؟
إنّها ابنتي.
صرخت الطفلة فورًا
كذّابة!
اختفت الابتسامة من وجه المرأة في لحظة.
وقالت بصوتٍ بارد
يبدو أنّك نسيتِ الضرب الأخير.
ثم نظرت إليّ مجددًا.
اسمع يا أخ هذه الطفلة مريضة وتهرب دائمًا. أعطني إيّاها وانصرف.
لكنّ الطفلة كانت ترتجف خلف ظهري وهي تبكي بصمت.
وهنا فقط
فهمت الحقيقة كاملة.
هذه ليست أمًّا.
الأم لا يرتعب طفلها من صوتها هكذا.
الأم لا يختبئ منها طفل أعمى كأنّ الموت يطارده.
قالت المرأة ببرود
آخر مرّة أطلبها باحترام.
شعرتُ بالمطواة داخل جيبي.
وثقلها بدا مختلفًا هذه المرّة.
ليس كسلاح.
بل كقرار.
ثم اقتربت المرأة خطوة أخرى وقالت
هل أخبرتك بما يحدث للأطفال الذين يأخذون أشياء لا تخصّهم؟
توقّفتُ عن التنفّس للحظة.
وخلفي
كانت الطفلة ترتجف كعصفور مبتلّ.
قالت المرأة بصوتٍ منخفض
أعطني البنت ولن تحدث مشكلة.
قبضتُ على يد الطفلة بقوّة أكبر.
ثم قلت ببطء
اسمها ليس رحمة.
ساد الصمت.
حتى المطر بدا وكأنّه خفّ فجأة.
ثم ابتسمت المرأة ابتسامة صغيرة باردة.
يبدو أنّك قرأت الورقة.
من هي ليان؟
اختفت الابتسامة تمامًا.
وفي تلك اللحظة فقط
عرفتُ أنّني أصبت الهدف.
اقتربت المرأة خطوة أخرى.
ثم قالت
لا تتدخّل فيما لا يعنيك.
لكنّ الطفلة صرخت فجأة
لا تتركها تأخذني بالله
ذلك الصوت
ذلك الرعب الحقيقيّ في صوت طفلة صغيرة
كان كافيًا لأفهم أنّه لم يعد هناك طريق للعودة.
لم أعد لصًّا يحاول النجاة.
بل رجل يقف بين طفلة والموت.
سمعتُ صفّارة شرطة بعيدة.
المرأة سمعتها أيضًا.
رأيتُ