كنت قد انتهيت للتو من تنظيف حماتي
التفتُّ إلى حماتي
خدمتِك سنين طبختلك كل اللي طلبتيه عمرك سمعتي مني شكوى؟
ودلوقتي ولا واحد فيكم دافع عني بكلمة.
ساد الصمت فجأة.
حتى تمثيل البكاء توقف.
نظرتُ مباشرة إلى رامي وقلت
اسمعني كويس واجبي تجاه البيت ده انتهى النهارده.
أنا اتكسرت وتعبت. ومن النهارده سواء عشتوا أو موتوا ديان مبقاش فارق معاها.
ثم فتحتُ الباب
وخرجت.
ولأول مرة منذ سنوات
شعرتُ بالخفة.
أخرجتُ هاتفي واتصلتُ برقمٍ أعرفه جيدًا.
الحاجة سعاد
سيدة طيبة في منطقتنا، وابنها واحد من أكبر رجال الأعمال في القاهرة.
كانت دائمًا معجبة بتحملي للمسؤولية، وكيف أوازن بين خدمة أهل زوجي، وتربية طفلي، والعمل الجزئي.
وعرضت عليّ أكثر من مرة وظيفة مدبرة منزل مقيمة.
لكنني كنت أرفض
لأنني كنت أظن أن عندي بيتًا يجب أن أحافظ عليه.
أما الآن
فلم يعد لديّ شيء أخسره.
نزلتُ درجات السلم بخطوات سريعة كأنني أهرب من سجن مظلم قضيتُ فيه زهرة شبابي. كان خدي لا يزال يشتعل بأثر صفعات رامي، لكن قلبي كان بارداً وثابتاً كألواح الجليد. ركبتُ أول سيارة أجرة تصادفني، وطلعتُ بموبايلي وكلمتُ الحاجة سعاد.
جاءني صوتها الدافيء والوقور عبر الهاتف
أهلاً يا بنتي يا ديان.. لعله خير؟ صوتك مش عاجبني.
ابتلعتُ غصتي وقلت بصلابة
الحاجة سعاد.. أنا موافقة على العرض اللي عرضتيه عليا من شهرين. أنا سبت بيت رامي بلا رجعة، ومعايا شنطة هدومي وبس، ومحتاجة أبدأ شغل فوراً.
الحاجة سعاد صمتت لثانية، ثم قالت بنبرة حنونة ولكنها تحمل قوة جبارة
يا فتاح يا عليم يا رزاق.. تعالي يا بنتي على القصر في التجمع الخامس، السواق هيستناكي عند المحطة. من اللحظة دي، إنتي في حمايتي وحماية ابني طارق، ومقامك عندنا مش هيكون مجرد مدبرة منزل.. إنتي بنت أصول والبيوت بتتعرف بناسها.
وصلتُ القصر الفخم.. كان تحفة معمارية تحيطها الحدائق الغناء والصمت الباهظ، عكس بيت رامي الضيق الذي كان يضج بالصراخ والجحود. استقبلتني
طارق كان رجل أعمال في أواخر الثلاثينيات، طويل القامة، حاد الملامح، وله هيبة تجعل أعتى الرجال يرتجفون أمامه. نظر إليّ ونظر للملفات التي كنتُ أحملها حيث كنتُ قد أخذتُ معي كل فواتير العلاج ومصاريف ابننا التي دفعتها من مالي الخاص طوال ٣ سنوات وقال بصوت جهوري عميق
مدام ديان.. اللي مد إيده عليكي في بلد فيها قانون، هيتمنى إنه ما اتولدش. الحاجة سعاد حكت لي عن أصلك وتعبك، وإحنا عيلتنا مابتسيبش حد التجأ ليها مظلوم.
الانهيار الموعود في بيت رامي
في نفس الليلة، غرق بيت رامي في الفوضى. لم تكن هناك ديان لتطبخ العشاء، ولا ديان لتغير حفاضة الأم المشلولة التي بدأت تصرخ من الألم وتلوث فراشها. ليلى أخته حاولت أن تطبخ فحرقت الطعام، ورفضت تماماً أن تلمس والدتها قائلة بقرف أنا مش خدامة هنا! دي كانت شغلانة السنيورة اللي مشيت!
حمايا جلس في الصالة ينظر حوله بذهول؛ البيت اتسخ في ساعات، وابني مروان كان يبكي ويرفض النوم ويسأل عني. رامي كان يجلس على الأرض ويمسك بالدفتر الأسود، لكن أرقامه لم تعد تطعمه ولا تنظف بيته.
في تمام الساعة العاشرة صباحاً، وبينما كان رامي يحاول الاتصال بي وهاتفي مغلق، انفتح باب شقتهم فجأة!
لم أكن أنا.. بل كان الأستاذ مراد، المحامي الخاص بشركات طارق المنشاوي، ومعه معاون تنفيذ من المحكمة واثنان من رجال الشرطة.
رامي وقف بذعر وتلعثم فيه إيه؟ أنتم مين؟ ودخلتوا كدة إزاي؟
المحامي مراد ابتسم ببرود وأخرج حافظة مستندات رسمية
السيد رامي عبد السلام.. إحنا هنا بناءً على الدعوى القضائية المرفوعة من موكلتي السيدة ديان جلال. اتفضل استلم إعلان قضائي بطلب الطلاق للضرر مع توقيع الحجز التحفظي على الشقة دي وعربيتك!
رامي صرخ بجنون حجز إيه وطرد إيه؟ الشقة دي باسمي أنا وأبويا!
المحامي مراد رفع حاجبيه
يوم الحساب وجبر الخواطر
ليلى أخته خرجت وهي تصرخ ديان كدابة! أخويا كان شغال برا وجايب هدايا بألوف!
المحامي مراد نظر إليها باحتقار وأخرج ورقة صغيرة الهدايا اللي هي عبارة عن عروض مجانية صنع في الصين؟ وبالمناسبة يا آنسة ليلى، الشنطة الماركة الفخمة اللي إنتي شايلاها دي.. اتفضلوا استلموا إشعار مالي بقيمة ٨٣ ألف جنيه، دي قيمة المبالغ اللي ديان صرفتها على علاج والدتك من دفتر توفيرها الخاص، والمحكمة حكمت بفرض نفقة أقارب بأثر رجعي، يعني لو مدفعتوش المبلغ ده خلال ٤٨ ساعة، السيد رامي هيتنفذ عليه حكم بالحبس!
حماتي بدأت تبكي وتصوت من فوق السرير يا خراب بيتنا! البت طلعت تعبانة وبتخطط من زمان!
في تلك اللحظة، دخل طارق بيه المنشاوي بنفسه إلى الشقة. كان يرتدي بدلته الفخمة، ونظراته كانت كفيلة بإخراس الجميع. نظر ل رامي وقال بكلمة واحدة هزت أركان المكان
يا رامي.. إنت قلت لديان إنها ما تستاهلش أكتر من ميدالية ببلاش؟ الحقيقة إن إنت
وعيلتك اللي ما تستاهلوش ضفرها. الست اللي صانت بيتك وعرضك وأمك وهي مشلولة، إنت جازيتها بالضرب والمهانة عشان خاطر سكرتيرة؟
تابع طارق ببرود قاتل أنا اشتريت المديونية القديمة بتاعة مكتب الاستيراد اللي إنت شغال فيه من بره، وبصفتي المالك الجديد للشركة.. إنت مطرود من شغلك من ٥ دقائق بالظبط، وجواب الرفد هيوصل للسفارة عشان إقامتك تتلغي وترجع هنا تقعد جنب أمك تخدمها بنفسك.. وتشوف مين فيكم هيدفع ال ٨٣ ألف جنيه.
النهاية العوض الخالص
سقط
تم الطلاق رسمياً في المحكمة، وحصلتُ على حضانة ابني مروان بالكامل، وأخذتُ الشقة بحكم القانون لتم سداد الديون، واضطر رامي وأخته ليلى لبيع عربيتهم ورصيدهم بالكامل ليدفعوا مصاريف علاج الأم وجلسات العلاج الطبيعي التي لم يجدوا من يقوم بها مجاناً بعد الآن. تحولت ليلى من فتاة متمنظرة بالشنط الماركة إلى خادمة تحت رجلي أمها تبكي ليل نهار من التعب، ورامي أصبح عاطلاً عن العمل، ملاحقاً بأحكام تبديد النفقة.
أما أنا.. ديان..
فلم أعد تلك الفتاة المرهقة التي ترتدي مريلة مطبخ متسخة. الحاجة سعاد وطارق بيه ساعدوني لأبدأ مشروعي الخاص في إدارة دور الرعاية المنزلية وتدريب مدبرات المنازل المحترفات. وخلال عام ٢٠٢٦، أصبحت شركتي ديان جلال للخدمات الفندقية والمنزلية واحدة من أكبر الشركات في القاهرة.
وفي يوم ربيعي جميل، كنتُ جالس في حديقة قصر المنشاوي، وابني مروان بيلعب بالكرة ويضحك من قلبه. قرب مني طارق بيه، وكان ماسك في إيده علبة قطيفة فخمة جداً، فتحها وطلع منها خاتم ألماس حرّ يعادل ثمن بيت رامي كله.
طارق بابتسامة مليانة صدق واحترام مدان ديان.. الحاجة سعاد بتقولي إن القصر ده مابقاش فيه روح من غيرك، وأنا حابب أطلب إيدك.. مش عشان تكوني مدبرة منزل، عشان تكوني الملكة وصاحبة البيت ده وشريكة حياتي.. الراجل اللي يقدر الست بجد، بيشيلها فوق راسه وفي وسط قلبه.
لمعت الدموع في عيني، ونظرت للسماء وحمدت ربنا على العوض الكبير.
اتعلمت ديان إن البدايات الجديدة بتحتاج أوقات لصفعة قوية تفوقنا من كابوس الاستغلال، وإن الست اللي بتصون ربنا في ضعفها، ربنا بيسخر لها ملوك الأرض عشان يجبروا خاطرها ويرفعوا مقامها فوق السحاب. وسبت رامي وعيلته يشبعوا ببعض وبأرقامهم الكدابة، في بيت انطفأت أنواره للأبد
تمت.