لم يحضر احد حفل تخرجي
لكن فجأة سمعت ثلاث طرقات قوية على الباب.
ليست تلك الطرقات الخفيفة التي يفعلها جار يريد شيئًا بسيطًا.
طرقات جافة.
رسمية.
بقي كوب القهوة معلقًا في يدي قبل أن يصل إلى فمي.
كان البخار ما يزال يتصاعد منه، لكن رائحته اختفت فجأة.
صار المكان يشبه شيئًا انتهى.
نظرت إلى ساعة المطبخ.
708 صباحًا.
لا أحد يحبني يأتي في هذا الوقت دون أن يخبرني.
تكررت الطرقات.
آنسة ريم علي الجبوري؟
اخترق صوت رجل خشب الباب ببرود مهني، ذلك النوع من الأصوات الذي يستخدمه أشخاص تعودوا الدخول إلى مشاكل الناس دون أن يتأثروا بها.
شعرت بفراغ بارد ينفتح داخل معدتي.
أمي.
لم أحتج إلى تفكير طويل.
عرفت ذلك بنفس الوضوح الذي عرفت به قبل ثلاثة أيام أن لا أحد سيأتي إلى تخرّجي.
العائلة التي لا تظهر لتفرح بك، هي نفسها التي تظهر بسرعة عندما تتوقف عن خدمتها.
وضعت الكوب على الطاولة، ومشيت نحو الباب وساقاي أثقل من المعتاد.
لم أفتحه فورًا.
نظرت من العين الصغيرة.
شرطيان.
امرأة ورجل.
كانت الشرطية تحمل ملفًا في يدها.
أما الرجل فكان وجهه متعبًا وصبورًا.
أخذت نفسًا عميقًا.
فتحت الباب قليلًا فقط، بما يكفي ليروا وجهي، لا داخل الشقة.
نعم.
نظرت الشرطية إلى الملف، ثم رفعت عينيها نحوي.
ريم علي الجبوري؟
نعم.
صباح الخير. وصلنا بلاغ. ممكن نتحدث معك دقيقة؟
لم أسأل أي بلاغ؟
كنت أعرفه في عظامي.
فتحت
تفضلوا.
ألقت الشرطية نظرة سريعة ومهنية خلفي.
رأيت عينيها تمران على كوب القهوة، والطاولة، واللابتوب المفتوح على ملف بحث لم أُكمله، وعباءة التخرج المعلقة خلف باب الغرفة، والنبتة الصغيرة قرب الشباك.
كل شيء كان طبيعيًا أكثر من الصورة التي يبدو أن أمي رسمتها لهم.
قالت الشرطية
والدتك اتصلت قبل حوالي ساعة. قالت إنها قلقة عليك. ذكرتِ أنك تصرفتِ أمس بطريقة غير معتادة، وأرسلتِ رسالة غريبة، ولا تردين على الاتصالات، وهي تخاف أن تؤذي نفسك.
لم أتحرك.
ليس لأن الكلام لم يؤلمني.
بل لأنه آلمني تمامًا كما توقعت.
أمي لم تكن موهوبة في الحب.
لكنها كانت بارعة في التلاعب بصوت الضحية.
قلت بهدوء
أنا لن أؤذي نفسي. أنا بخير تمامًا.
أومأت الشرطية، كأن هذه الإجابة لم تفاجئها.
وذكرت أيضًا أنك غيّرتِ قفل الباب فجأة، وأن هذا تصرف ليس من طبعك.
كدت أضحك.
ليس من طبعي.
كأن طاعتي حتى أفرغ من داخلي كانت شخصيتي الحقيقية، لا نتيجة عشرين سنة من التعود على الخوف والذنب.
قلت
تغيير القفل كان أول قرار عاقل أتخذه منذ وقت طويل.
تنحنح الشرطي الرجل بخفة، بالكاد سمعته.
لم أعرف هل كان يخفي ابتسامة، أم يذكر نفسه أنه لا يجب أن يكون له رأي.
استمرت الشرطية تنظر إليّ بانتباه.
ليست نظرة شك.
بل كأنها تقيس الموقف.
آنسة ريم، أحتاج أن أسألك مباشرة هل أنتِ في خطر؟ هل
نظرت إلى ملفها.
وتخيلت النسخة التي قدمتها أمي لهم.
البنت الجاحدة.
البنت الغريبة.
البنت غير المستقرة.
وربما البنت التي تحسست لأن عائلتها لم تستطع حضور تخرجها.
الأمهات مثل أمي يتقنّ لغة الحذف الذكي.
فتحت الباب أكثر.
نعم. يوجد شيء يجب أن تعرفوه. لكن الخطر ليس مني.
تبادل الشرطيان نظرة قصيرة.
أنزلت الشرطية الملف قليلًا.
هل يمكن أن ندخل؟
ترددت ثانية واحدة.
ليس منهم.
بل من معنى أن أُدخل شهودًا إلى حقيقة قضيت سنوات أُخفيها حتى عن نفسي.
تنحيت جانبًا.
دخل الاثنان بحذر من تعلّم أن يفرق بين بيت خطر وبيت مجروح.
بقيت الشرطية قرب المدخل.
أما الشرطي فتقدم قليلًا، كجزء من عمله لا أكثر.
قالت
إذا أردتِ الجلوس
هززت رأسي.
أفضل أن أتحدث هكذا.
أومأت.
أخذت هاتفي من الطاولة وفتحت محادثتي مع أمي.
لم أحتج للبحث كثيرًا.
كانت الرسالة هناك.
طلب ال ألف دينار، جافًا كأنه فاتورة.
وفوقه لا تهنئة.
لا سؤال.
لا كيف كان تخرجك؟
فقط شهور طويلة من التحويلات، والطلبات، والرسائل الصوتية، وصور الإيصالات، والملابس، والدروس، والظروف، والمساعدات البسيطة.
مددت الهاتف للشرطية.
بدأت تقرأ.
رأيت التغير الخفيف في وجهها وهي تصعد بالمحادثة.
في البداية مهنية.
ثم أكثر انتباهًا.
ثم أكثر صلابة.
كل هذا من نفس الشخص؟
أمي.
مد الشرطي يده.
ممكن أشوف
فتحت له التطبيق البنكي.
حركات الحساب.
تحويلات.
إيداعات.
أسماء ملاحظاتي.
لسارة.
للفاتورة.
للإيجار.
للزي المدرسي.
مبالغ تبدو صغيرة لوحدها، لكنها مجتمعة صنعت مني حياة ثانية
حياة الابنة الجاهزة للطوارئ في أي ساعة، لأي شيء، إلا أن تُحب.
قلت
أمس حولت لها ألف دينار فقط. وكتبت مبروك. كانت أول مرة لا أريد أن أشرح فيها شيئًا. وبعدها غيرت القفل، لأنها كانت تملك نسخة من المفتاح، ولم أعد أريدها أن تدخل هنا كأن هذه الشقة امتداد لبيتهم.
توقفت الشرطية عن التمرير.
هل دخلت من قبل دون إذنك؟
لمستني الجملة في مكان أكثر حساسية مما توقعت.
قلت
نعم.
نظر الاثنان إليّ.
ابتلعت ريقي.
في أول فصل من الماجستير، رجعت ووجدت مواد البيت ناقصة. قالت إنها مرت وأخذت أشياء للبيت. مرة أخرى أخذت خلاطًا كانت صديقتي قد أهدتني إياه. ومرة تركت سارة عندي نهاية أسبوع كاملة دون أن تسألني إن كنت أستطيع الاهتمام بها. ومرة دخلت إلى درجي وسألتني لماذا أخبئ كل هذا المال، وكان مجرد مبلغ ادخرته لأقساط ذلك الشهر.
أغلقت الشرطية الملف دون أن تنتبه.
هل لديك رسائل تعترف فيها بذلك؟
ليس بشكل مباشر. هي لا تعترف أبدًا. لكن عندي رسائل صوتية تقول فيها إن العائلة لا تحتاج إلى إذن.
حرك الشرطي رأسه حركة صغيرة، كأنه سمع هذه الجملة كثيرًا.
والدتك تعرف أين تعملين؟ أين تدرسين؟
ضحكت بلا رغبة.
هي تعرف مواعيد راتبي أكثر مما تعرف الأشياء التي أحبها.
أعادت الشرطية الهاتف إليّ.
البلاغ الذي قدمته