بعت أرضي

لمحة نيوز


وفق الشروط المذكورة؟
نهض سامر.
هذا تلاعب. هي استغلت رجلًا وحيدًا.
وقفت زينب أيضًا.
أنا لا أريد ماله.
قالت ريم بحدة
طبعًا تريدين. كل الذباب يأتي عندما يشم العسل.
شحُب وجه زينب.
أغلقت الملف ببطء.
كفى.
لم يكن صوتي عاليًا.
لكنه كان الصوت نفسه الذي أوقفت به ثورًا عند السياج يومًا.
صمتوا جميعًا.
قلت
زينب لم تطلب مني شيئًا. أبدًا. عندما مات أبوها، ساعدتها لأنه كان صديقي. وهي ردّت ذلك برعاية أمها حتى آخر يوم. ثم ذهبت لتدرس التمريض. لم تطلب مني دينارًا واحدًا. عندما لم أكن أستطيع ركوب الحافلة، كانت ترسل لي الدواء. عندما أنتم لا تردون، كانت ترد. عندما مرضت، هي من اتصلت بطبيب القرية. عندما سقط سقف المخزن، هي من أحضرت الشباب. وعندما ماتت أمكم، كانت الوحيدة التي بقيت ترفع الكراسي بعد العزاء.
احترقت عيناي.
وأنتم أخذتم أواني الطعام ورحلتم.
نظر كريم إلى الأرض.
وبكت ريم أكثر.
وشدّ سامر أسنانه.
إذًا قررت؟ ستحرمنا من الميراث بسبب اختبار سخيف؟
نظرت إليه طويلًا.
لم يكن سخيفًا. كان كريمًا. أعطيتكم فرصة أن تعاملوا الرجل الفقير الذي تظنونني إياه بكرامة. لم تستطيعوا حتى ليلة واحدة.
خفض سامر صوته.
يابا، فكر. نحن أولادك.
قلت
هذا ما ظننته طوال حياتي.
أمسكت القلم.
هذه المرة لم أتردد.
وقّعت.
يوسف العزاوي.
خرج خطي مائلًا، لكنه كان ثابتًا.
أطلقت ريم شهقة بكاء.
وشتم كريم بصوت منخفض.


أما سامر فبقي ينظر إلى التوقيع كأنه يستطيع محوه بالغضب.
وضع الأستاذ ناظم الختم.
كان صوت المعدن فوق الورق كأنه باب يُغلق.
قال
تم تثبيت الإجراءات رسميًا.
مال سامر نحوي.
ستندم.
تقدمت زينب خطوة.
لا تتكلم معه هكذا.
ضحك سامر.
والآن صرتِ أنتِ البنت الصالحة؟
قالت
لا. أنا فقط التي لم تتركه تحت المطر.
نهضت ببطء.
آلمتني ركبتي، لكنني لم أطلب مساعدة.
قلت
لم أترككم بلا شيء.
نظر إليّ الثلاثة.
عاد الأمل إلى وجوههم مثل كلب جائع.
قلت
كل واحد منكم سيحصل على مبلغ شهري يكفيه للعيش دون رفاهية إن احتاج فعلًا. أولادكم تعليمهم مضمون. ديونكم الشخصية لن تُدفع. أعمالكم لن تُنقذ. بطاقاتكم لن تُسدد. وإذا حاولتم رفع دعوى أو التزوير أو الضغط أو الاقتراب من زينب، تُفعّل بند الحرمان الكامل.
نظر إليّ سامر بكراهية صافية.
هذا كتبه شخص أراد إهانتنا.
قال الأستاذ ناظم
لا. كتبه شخص يعرفكم جيدًا.
ركل كريم علبة الحذاء.
ستبقى وحدك أيها العجوز.
نظرت إليه.
ولأول مرة لم تؤلمني الجملة كما توقعت.
قلت
البارحة أخرجتني تحت المطر. جربت أن أكون وحدي وأنتم قريبون مني. الأمر ليس مخيفًا كما تظن.
اقتربت ريم وهي تبكي.
يابا، سامحني. أخطأت. كنت متوترة. زوجي طبقي جدًا، وأنت تعرف كيف يفكر.
قلت
وأنت تركت ابنتك تظن أن جدها هو الرجل الذي يجلب الخضار.
وضعت يدها على فمها.
أستطيع أن أشرح لها.
قلت
لا. ستعلّمينها. هذا مختلف.

أخذ سامر أوراقه.
الأمر لن ينتهي هنا.
قلت
لا. سينتهي بشكل أفضل.
خرجوا واحدًا تلو الآخر.
سامر أولًا، بخطوات محكمة.
ثم ريم، وهي تنهار نصف انهيار.
ثم كريم أخيرًا، دون أن يأخذ الحذاء.
وعندما أغلق الباب، ساد الصمت في مكتب الكاتب بالعدل.
وضعت زينب كيس الخبز فوق الطاولة.
عمي يوسف لم يكن عليك أن تفعل هذا.
قلت
كان عليّ.
أنا لست ابنتك.
قلت
لا. ولهذا لم تتصرفي يومًا كأنني مدين لكِ بشيء.
امتلأت عيناها بالدموع.
سيكرهونني.
قلت
هم يكرهون كل من لا يخدم مصالحهم.
تنحنح الأستاذ ناظم، متظاهرًا بمراجعة الأوراق ليمنحنا بعض الهواء.
فتحت كيس الخبز.
كان فيه خبز حار وكعك بسيط وقطعة حلوى أحبها.
سألتها
جلبتِ القطعة التي أحبها؟
مسحت زينب دموعها.
نعم لأنها المفضلة عندك.
كسرت الخبز بيدي.
ولأول مرة منذ وصولي إلى بغداد، استطعت أن أبتلع.
كانت الأيام التالية جحيمًا أنيقًا.
حاول سامر إيقاف الصندوق الائتماني بحجة عدم أهليتي.
طلب تقارير.
واتصل بأطباء.
وبحث عن أقارب بعيدين.
حتى حاول تقديم صور لي بملابس الفلاحين كدليل على تدهور حالتي العقلية.
لم يضحك القاضي، لأن القضاة لا ينبغي أن يضحكوا.
لكن الأستاذ ناظم أخبرني أنه رفع حاجبه.
ذهبت ريم إلى برامج إذاعية تقول إن ممرضة طامعة غسلت عقل والدها.
لم تذكر غرفة الغسيل.
ولم تذكر الحساء البارد.
ولم تذكر أنني سمعت مكالمتها.
أما كريم فنشر على مواقع التواصل
صورة قديمة تجمعني به يوم افتتاح المطعم.
وكتب
أبي مصدر إلهامي.
وضع الناس قلوبًا وتعليقات.
لم أعلّق.
أرسل الأستاذ ناظم رسالة بسيطة
يرجى إزالة صورة عمي يوسف المستخدمة لأغراض تجارية دون موافقته.
حذفها خلال عشرين دقيقة.
ثم جاء الأسوأ.
أحفادي.
جاء سامر بأولاده إلى الفندق الذي كنت أقيم فيه، وأوقفهم أمامي وكأنهم شهود في محكمة.
قال
قل لهم يا أبي. قل لهم إنك لم تعد تحبهم.
نظر إليّ حفيدي الأكبر، ديار، وكان في الثالثة عشرة، بحيرة.
انحنيت بصعوبة.
قلت
أنا أحبكم منذ قبل أن أعرف وجوهكم. لذلك مدرستكم مضمونة، ومالكم أيضًا. لن يأخذه أحد منكم. حتى والدكم.
شد سامر أسنانه.
نظر إليه ديار.
وتغيّر شيء في عينيه.
الأطفال أطفال، لكنهم ليسوا حمقى.
أرسلت ريم تسجيلات صوتية وهي تبكي.
وأرسل كريم زهورًا.
وأرسل سامر تهديدات قانونية.
أما زينب، فلم ترسل شيئًا.
كانت تأتي بعد مناوباتها، تقيس ضغطي، وتحضر لي مرق دجاج، وتسألني
اليوم مشيت لو لا؟
أقول
شوي.
لا تكذب عليّ يا عمي يوسف.
ربع المسافة.
غدًا نصفها.
هكذا بدأت حياتي الجديدة.
ليس بالترف.
بل بالعلاج الطبيعي.
وبالمحامين.
وبالقهوة بلا سكر.
وبفتاة ليست من دمي تخبرني أنني لا أستطيع أكل الخبز الحلو كل يوم، حتى لو كنت أملك خمسة عشر مليارًا ومئتي مليون دينار.
افتُتحت المؤسسة بعد ستة أشهر في قرية بابل.
لم نقم حفلًا للأغنياء.
أقمنا طعامًا في ساحة المدرسة.

رز.
ولحم.
وشاي.
وكراسٍ بلاستيكية.
واسم مريم العزاوي على لافتة بيضاء.
كانت أول المنح لاثني عشر شابًا وشابة أبناء فلاحين، وفتاة تريد أن تصبح طبيبة
 

تم نسخ الرابط