يوم وفاة أمي

لمحة نيوز

لكن لما فتحته… أول سطر فيه خلاني أحس إن الأرض بتنهار تحت رجلي:

"لو بتقري الجواب ده يا بنتي… يبقى جوزك وحماتك عملوا 
اللي كنت خايفة منه."

إيدي كانت بتترعش بعنف وأنا ماسكة الجواب، ودموعي بتنزل على الورق لدرجة إن الحبر بدأ يسيح قدام عيني.

رفعت بصري لخالتي بخوف: "يعني إيه؟ أمي كانت تعرف؟"

خالتي أخدت نفس طويل وقالت: "اقري للآخر… وهتفهمي كل حاجة."

بلعت ريقي بالعافية وكملت.

"يا بنتي… أنا يمكن أكون ست بسيطة، لكن قلبي عمره ما خاب في الناس. ومن أول سنة في جوازك وأنا شايفة نظرات حماتك لشقتك ومرتبك وذهبك… وشايفة إزاي جوزك بيوافقها في كل كلمة."

وقفت القراءة لحظة، وافتكرت مواقف كتير كنت بعديها بحسن نية.

لما حماتي كانت تزن عليا أبيع دهبي "عشان الظروف".

لما جوزي أصر إن مرتبي ينزل في حساب مشترك وهو اللي يتحكم فيه.

لما كانوا دايمًا

يقللوا من تعبي ويخلوني حاسة إني مقصرة مهما عملت.

رجعت بصيت للجواب وأنا حاسة بقلبي بيتقبض.

"أنا سكت كتير يا بنتي عشان ما أخربش بيتك، لكن قبل ما أموت لازم أقولك الحقيقة… أنا سمعت جوزك بنفسه وهو بيقول لأمه إنك بعد موتي هتبقي لوحدك، وساعتها هيعرفوا يسيطروا عليكي أكتر."

شهقت وغطيت بقي بإيدي.

الكلمات كانت كأنها نار بتتحط فوق جرحي.

كملت وأنا حرفيًا مش شايفة من الدموع:

"عشان كده… أنا كتبت البيت اللي باسمي ليكي إنتِ، وخلصت كل الورق قبل تعبي الأخير. ومفتاح الدولاب الصغير اللي في أوضتي فيه كل الأوراق."

رفعت عيني بصدمة: "البيت؟"

خالتي هزت راسها: "أمك كانت خايفة عليكي… أكتر من خوفها على نفسها."

في اللحظة دي سمعت صوت جوزي بينادي بعصبية من الصالة: "إنتِ يا هبة! كل ده جوه بتعملي إيه؟ الناس مستنية الشاي!"

مسحت دموعي ببطء.

لكن المرة دي…

كان فيه حاجة جوايا اتكسرت فعلًا.

وحاجة تانية اتولدت.

قوة.

قمت وقفلِت الجواب بإيدي، وخرجت للصالة بخطوات ثابتة لأول مرة من سنين.

جوزي أول ما شافني قال بحدة واطية: "اتأخرتي ليه؟"

بصيتله بهدوء غريب حتى أنا استغربته.

وقلت: "عشان كنت بودع آخر لحظة ضعف في حياتي."

اتكهرب من نبرتي: "يعني إيه الكلام ده؟"

لكن قبل ما يرد، قلعت المريلة اللي كنت لابساها وحطيتها على الكنبة قدام أمه.

وقلت بصوت سمعه كل اللي في القاعة: "من النهارده… أنا مش خدامة عند حد."

الصمت نزل فجأة.

حماتي قامت واقفة: "إنتِ اتجننتي؟ الناس قاعدة!"

بصيتلها بثبات: "أيوه الناس قاعدة… والناس كلها شافت إزاي طلبتوا من بنت أمها لسه ميتة تقوم تطبخ وتخدمكم."

الهمهمة عليت في الصالة.

وجوه كتير بدأت تبص لهم باستنكار.

جوزي قرب مني وهو بيضغط على سنانه: "لمي نفسك وادخلي جوه."

ابتسمت

بمرارة لأول مرة.

وقلت: "لا… اللي هيلم نفسه هو إنت."

وبعدين طلعت مفتاح صغير من جيبي… مفتاح دولاب أمي.

"أمي سابتلي كل حاجة… البيت، والأوراق، وحتى الحقيقة."

وشه اتغير فجأة.

القلق بان في عينه لأول مرة.

قال بسرعة: "إيه الكلام الفارغ ده؟"

رديت وأنا ببصله مباشرة: "الكلام اللي هيخليني أطلق منك الصبح."

حماتي صرخت: "تطلقي إيه يا هانم؟ بعد ما استحملناكي؟"

ضحكت… ضحكة كلها وجع.

"استحملتوني؟ أنا اللي كنت بصرف، وأخدم، وأسكت، وأدفن نفسي بالحيا كل يوم."

وبعدين بصيت لجوزي للمرة الأخيرة.

"الراجل الحقيقي بيحضن مراته يوم موت أمها… مش يبعتها المطبخ."

لفيت وخرجت من الصالة، وخالتي ماسكة إيدي.

ورايا سمعت أصواتهم العالية وخناقاتهم، لكن لأول مرة ما اهتمتش.

لأن أمي، حتى وهي بتموت… كانت بتحاول تنقذني.

وفي الليلة دي، وأنا نايمة في حضن خالتي وبعيط

على فراق أمي، فهمت آخر درس علمتهولي:

مش كل بيت اسمه جواز… ومش كل صبر فضيلة.

أحيانًا النجاة… إنك تمشي.

تم نسخ الرابط