لقيت ابو طليقي مرمي في دار مسنين

لمحة نيوز

لقيت أبو طليقي مرمي في دار مسنين، هدومه متبهدلة ماية، وكان باصصلي بإحراج كأنه المفروض يعتذرلي إني ضيعت ثانية من عمري عشانه.
اليوم ده كنت رايحة دار السلام للمسنين اللي في أطراف الشيخ زايد عشان مراجعة حسابات سنوية عادية. أنا كلارا، عندي ٣٢ سنة، شغالة محاسبة حرة، ومن بعد طلاقي اتعلمت أدخل أي مكان وأخرج منه من غير ما أسيب الذكريات تمسك فيا.
بس العصر ده الماضي كان مستنيني على كرسي متحرك جنب شباك مترب، بيحاول يوصل لكوباية بلاستيك وقعت على الأرض.
انحنيت جبتها.
وأول ما رفعت عيني النفس اتسحب من صدري.
كان الحاج رفعت.
حمايا السابق.
نفس الراجل اللي كان بيناديني يا بنتي طول الخمس سنين اللي اتجوزت فيهم كريم في الوقت اللي كريم نفسه ماكنش فاهم يعني إيه يبقى زوج.
النجار الجدع اللي ريحته دايمًا خشب وقهوة ونشارة.
الراجل اللي وقف جنبي يوم ما اكتشفت خيانة ابنه مع موظفة أصغر مني.
دلوقتي كان متكور على نفسه، جلده لازق في عظمه، ضوافره طويلة، وعينه مطفية كأنه بيعتذر إنه لسه عايش.
همست بصدمة
عمو رفعت إنت بتعمل إيه هنا؟
خد شوية وقت عشان يعرفني.
ولما عرفني، لمعة صغيرة ظهرت في عينه قبل ما يبص للأرض بسرعة ويحاول يخبي البقعة اللي على بنطلونه.
يا كلارا ماكنتيش المفروض تشوفيني بالشكل ده.
الجملة كسرت حاجة جوايا.
قلت بسرعة
كريم قالي إنه أخدك تعيش معاه في القاهرة.
إيده شدت على الكرسي.
أخدني فعلًا فترة صغيرة. بعدين بقيت حمل تقيل.
ماكملش.
ممرضة عدّت جنبنا وهي بتقول ببرود
ابنه

جه من شهر قعد أقل من عشر دقايق، طول الوقت ماسك موبايله، حتى ماطلعوش يتمشى بره.
حاجة ساقعة نزلت في قلبي.
كريم رمى أبوه بالشكل ده؟
الراجل اللي ربّاه وعلمه الشغل والرجولة؟
الحاج رفعت بصلي بهدوء وقال
ما تعمليش مشاكل عشاني يا بنتي إنتِ خلاص مش من العيلة.
بصيتله من غير تردد.
ورقة الطلاق ما تقدرش تمسح اللي بينا.
الليلة دي ماعرفتش أنام.
المطر كان بيخبط في الشباك، والذكريات شغالة في دماغي.
يوم فرحي.
لما الحاج رفعت مسك إيدي جنب المأذون وهمس
لو الواد ده يوم زعلك يبقى حسابه معايا.
ولما كريم طلقني، كان هو اللي مستنيني تحت الشجرة في الجنينة.
عيط معايا.
واداني ظرف فيه فلوس.
واعتذرلي عن ابنه.
مع أول ضوء، عملت شوربة فراخ بالأعشاب وخدتها ورجعتله.
لقيته قاعد بره بيبص لشجرة ناشفة.
أول ما فتح الترمس والبخار طلع، رموشه اتهزت.
محدش طبخلي كده من يوم ما مشيتي.
إيده كانت بتترعش ومش قادر يمسك المعلقة.
فقعدت أأكله بنفسي، لقمة لقمة.
ممرضة شافتنا وابتسمت
دي بنتك؟
الحاج رفعت غمض عينه، كأنه خايف من إجابتي.
قلت من غير تفكير
أيوه أنا بنته.
الكلام انتشر في الدار كلها قبل المغرب.
وبالليل نادية صاحبتي اتصلت بيا متعصبة
إنتِ اتجننتي؟ ده أبو الراجل اللي دمرك!
قلت بهدوء
وهو كمان الراجل اللي سندني لما ابنه وقعني.
الأسبوع اللي بعده نزلت صورة لينا على فيسبوك.
إيدينا جنب بعض تحت الشجرة اللي قدام الدار.
من غير أسماء.
من غير شرح.
ماكنتش بدور على تعاطف.
كنت بس عايزة أثبت إن لسه
فيه ناس طيبة.
الموبايل رن بعدها بساعات.
رقم غريب.
إنتِ بتحاولي تعملي إيه يا كلارا؟
كريم.
نفس النبرة المتعجرفة.
قلت ببرود
برعى أبوك بما إنك نسيت تعمل ده.
اتنفس بعصبية
أوليفيا مقلوبة! الناس فاكرة إني رامي أبويا.
طب تعالى غيّرله هدومه أو أكله أو حتى بص في عينه.
سكت.
وبعدين قال بسم
إنتِ بتلعبي عشان تاخدي اللي فاضله.
قفلت السكة في وشه.
الأربع اللي بعده، الحاج رفعت شاورلي أقرب.
طلع من تحت المخدة مفتاح نحاس قديم مربوط بشريط أحمر باهت.
وقال بصوت واطي
ده مفتاح الورشة والبيت الصغير اللي فوق التل.
اتجمدت.
لا مينفعش.
عنيه دمعت.
ولادي هيبيعوه في يومين إنتِ الوحيدة اللي هتعرفي تحييه من تاني.
إيدي كانت بتترعش وأنا باخد المفتاح.
ماكنتش أعرف إن المفتاح ده هيفتح أكتر من مجرد بيت.
كان هيفتح حرب كاملة.
لم تكن ورشة النجارة القديمة والبيت الصغير القابع فوق تل منطقة منشأة القناطر مجرد جدران وأخشاب؛ كانت هذه الأملاك هي النواة الأولى التي بنى منها الحاج رفعت حياته، والمكان الذي شهد طفولة كريم وإخوته قبل أن تعميهم أموال الشركات والمظاهر الزائفة في الشيخ زايد.
بمجرد أن استقرت أصابعي على المفتاح النحاسي القديم المربوط بالشريط الأحمر الباهت، شعرت بثقل الأمانة. نظرت إلى عيني الحاج رفعت الممتلئتين بالدموع والرجاء، وعرفت أنني أصبحت حائط الصد الأخير لرجل مخلص خانه دمه.
لكن كريم لم يترك الأمور تمر بسلام.
في صباح يوم الخميس التالي، وبينما كنتُ أساعد الحاج رفعت في تمشيط
شعره الأبيض داخل حديقة دار السلام، تحطم هدوء المكان بصوت كوابح سيارة فخمة وقفت بعنف أمام البوابة. نزل منها كريم الدمنهوري، يرتدي بدلته الفخمة ونظارته الشمسية السوداء، وبجانبه زوجته الجديدة أوليفيا، الفتاة النرجسية زوجته، وتتحكم الآن في كل قراراته.
مشى كريم بخطوات سريعة وعصبية، وصوت حذائه يضرب بلاط الحديقة بقسوة، بينما كانت أوليفيا تلوي شفتيها باشمئزاز وتنظر إلى المسنين الجالسين في الأرجاء كأنهم حشرات.
كريم بصراخ وهو يقف أمامي مباشرة إنتِ جايبالك البجاحة دي منين يا كلارا؟ بتنزلي صور مع أبويا على فيسبوك وتلمحي للناس إني رامي أبويا في دار مسنين؟ الفضائح دي مأثرة على سمعة شركتي في السوق وأوليفيا مش قادرة ترفع عينها قدام صحابها في الكومباوند بسببك!
قمتُ وقفتُ بهدوء، وضعتُ مشط الشعر في حقيبتي، ونظرتُ في عينيه مباشرة دون أي خوف
كلارا ببرود أنا ملمحتش لحاجة يا كريم، إنت اللي رامي أبوك فعلاً. الراجل بقاله شهر هنا هدومه متبهدلة مياه، وضوافره طويلة، ومحدش كلف نفسه يجي يسأل عليه غير ١٠ دقائق في الشهر وإنت باصص في موبايلك. السمعة اللي خايف عليها دي، إنت اللي دمرتها بأفعالك مش بصوري.
أوليفيا تقدمت بدلال وقح وقالت وهي تشير بإصبعها نحوي اسمعي يا بتاعة أنتِ.. إحنا عرفنا إن الراجل العجوز ده كتبلك التنازل ومفتاح الورشة والبيت القديم اللي فوق التل! العقود دي باطلة قانوناً لأن والده مش في كامل قواه العقلية، وإحنا رافعين قضية حجر عليه من الصبح، والأملاك
دي هترجع لكريم عشان نبيعها لشركة المقاولات اللي هتهد التل كله وتبني مكانها مول
 

تم نسخ الرابط