ترك زوجي مجلس عزاء والدي
الحديث وكأنه الضحية؟
نظرت إليه أخيرًا.
ولأول مرة منذ بداية الليلة
لم أشعر بالخوف منه.
قلت بصوت مرتجف لكنه واضح
أبي كان محقًا بشأنك منذ البداية.
اتسعت عيناه.
أما أنا فأكملت
أنت لم تحبني يومًا.
ساد الصمت للحظات.
ثم ضحك ضحكة قصيرة باردة.
وقال
وماذا كان سيعطيني الحب؟ الحب لا يشتري الأرض.
شعرت بشيء ينكسر داخلي نهائيًا.
حتى آخر أمل صغير كان قد مات.
اقترب الضابط منه ليضع القيود في يديه.
لكن كرار تراجع فجأة بعنف.
ثم دفع الشرطي بقوة وركض.
صرخت دون وعي
كرار!
ركض بين القبور بسرعة وسط المطر والطين.
والشرطة خلفه.
كان يتعثر بالحجارة وشواهد القبور لكنه لم يتوقف.
حتى وصل قرب قبر أمي سكينة.
وهناك
انزلقت قدمه فجأة في الطين.
وسقط بعنف على الأرض.
حاول النهوض بسرعة
لكنه فشل.
ركض الشرطيان نحوه وأمسكا به أخيرًا.
ظل يقاوم بعنف.
يصرخ.
يشتم.
ويحاول الإفلات.
لكن القيود أُغلقت حول يديه في النهاية.
ومن بعيد
كنت أنظر إليه غير قادرة على استيعاب أن هذا الرجل كان زوجي يومًا ما.
اقتربت رنا مني ببطء.
وضعت معطفها فوق كتفي وقالت
انتهى الأمر.
لكنني هززت رأسي ببطء.
لا لم ينتهِ
نظرت إليّ بحزن.
وفهمت ما أعنيه فورًا.
أبي.
ما زالت هناك حقيقة ناقصة.
اقترب أحد الضباط من رنا وسلمها ورقة صغيرة.
قرأتها بسرعة ثم نظرت إليّ.
تقرير السموم سيُعاد فحصه رسميًا صباح اليوم وهناك احتمال كبير لإعادة فتح القضية كاملة.
سألتها بصوت ضعيف
هل تعتقدين أنه قتله فعلًا؟
صمتت للحظات.
ثم قالت بهدوء
أعتقد أن والدكِ كان خائفًا من شيء حقيقي.
نظرت إلى قبر أبي البعيد وسط الظلام.
وشعرت بألم يخنق صدري.
كل شيء أصبح مفهومًا الآن.
بروده.
إصراره على بقائي قربه دائمًا.
مراقبته لكرار طوال الوقت.
حتى موافقته على زواجي منه
لم تكن ثقة.
بل خوفًا.
كان أبي يحاول حمايتي بطريقته الخاصة.
حتى وهو يحتضر.
وفجأة
سمعت صوتًا خلفي.
زينب!
التفتُّ بسرعة.
وكان غالب ومهدي يدخلان المقبرة بوجوه شاحبة.
ومن الواضح أن الشرطة قد اتصلت بهما.
نظر غالب حوله بصدمة.
ثم إلى كرار المقيّد.
يا الله
أما مهدي فاقترب مني بسرعة.
هل أنتِ بخير؟
لأيام طويلة كنت غاضبة منهما.
لكن حين رأيت الخوف الحقيقي في عينيهما
شعرت بالتعب فقط.
لا بالغضب.
قال غالب بصوت مكسور
أقسم بالله يا زينب لم نكن نعرف.
لم أرد.
أخرجت رنا أحد العقود من الملف وفتحته أمامهما.
هذه الأوراق تثبت أنه استغل ديونكما لينقل الحصص باسمه.
نظر مهدي إلى توقيعه وكأنه يراه لأول مرة.
ثم جلس على الأرض فجأة واضعًا يديه فوق رأسه.
يا رب
أما غالب فبدأ يبكي بصمت.
لقد بعنا كل شيء بأيدينا
قلت بصوت هادئ متعب
لم يكن يريد حصصكما فقط.
رفع غالب رأسه نحوي ببطء.
فأكملت
كان يريد توقيعي أنا.
ساد الصمت.
ثم نظر الأخوان نحو كرار في الوقت نفسه.
وكان ينظر إليّ بكراهية خالصة من بعيد.
اقترب الضباط ليأخذوه نحو السيارة.
لكنه توقف فجأة.
ثم التفت نحوي للمرة الأخيرة.
ووسط المطر والظلام قال
كنتِ غبية لأنكِ صدقتِ أن أحدًا يمكن أن يحب في هذا العالم.
شعرت بالقشعريرة.
لكنني لم أبكِ.
لم أصرخ.
فقط نظرت إليه وقلت
وأنت كنت أحمق لأنك ظننت أن المال أهم من البشر.
تجمّد للحظة.
ثم دفعه الشرطي إلى السيارة بعنف.
واختفى خلف الباب الحديدي.
وبعد دقائق
غادرت سيارات الشرطة واحدة تلو الأخرى.
وبقيت المقبرة هادئة من جديد.
هادئة بشكل مؤلم.
وقفت أمام قبر أبي طويلًا.
لا أعرف كم مرّ من الوقت.
حتى اقترب أبو حسن ووضع بيده مصباحًا
ثم قال بصوته العجوز
كان أبوكِ يعرف أن هذه الليلة ستأتي.
نظرت إليه بصمت.
فأخرج مسبحة قديمة من جيبه.
أعطاني هذه قبل موته بيومين وقال إذا حدث شيء، سلّمها لزينب.
أخذتها بيد مرتجفة.
كانت مسبحة أبي فعلًا.
نفس المسبحة التي كان يحملها بعد كل صلاة.
شعرت بدموعي تنزل أخيرًا.
لكن هذه المرة
لم تكن دموع خوف.
كانت دموع اشتياق.
قلت بصوت مكسور
كان وحده يعرف الحقيقة كلها
هزّ أبو حسن رأسه.
لا كان ينتظر منكم أن تروها بأنفسكم.
ثم تركني وابتعد بهدوء.
بقيت وحدي أمام القبر.
الهواء البارد يلف عباءتي.
وصوت المطر يضرب الأرض بهدوء.
تذكرت آخر مرة رأيت فيها أبي حيًا.
كان متعبًا جدًا.
لكنه أمسك يدي قبل النوم وقال
إذا متُّ يا ابنتي فلا تسمحي لأحد أن يكسركِ.
وقتها غضبت منه.
وظننته يتحدث عن الموت كعادته.
لكنني الآن فقط فهمت.
أخرجت هاتفي ببطء.
كانت آخر رسالة ما تزال ظاهرة على الشاشة
يا ابنتي تعالي إلى وادي السلام حالًا.
مررت أصابعي فوق الكلمات.
ثم أغلقت الهاتف أخيرًا.
ومع أول خيط للفجر
خرجت من المقبرة.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة
شعرت أنني أرى كرار على حقيقته.
ليس زوجًا.
ولا رجل أعمال.
ولا عاشقًا خائنًا.
بل مجرد رجل باع كل شيء
حتى نفسه
من أجل المال.
أما أبي
فقد بقي يحارب لحمايتي حتى بعد موته.
وانتهت القصة.