في سن الثانية والسبعين تزوجت من رجل أرمل
ثم استدارت "ليلى" وبدأت تمشي باتجاه باب القبو (المخزن السفلي)، وتبعتها أنا.. كانت كل خطوة أخطوها أثقل من التي سبقتها.
أصوات الموسيقى وضحكات المعازف في الأعلى بدأت تتلاشى تدريجيًا ونحن ننزل السلالم. فتحت ليلى الباب وأضاءت النور. كان القبو مرتبًا بشكل يثير الريبة، صناديق مرصوصة بدقة على الجدران، وكل صندوق عليه ملصق بعناية.
اتجهت ليلى مباشرة إلى خزانة معدنية، وكانت يدها ترتجف وهي تفتح القفل.
قالت بصوت مخنوق: "أنا كمان مكنتش عايزة أصدق في الأول".
أخرجت ملفًا وأعطته لي.
فتحت الملف.. كانت أوراقًا قديمة.. شهادة وفاة.
شعرت ببرودة تجمد أصابعي وأنا أقرأ الاسم: "عادل المنشاوي".
تاريخ الوفاة: منذ عشرين عامًا.
انقطع نفسي.. وهمست: "مش ممكن.. ده مستحيل".
هزت ليلى رأسها وقالت: "الموضوع أسوأ من كدة".
ناولتني مجموعة أوراق أخرى.. أسماء مختلفة.. محافظات مختلفة.. رخص قيادة.. عقود أملاك.. وصور قديمة.
في كل
قالت وصوتها يتهدج: "بقاله سنين بيعمل كدة.. ينتقل من مكان لمكان، اسم جديد، قصة جديدة، وست جديدة يضحك عليها".
شعرت وكأن الأرض سُحبت من تحت قدمي.
قلت بضعف: "لأ.."
استمرت ليلى: "بدأت ألاحظ حاجات غريبة وأنا صغيرة.. ناس بتناديه بأسماء تانية، هروبه من أماكن معينة.. الراجل اللي كان في المطعم؟ ده كان عارفه من زمان.. من حياة تانية عاشها".
كل شيء أصبح واضحًا الآن.. فجأة وبدون مقدمات.
ارتباكه.. خوفه.. انسحابه السريع من المواقف.. قصصه المحبوكة بدقة.
سألتها بصعوبة: "وليه بتقولي لي دلوقتي؟"
امتلأت عيناها بالدموع: "لأنك ست محترمة ومش زي غيرك.. ولأني حاسة إنه كان ناوي يعملها تاني".
رتجف جسدي: "يعمل إيه؟"
ترددت ثم قالت: "يختفي".
ترددت الكلمة في أذني كأنه صدى في بئر عميق.
أغلقت الملف ببطء.
لوهلة، ظننت أنني سأنهار.. لكنني لم أفعل.
ثمة شيء بداخلي تماسك
اثنان وسبعون عامًا من الحياة تعلمك شيئًا واحدًا: حين تظهر الحقيقة وجهًا لوجه.. يجب أن تواجهها.
نظرت إلى ليلى وقلت: "شكرًا ليكي".
أومأت برأسها وهي تمسح دموعها وسألتني: "ناوية تعملي إيه؟"
أخذت نفسًا عميقًا، ثم استدرت وصعدت للأعلى.
الموسيقى كانت لا تزال تعزف.. والناس يضحكون.
و"عادل" يقف في وسطهم، يبتسم، يصافح هذا وذاك، يؤدي دوره بإتقان مذهل.
زوجي.. أو أيا كان اسمه الحقيقي.
مشيت باتجاهه مباشرة. رآني مقبلة فزادت ابتسامته اتساعًا.
قال: "إنتِ فين يا كريمة؟ كنت لسه بسأل—"
قاطعتُه بصوت واضح وصارم: "عادل".
هدأت الضجة في الغرفة قليلاً.
اهتزت ابتسامته وهو يرى نظراتي: "فيه إيه يا حبيبتي؟ حصل حاجة؟"
اقتربت منه أكثر.. لدرجة أنني رأيت اللمعة في عينيه.. لمعة الماكر الذي يحسب خطواته.
قلت له: "كان لازم تقولي الحقيقة".
تجمد وجهه تمامًا: "مش فاهم قصدك إيه".
رفعت الملف في وجهه أمام الجميع.
لثانية واحدة
كان هذا كل ما أحتاجه.
بدأت الهمسات تتعالى بين المعازيم مع انتشار الصمت.
قلت بهدوء وثبات: "أنت اسمك مش عادل.. وأنت عايش في كذبة بقالك سنين طويلة".
لم يصرخ.. لم تحدث فوضى. كانت الحقيقة فقط هي التي تملأ المكان.
نظر حوله، وأدرك أنه لا يوجد مخرج.. لأول مرة، ليس لديه مكان يهرب إليه.
بدأ يتلعثم: "أنا.. أنا ممكن أشرح لك.."
هزت رأسي وقلت: "لأ.. أنت شرحت كفاية".
تراجعت خطوة للخلف وأضفت: "أنا بلغت البوليس خلاص".
هذا ما فعلته قبل أن أصعد من القبو.
سن الاثنين وسبعين لا يعني الضعف.. بل يعني الخبرة.
بعد دقائق، قطعت أصوات السرينة هدوء المكان.
وهكذا.. انتهت قصته.
ليس بهروب جديد، ولا بكذبة أخرى.. بل بالحقيقة التي طاردته حتى أمسكت به.
وبينما كانوا يقتادونه بعيدًا، وقفت أنا هناك بكل هدوء.
بلا دموع.. وبلا ندم.
لأنه رغم أنني خُدعت.. إلا أنني كنت قوية
في سني هذا، هذا هو الأهم.. ليس أنك لا تسقط أبدًا..
بل أنك حين تسقط.. تقف مرة أخرى وعيناك مفتوحتان على آخرهما.