رجعت بدري لقيت مراتي مغمى عليها

لمحة نيوز


وقعت الكلمات على رأسي كالمطرقة التي حطمت بقايا الصنم الذي بنيته لأمي طوال ٣٤ سنة. تذكرتُ كيف كانت دائماً تزرع الشك في قلبي تجاه عائلة ندى، وكيف كانت تصر على أن ندى مبذرة ولا تصلح لإدارة الأموال. كانت تخطط لتجريد زوجتي من كل ما تملك، مستغلة ضعفها بعد الولادة، ومستندة إلى ولائي الأعمى لها وثقتي التي لم تكن تهتز.
قمتُ وقفت بكامل طولي، وعيناي تحولتا إلى جمرتين من الغضب الصافي.
وائل الدهب والسبائك دول تمنهم يعدي ال ٨٠٠ ألف جنيه يا نورا.. دي مش سرقة عادية، دي جريمة خيانة أمانة وابتزاز مستغلة حالة صحية حرجة.
في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، تركتُ ندى وابني تحت رعاية ممرضة خاصة استأجرتها من المستشفى القريب لحمايتهما، وتوجهتُ فوراً إلى شقتي في التجمع الخامس.
فتحتُ الباب بهدوء. كانت أمي الحاجة وفيقة لا تزال تجلس في الصالون، ترتدي عباءتها الفخمة، وتشرب الشاي باللبن وكأن شيئاً لم يكن. أول ما رأتني، رفعت حاجبها وقالت بنبرة حادة تحاول بها استعادة سيطرتها
وفيقة أهلاً يا سي وائل.. المحترم اللي طرد أمه عشان خاطر حتة بت بتاعة دراما. جيت وراجعت لعقلك؟ عرفت إن مالكش غير حضن أمك اللي ربتك؟
لم أرد عليها بكلمة. مشيتُ نحو غرفتي، فتحتُ درج الكومودينو واكتشفتُ غياب المفتاح. التفتُّ إليها وقلت

بصوت هادئ ومخيف كهدوء ما قبل المقصلة
وائل فين المفتاح يا أمي؟ وفين الطقم الألماسي وسبائك الدهب بتاعة ندى؟
ملامح وفيقة اتهزت لثانية، لكنها سرعان ما لبست قناع الجبروت والتبلي
وفيقة بسخرية أهو.. بدأت تهمات السنيورة تشتغل! أنا أسرق؟ أنا الحاجة وفيقة اللي الناس بتحلف باسمها في العيلة؟ البت دي كدابة ومخرفة، دي شكلها كانت مأثرة عليها أدوية الهلوسة وقامت تتبلى عليا عشان تخرب العلاقة بيني وبينك!
أخرجتُ موبايلي من جيب وفجرتُ القنبلة الموقوتة في وجهها
وائل بابتسامة نصر مريرة كنت عارف إنك هتقولي كدة.. عشان كدة أنا مكنتش محتاج كلام ندى بس. أنا كلمت الشركة بتاعة كاميرات المراقبة السرية اللي أنا زرعتها في الصالون والممر المؤدي للأوضة من شهرين عشان أطمن على البيبي وأنا في الشغل.. والتسجيل بتاع يوم الثلاث اللي فات شغال معايا هنا لايف يا أمي.
شغلتُ الفيديو. ظهرت الحاجة وفيقة وهي تتسلل للأوضة، تفتح الخزنة، وتضع الذهب في حقيبتها الكبيرة، وصوتها وهي تهدد ندى وتطعن في شرفها كان واضحاً ونقياً لدرجة تخرق الآذان.
الحاجة وفيقة سقطت منها كوباية الشاي وتحطمت على الرخام. شحب وجهها لدرجة غريبة، وتراجعت للخلف وهي تلهث وتتأتأ
وفيقة برعب وتوسل وائل.. يا ابني.. أنا كنت بشيلهم ليكم! كنت خايفة البت دي تضيعهم
أو أهلها يطمعوا فيهم! أنا أمك يا وائل.. إنت هتعمل فيا إيه؟
وائل بقوة لم تعهدها مني طوال حياتي إنتي مش أمي يا وفيقة هانم.. الأم هي اللي تحن، الأم هي اللي تصون العِرض، الأم هي اللي لما تشوف طفل صغير بيصرخ من الجوع ومراته ابنه ميتة من التعب على الكنبة، تشيلهم في عينها مش تقعد تضرب بالمحشي وتقول بتاعة دراما! إنتي وحش نرجسي، عيشتينا ٣٠ سنة في كدبة الكبرياء والالتزام، والحقيقة إنك مبتحبيش غير نفسك والسيطرة.
انفتح باب الشقة فجأه، ودخل المحامي بتاعي ومعه اثنان من رجال الشرطة بملابسهم الرسمية.
وائل ببرود قاتل الدهب والسبائك مرجعتش خلال ساعة واحدة يا وفيقة هانم، البلاغ ده هيتحرك للنيابة بتهمة السرقة والابتزاز والطعن في المحصنات.. والتوكيل العام اللي كنت كاتبهولك لإدارة الشقة القديمة بتاعة بابا الله يرحمه اتلغى الصبح في الشهر العقاري.
وفيقة بدأت تصرخ وتلطم على وشها بانهيار بتسجن أمك يا وائل؟ بتبيع شقا عمري عشان خاطر الغريبة؟
وائل الغريبة دي صانتني وصانت بيتي، وإنتي اللي جيتي تخربيه بدم بارد. خدي حاجتك واطلعي برة حياتنا.. المرة دي بلا رجعة.
اضطرت وفيقة تحت ضغط المحضر وكاميرات المراقبة ترجع كل مليم وكل قطعة دهب سرقتها وهي بتترعش من الفضيحة أمام باقي أفراد العيلة الذين عرفوا حقيقتها، وخرجت
من البيت مطرودة، وحيدة، ومكسورة الكبرياء الزائف للأبد.
النهاية العوض الخالص وشروق النور
بعد مرور شهرين على الليلة الموعودة..
شقتنا في التجمع رجع ليها النور والدفا من تاني. حلة اللبن المغلية بقت تفور بالحب والأمان، والغسيل بقى متطبق بنظام يملأ الأوضة بريحة الفانيليا والورد. ندى صحت وبقت زي الفل، وشها رجع له اللون الوردي وصحتها بقت بمبي، وابننا الصغير ياسين كان قاعد في سريره بيضحك ويمسك لعبه بنقاء.
كنتُ واقف في المطبخ بعملها كوباية عصير دافي، وقربت مني وحضنتني من ضهري وسندت راسها على كتفي
ندى بابتسامة مليانة دموع فرحة عارف يا وائل؟ الليلة اللي أخدتنا فيها ورحت اللوكاندة.. كانت الليلة اللي حسيت فيها إن ليا ضهر بجد في الدنيا دي.. ربنا يخليك لينا.
وائل التفت وباس راسها بحنية أنا اللي بشكرك لأنك صليتي واستحملتي لحد ما النور شق ضلمة عيني وشفت الحقيقة. بيتنا ده مبقاش فيه مكان للوحوش.. فيه مكان ليكي ولابننا وبس.
اتعلم وائل إن البرّ مش معناه الطاعة العمياء للظلم، وإن الست اللي بتسيب بيت أهلها عشان تبني معاك بيت جديد، تستحق إنك تهد الدنيا وتبنيها من تاني عشان تحمي كرامتها ونفسها الغالية. وسيبنا وفيقة تشبع بكسرتها ووحدتها في قصرها الفاضي، وعشنا احنا فوق السحاب بالصدق والرحمة والنور اللي
مابيموتش أبداً.
تمت.

 

تم نسخ الرابط