بناتي التلاته التؤام

لمحة نيوز

بناتي التلاتة التوأم مكنوش بينطقوا ولا كلمة من ١٤ شهر من صدمة موت أمهم.. وفجأة، رجعت البيت لقيتهم بيغنوا ويضحكوا من قلبهم في حظن الشغالة الجديدة! بس في ثانية واحدة، نار الغيرة عمت عيني ودمرت المعجزة اللي كنت مستنيها بقالي سنين!
دخل سليم الألفي الفيلا بتاعته في التجمع الخامس من غير أي إنذار.. مفيش تليفون، مفيش رسالة، ومبلغش حتى الحرس على البوابة. راجل بوزن وسلطة سليم مبيقولش على مواعيده لحد، حتى لو كان بيته.
القصر كان غرقان في سكوت قاتل ومريب أول ما خطت رجله جوه، نفس السكوت اللي بقاله ١٤ شهر كاتم على نفس المكان.. السكوت البارد اللي يخلي الرخام تحت رجلك زي التلج، ويخلي النجف الكريستال ملوش أي عازة، ويملا الأوض الكثيرة بصوت كل حاجة ضاعت واتسرقت من حياته.
وفجأة.. سمع الصوت ده! صوت جاي من مكان غريق جوه المطبخ.
قلبه خبط خبطة جامدة كأنه هيتخلع من بين ضلوعه. وبتلقائية، إيده راحت على طبنجته اللي في جنبه.. سليم عاش عمره كله يربح ويعدي وسط الحيتان لأنه متعود إن أي صوت مش متوقع معناه خطر ومصيبة! هو الراجل اللي مسيطر على الميناء، وعلى أهم شركات الاستيراد والتصدير في البلد، واسمه لوحده يخلي الكبار يتهزوا قبل الصغار.. كل حاجة بيلمسها يا بتبقى دهب يا بتبقى دم!
بس الصوت ده مكانش صوت خطر.. ده كان أصعب؛ صوت مكانش يتخيل يسمعه تاني في دنيته.. صوت ضحك!
لثانية كاملة، سليم مأتحركش من مكانه، وبعدين مشي ورا الصوت.. عدا الصالة الكبيرة، والممر الطويل، وقرب من باب المطبخ.

ومع كل خطوة، الصوت كان بيبان ويوضح أكتر.
عيال صغيرة بتضحك.. عيال صغيرة بتغني!
ولاده.. بناته التلاتة التوأم، اللي من فضل ربنا عليهم مكانوش نطقوا ولا كلمة واحدة من اليوم الأسود اللي أمهم ماتت فيه مقتولة قدام عنيهم!
سليم وصل لباب المطبخ ووقف وإيده على الأوكرة.. إيده كانت بترتعش! زق الباب بالراحة، وفي اللحظة دي العالم كله وقف.
نور الشمس بتاع العصاري كان داخل من الشبابيك الكبيرة، ومقهر المطبخ كله بلون الدهب. وعلى الحيطة جمب الشباك، كانت فيه رسمة فراشة باللون الموف ملزوقة بلزق شفاف في مكان مميز، أجنحتها مش مظبوطة وجسمها معوج.. رسمة أطفال بريئة.
وفي نص المطبخ، بناته كانوا بيرجعوا للحياة تاني!
فريدة الصغيرة كانت قاعدة على كتاف البنت الشغالة، إيديها الصغيرة مشبكة في شعر البنت الطويل، وبتضحك ضحكة من قلبها هزت جسمها كله. وجميلة وخديجة قاعدين على تربيزة المطبخ، رجليهم بتتحرك في الهواء، ووشهم منور وعينيهم بتلمع بفرحة مأتشافتش من سنين.
التلاتة كانوا بيغنوا!
والأغنية مكانتش غريبة عليه.. دي كانت أنشودة دينية صغيرة عن الصباح والرضا، نفس الأنشودة اللي أمهم شيرين الله يرحمها كانت بتغنيهالهم كل ليلة قبل النوم عشان يطمنوا. كلماتهم كانت ملغبطة، وأصواتهم مش راكبة على بعضها، وبيقعوا في الكلام.. بس كل ده مكنش مهم؛ المهم إنهم كانوا بيغنوا! بعد ١٤ شهر من الخرس التام والسكوت المرعب، بنات سليم الألفي بيغنوا!
والست اللي كانت في نص المعمعة دي كلها، وبتطبق هدومهم الصغيرة
وبتغني معاهم وتتحرك بالراحة عشان تضحك فريدة أكتر.. كانت نادية. الشغالة الغلبانة اللي مكانش بيلتفت ليها وهي معدية في الممرات؛ البنت اللي كان بيمر من جمبها كأنها حتة أبجورة في البيت مألهاش حس.
شنطة الشغل وقعت من إيد سليم على الأرض.. الصوت مكانش عالي فمحدش جوه سمع حاجة، فضلوا يضحكوا، ويغنوا، ويعيشوا.
لمدة ٣ ثواني، الفرحة دخلت قلبه بقوة زلزلته؛ بناته بيتكلموا! بناته بيضحكوا! بناته رجعوا له تاني! في الثواني دي، حس بالحمد والشكر لربنا لأول مرة من يوم ما مراته ماتت، وكان عاوز يجري جوه المطبخ ويخدهم كلهم في حظنه، ويقع على ركبه ويقولهم إن بابا بيحبكم ومبطلش يحبكم، وإن بابا كان مستنيهم في الضلمة بقاله ١٤ شهر!
وفجأة، فريدة صرخت بفرحة غني ألعى يا أبلة نادية!
أبلة نادية.. مش بابا.. مش هو.. نادية!
وفي ثانية واحدة، كل حاجة جوه سليم اتقلبت.. بسرعة، وبشكل وحش وبشع، كأن فيه زرار أسود داس عليه في أعمق حتة في روحه. الفرحة اتمسحت، وحلت مكانها نار الغيرة والغل!
الكسرة غدتها، والبرستيج والكبرياء سنّوا سنانهم، والغضب لقى الحجة اللي هيطلع فيها؛ الست دي عملت اللي هو بكل فلوسه وسلطته عجز عنه! الشغالة دي اللي ملهاش أي ضهر، ولا شهادات، ولا ملايين، ولا جيش يحميها، رجعت بناته من البير الغريق اللي سليم مأعرفش يوصل لآخره!
ده صرف ملايين؛ جاب أكبر دكاترة نفسيين للأطفال من أشهر مستشفيات برة وجوه، خبراء من أوروبا، جلسات ورا جلسات، سفر ل ديزني، وللساحل، ولشاليهات خاصة، وجاب لهم
كلاب وقطط، وعملهم قصر لعب في الجنينة يكسف فيلات كاملة.. ومفيش حاجة جابت نتيجة! وتيجي نادية دي، تدخل البيت في ٨ أسابيع بس، وتعمل المعجزة!
بناته كانوا بيبصوا لنادية بأمان وثقة كاملة.. فريدة بتشد شعرها كأن نادية ملكهم وبتاعتهم، وجميلة وخديجة بيغنوا جمبها كأن الصوت كان مستخبي جوه حجرهم ومستني إيد نادية بس عشان تطلعه! سليم كرهها في اللحظة دي من كل قلبه، مش لأنها غلطت في حاجة، بل لأنها نجحت في المكان اللي هو فشل فيه كأب!
يا ترى سليم الألفي هيعمل إيه مع نادية عشان يطفي نار غيرته وكرامته اللي اتهانت قدام الشغالة؟ وإيه السر الخطير اللي نادية مخبياه وهيقلب حياتهم كلهم لما سليم يعرفه؟ وإزاي بناته هيقفوا في وش أبوهم الكينج المرعب لأول مرة عشان يحموا الست اللي رجعتلهم الروح؟
سليم فضل واقف عند باب المطبخ عينيه متعلقة ببناته كأنه خايف يرمش فتختفي المعجزة.
فريدة كانت بتضحك بصوت عالي وهي ماسكة وش نادية بإيديها الصغيرين غني تاني يا أبلة!
ونادية ضحكت بحنية وردت طب يلا كلكم معايا.
وجميلة بدأت تدندن.
وخديجة كملت وراها.
أما سليم
فكان قلبه بيتقطع بين فرحة عمره وغيرة سودة أكلت روحه.
لأنهم رجعوا يتكلموا.
بس مش عشانه.
فتح الباب بعنف.
الصوت وقف.
البنات التلاتة بصوا له بخضة.
نادية قامت بسرعة سليم بيه حضرتك رجعت؟
لكنه معداش حتى عليها.
عينيه كانت على البنات.
قال بحدة اطلعوا أوضكم.
الفرحة اختفت من وشوشهم فوراً.
فريدة حضنت رجل نادية بخوف.
جميلة همست بس إحنا كنا بنغني
سليم
زعق لأول مرة من شهور قولت اطلعوا!
البنات
 

تم نسخ الرابط