خلال رحلة جوية طويلة
خلال رحلة جوية طويلة، ظلّ طفل صغير يبكي بلا توقف، مما أزعج جميع الركاب، بينما كانت والدته المسكينة تحاول عبثًا تهدئته. وكان شيخ شاب ذو نفوذ، يجلس غير بعيد عنهما، يراقبهما بملامح متجهمة منذ وقت طويل ثم فجأة فعل شيئًا صدم الطائرة بأكملها
داخل مقصورة الطائرة، كان ذلك الطنين المعتاد يملأ الأجواء، ذاك الصوت الذي لا يُسمع إلا في الرحلات الطويلة.
كان الركاب مرهقين؛ بعضهم يحاول النوم، وآخرون يحدقون بصمت في الشاشات أمامهم، بينما لم يعد البعض يخفي انزعاجه.
وكان هناك سبب واحد فقط لكل هذا التوتر
بكاء الطفل الذي لم يتوقف ولو لدقيقة واحدة.
ظلّ الرضيع يبكي لأكثر من ساعة كاملة.
بكاء مرتفع ومؤلم، وكأنه لا يشعر فقط بعدم الراحة، بل پخوف حقيقي يسكنه.
كان وجهه الصغير قد احمرّ بشدة، وعيناه ممتلئتين بالدموع، بينما قبضت يداه الصغيرتان بقوة.
أما صوته
فبدأ يتسلل إلى أعصاب الجميع.
تبادل الركاب النظرات.
تنهد بعضهم بانزعاج واضح، بينما هزّ آخرون رؤوسهم بضيق.
حتى إن بعضهم بدأ يهمس لمن بجانبه بكلمات تعبر عن امتعاضه.
إحدى النساء وضعت سماعات الأذن محاولة حجب الصوت، بينما أخذ رجل يجلس في الجهة المقابلة يطرق بأصابعه بعصبية على مسند المقعد.
وكان التوتر داخل الطائرة يزداد شيئًا فشيئًا.
أما والدة الطفل
فبدت في حالٍ أسوأ من الجميع.
كانت مرهقة للغاية، وشعرها مبعثر، وعيناها حمراوين من التعب والبكاء.
كانت تضم طفلها إلى صدرها وتحاول تهدئته بكل طريقة ممكنة.
تهزه برفق.
تهمس له بكلمات حانية.
تغيّر وضعيته بين ذراعيها.
لكن دون جدوى.
وفي أكثر من مرة، رفعت نظرها نحو الركاب المحيطين بها وقالت
أعتذر منكم إنها رحلته الأولى إنه خائڤ فقط أرجوكم سامحوني
كان صوتها يرتجف بشدة.
وفي لحظة
لم تستطع التماسك أكثر.
فاڼفجرت بالبكاء هي أيضًا.
انهمرت الدموع على خديها بينما ضمت طفلها بقوة أكبر، وكأنها تحاول حمايته من العالم كله.
ثم قالت بصوت متقطع مليء بالألم
نحن نحن في طريقنا إلى بيت أهلي بعد ۏفاة والده
وكان في كلماتها حزن عميق جعل حتى أولئك الذين كانوا منزعجين يصمتون للحظة.
لكن رغم ذلك
لم يتوقف بكاء الطفل.
وبالقرب منهما، بجانب النافذة، كان يجلس رجل يرتدي ثوبًا أبيض ناصعًا وغترة فاخرة.
كان شيخًا شابًا من عائلة خليجية معروفة بالنفوذ والثروة.
جلس باستقامة وهدوء، بينما بقيت ملامحه جادة ومتجهمة قليلًا.
وكان يسمع بكاء الطفل منذ بداية الرحلة، تمامًا مثل الجميع.
وبحسب تعابير وجهه
فقد بدا واضحًا أن الأمر يزعجه هو أيضًا.
لكنه لم يتدخل.
ولم يعلّق بكلمة واحدة.
بل ظل يراقب بصمت فقط.
وكان الوقت يمر ببطء شديد.
إلى أن جاءت اللحظة التي بدا فيها أن الشيخ لم يعد قادرًا على التحمّل أكثر
وفجأة فعل شيئًا جعل الطائرة بأكملها تدخل في حالة صدمة وذهول
ساد الصمت داخل الطائرة للحظة قصيرة
الجميع كان يراقب الشيخ الشاب بعين الترقب.
حتى الأم رفعت رأسها نحوه وهي تمسح دموعها بسرعة، وكأنها تخشى أن يطلب منها شيئًا محرجًا أمام الركاب.
أما الطفل
فما زال يبكي بحړقة بين ذراعيها.
تنهد الشيخ ببطء، ثم فك حزام الأمان بهدوء شديد.
اعتدل في وقفته، ورتّب طرف غترته البيضاء، ثم تحرك بخطوات ثابتة نحو المرأة.
وتوقفت أنفاس كثير من الركاب.
بعضهم ظنّ أنه أخيرًا سيفقد أعصابه.
وربما يطلب من المضيفة تغيير مقاعدهم.
أو يشتكي من الإزعاج المستمر.
حتى الأم نفسها خفضت رأسها بخجل وقالت بسرعة قبل أن يتحدث
والله أحاول تهدئته أعتذر جدًا
لكن الشيخ لم يجبها فورًا.
بل انحنى قليلًا نحو الطفل.
وظل ينظر إليه لثوانٍ طويلة بصمت غريب.
ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.
مدّ الشيخ يديه بهدوء وقال للأم
هل تسمحين لي أن أحمله قليلًا؟
اتسعت عينا المرأة بدهشة.
حتى الركاب القريبون التفتوا نحوه پصدمة واضحة.
شيخ شاب من عائلة معروفة
يريد حمل طفل يبكي منذ ساعة كاملة؟
ترددت الأم للحظة.
لكن التعب كان واضحًا عليها لدرجة أنها لم تعد تعرف ماذا تفعل.
فناولته الطفل ببطء.
وما إن حمله الشيخ بين ذراعيه
حتى حدث أمر غريب جدًا.
توقف الطفل عن البكاء.
ليس تدريجيًا
بل فجأة.
كأن أحدهم أطفأ صوته دفعة واحدة.
ساد الصمت داخل المقصورة.
حتى صوت المحركات بدا أوضح من قبل.
حدّق الركاب بذهول.
أما الشيخ
فبقي يهز الطفل بهدوء شديد، بينما يهمس له بكلمات خاڤتة لم يسمعها أحد.
ثم جلس في مقعده قرب النافذة، والطفل مستلقٍ بين ذراعيه وكأنه يعرفه منذ سنوات.
مرت دقيقة
ثم دقيقتان
والطفل لم يبكِ أبدًا.
بل بدأ ينظر إلى وجه الشيخ بهدوء غريب، قبل أن يغفو ببطء فوق صدره.
وضعت الأم يدها فوق فمها من شدة المفاجأة.
وبدأت دموع جديدة تنزل من عينيها.
لكن هذه المرة
لم تكن دموع تعب.
بل دموع ارتياح.
قالت بصوت مرتجف
لا أفهم لم يهدأ هكذا منذ ۏفاة والده
رفع الشيخ نظره إليها لأول مرة بشكل واضح.
وكانت ملامحه قد تغيرت تمامًا.
اختفى الضيق من وجهه، وحلّ مكانه شيء يشبه الحزن العميق.
ثم سألها بهدوء
متى ټوفي والده؟
أخفضت
قبل ثلاثة أشهر
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت بصعوبة
كان متعلقًا بوالده جدًا ومنذ رحيله لم يعد ينام بسهولة ېخاف من الأصوات ويبكي كثيرًا كلما ابتعدت عنه.
نظر الشيخ إلى الطفل النائم بين ذراعيه، ثم تنهد ببطء.
لكن الشيء الذي لم ينتبه له أحد
هو أن عيني الشيخ كانتا قد امتلأتا بالدموع هو أيضًا.
وفي تلك اللحظة، اقتربت إحدى المضيفات وهمست له باحترام
سيدي هل ترغب أن أعيد الطفل إلى والدته؟
لكن الشيخ هز رأسه بهدوء وقال
دعيه ينام قليلًا.
ثم أعاد نظره نحو النافذة.
وكأنه غرق فجأة في ذكرى قديمة جدًا.
مرت نصف ساعة كاملة
والطفل نائم بهدوء لم يصدق أحد أنه ممكن.
حتى الركاب الذين كانوا منزعجين قبل قليل
أصبحوا يراقبون المشهد بصمت غريب.
إلى أن اقترب رجل مسن كان يجلس في الصف الخلفي، ثم نظر إلى الشيخ وقال بتردد
المعذرة يا شيخ لكن ما الذي قلته للطفل حتى هدأ بهذه الطريقة؟
ابتسم الشيخ ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت، ثم أجاب بصوت منخفض
لم أقل شيئًا مميزًا
ثم سكت للحظة قبل أن يضيف
فقط حملته بالطريقة نفسها التي كنت أحمل بها ابني.
تجمّد الرجل المسن في مكانه.
أما الأم
فرفعت رأسها نحوه بسرعة وكأنها لم تسمع جيدًا.
حتى المضيفة التي كانت تقف قرب الممر اتسعت عيناها بدهشة.
ساد صمت ثقيل داخل الطائرة.
ثم سألت المرأة بصوت خاڤت
لديك طفل؟
نظر الشيخ إلى الطفل النائم بين ذراعيه للحظات طويلة.
وكانت أصابعه تمرّ بهدوء فوق شعره الصغير.
ثم أجاب بصوت بدا مختلفًا هذه المرة
صوت رجل يحمل تعب سنوات كاملة
كان لديّ طفل.
شعرت المرأة بأن قلبها انقبض.
أما الشيخ
فأدار وجهه نحو النافذة للحظة،
لكن صوته خرج هادئًا رغم الألم الواضح فيه
ټوفي قبل عامين.
ساد الصمت مجددًا.
حتى الركاب الذين كانوا يتابعون