طردتني حماتي من المنزل

لمحة نيوز


أمينة بخوف
تقصد الشرطة؟!
لم يُجب الرجل مباشرة.
لكن صمته كان كافيًا.
أما سامر فدفن وجهه بين يديه.
لأول مرة بدا وكأنه انهار فعلًا.
اقتربت منه دون أن أشعر.
رغم كل شيء
لم أستطع رؤية إنسان ينهار أمامي بهذه الطريقة وأبقى بلا إحساس.
قلت بصوت منخفض
لماذا لم تطلب مساعدتي بدل كل هذا؟
رفع رأسه نحوي ببطء.
وعيناه كانتا ممتلئتين بالخجل.
لأنني كنت أخاف أن تنظري إليّ بالطريقة نفسها التي كان أبي ينظر بها إليّ.
شعرت بشيء مؤلم يتحرك داخلي.
لأنني فهمت أخيرًا أن سامر لم يكن يحارب المال فقط
بل كان يحارب شعورًا قديمًا بالنقص عاش معه سنوات طويلة.
لكن ذلك لم يبرر ما فعله.
ولا الكذب.
ولا التزوير.
ولا تركي أُهان داخل منزلي.
قال سامي فجأة
هل يعرف أبي شيئًا عن هذا؟
أجاب سامر بسرعة
لا.
لكن صوتًا جديدًا جاء من عند الباب وقال بهدوء ثقيل
الآن عرفت.
التفت الجميع في اللحظة نفسها.
وكان والد سامر يقف عند المدخل.
الحاج محمود.
رجل لم يكن يرفع صوته كثيرًا
لكن وجوده وحده كان يكفي ليصمت الجميع.
نظر إلى المنزل الفارغ جزئيًا.
إلى الصناديق.
إلى أمينة الباكية.
ثم إلى سامر.
وقال ببطء
يبدو أنني وصلت متأخرًا.
شعرت بأن سامر توقف حتى عن التنفس.
أما سامي، فتمتم
أبي
دخل الحاج محمود بخطوات هادئة.
ثم نظر إليّ مباشرة.
وقال
هل كل ما سمعته صحيح يا مريم؟
نظرت إليه للحظات.
ثم أومأت بصمت.
أغلق عينيه ببطء.
وكأن التعب هبط فوق كتفيه دفعة واحدة.
أما سامر، فوقف أخيرًا وقال بصوت مرتجف
أبي أنا أستطيع التفسير.
لكن الحاج محمود رفع يده فقط.
فسكت سامر فورًا.
ثم حدث شيء لم يكن أحد يتوقعه.
اقترب الحاج محمود مني أنا
وليس من ابنه.
وقال أمام الجميع
سامحينا.
تجمّدت أمينة.
أما سامي، فخفض رأسه مباشرة.
حتى سامر نفسه بدا مصدومًا.
لكن الحاج محمود أكمل بصوت ثابت
نحن ظلمناكِ.
شعرت بشيء يخنقني فجأة.
لأن هذه كانت أول مرة منذ سنوات
أشعر أن أحدًا رأى الحقيقة كاملة.
لكن الحاج محمود لم ينتهِ بعد.
استدار ببطء نحو سامر.
ثم قال جملة جعلت وجه سامر يفقد لونه تمامًا
وهناك أمر آخر يجب أن يعرفه الجميع قبل أن ينهار كل شيء أكثر.
الجزء القادم سيكشف السر الذي أخفاه الأب عن العائلة لسنوات طويلة.
ساد صمت ثقيل داخل المنزل.
حتى العمال توقفوا عن الحركة مرة أخرى.
الجميع كان ينظر إلى الحاج محمود.
أما سامر فبدا وكأنه يعرف تمامًا ما الذي سيقوله والده.
قال سامر بسرعة وقلق واضح
أبي ليس الآن.
لكن الحاج محمود لم ينظر إليه حتى.
خلع شماغه ببطء، ثم جلس على الكرسي الوحيد المتبقي في غرفة الجلوس.
وقال بصوت هادئ
بل الآن لأن الحقيقة تأخرت كثيرًا

أصلًا.
شعرت أمينة بالتوتر فورًا.
محمود ماذا تنوي أن تقول؟
تنهد طويلًا.
ثم رفع عينيه نحو سامر.
ولأول مرة رأيت في نظرته شيئًا يشبه الندم.
قال
سامر لم يكن ضعيفًا كما تظنون أنا من جعلته كذلك.
تجمّد الجميع.
حتى سامي بدا مصدومًا.
قال سامي
ماذا يعني هذا الكلام؟
مرر الحاج محمود يده على وجهه بتعب.
ثم قال
عندما كان سامر صغيرًا خسرنا كل شيء تقريبًا.
لم أفهم.
أما أمينة، فأخفضت رأسها فورًا.
تابع الحاج محمود
كنت أملك شركة مقاولات صغيرة ودخلت في صفقة كبيرة وخسرت خسارة قاسية.
نظر إلى سامر.
يومها كنت غارقًا في الديون والبنوك تطاردني وكنت أحتاج لمن أحمّل عليه غضبي.
أحسست بأن سامر توقف عن التنفس.
أما الحاج محمود فأكمل بصوت منخفض
سامي كان متفوقًا دائمًا هادئًا ناجحًا أما سامر فكان حساسًا جدًا.
ابتسم بمرارة.
وكلما فشلتُ أنا كنت أضغط عليه أكثر.
قالت أمينة بسرعة
محمود كفاية
لكنه أكمل
كنت أقارنه بأخيه طوال الوقت. أقول له لماذا لا تصبح مثل سامي؟ لماذا لا تعتمد على نفسك؟ لماذا لا تنجح مثله؟
نظر إلى الأرض للحظة.
ثم قال بصوت مكسور
حتى عندما كان ينجح بشيء صغير كنت أعتبره غير كافٍ.
ساد الصمت.
أما سامر فكان ينظر إلى والده بعينين ممتلئتين بشيء قديم جدًا.
شيء يشبه وجع طفل لم يختفِ أبدًا.
قال الحاج محمود
وعندما خسر عمله قبل سنة أخفى الأمر عني.
ثم نظر إليّ مباشرة.
لأنه كان يعرف أنني سأعتبره فشل مرة أخرى.
شعرت بشيء ثقيل في صدري.
لأنني بدأت أفهم أخيرًا لماذا كان سامر يهرب دائمًا من الحقيقة.
لم يكن يخاف الفقر.
بل كان يخاف الشعور بأنه لا يساوي شيئًا.
قال سامي بهدوء
ولماذا لم تخبرنا بهذا من قبل يا أبي؟
أجاب الحاج محمود
لأنني كنت أظن أن القسوة تصنع الرجال.
ثم ابتسم بحزن.
لكنها أحيانًا تصنع رجالًا يخافون الاعتراف بانكسارهم.
أما أمينة فكانت تبكي بصمت.
وقالت وهي تنظر إلى سامر
يا ولدي لماذا حملت كل هذا وحدك؟
ضحك سامر ضحكة قصيرة ومؤلمة.
لأنني تعبت من محاولة إرضائكم.
ثم نظر إليّ أنا.
وعندما وقفت مريم بجانبي شعرت بالخجل أكثر.
لم أفهم.
قال بصوت منخفض
كانت أقوى مني وأنجح مني وأكثر ثباتًا مني وبدل أن أشعر بالفخر كنت أشعر أنني أصغر كل يوم.
أغمضت عيني للحظة.
لأن كلامه رغم قسوته كان صادقًا.
وهذا ما جعله مؤلمًا.
قال سامر
في البداية كنت أريد فقط أن أثبت لنفسي أنني قادر على النجاح وحدي ثم دخلت تلك الاستثمارات وبعد أول ربح شعرت أنني أخيرًا أصبحت شخصًا مهمًا.
ضحك بمرارة.
وبعد أول خسارة بدأت الكارثة.
اقترب الحاج محمود منه ببطء.
ولأول مرة منذ دخل المنزل وضع يده على كتف ابنه.
ثم قال
أخطأت
يا سامر لكنني أيضًا أخطأت معك.
رفع سامر عينيه نحوه بسرعة.
واضح أنه لم يسمع هذه الجملة من والده طوال حياته.
أما أنا
فكنت واقفة وسط الغرفة أشاهد عائلة كاملة تنهار أمامي وتحاول للمرة الأولى أن تكون صادقة.
لكن رغم كل شيء
بقي سؤال واحد داخل رأسي
وماذا عني أنا؟
ماذا عن السنوات التي عشتها أحمل هذا البيت وحدي؟
ماذا عن الإهانة التي تعرضت لها الليلة الماضية؟
وكأن الحاج محمود فهم ما أفكر به.
استدار نحوي مباشرة.
وقال أمام الجميع
القرار الآن قرارك يا مريم.
شعرت بأن الأنظار كلها اتجهت نحوي.
سامر.
أمينة.
سامي.
ندى.
حتى العمال كانوا يراقبون بصمت.
قال الحاج محمود
إن أردتِ الرحيل فلن يلومك أحد.
ثم نظر إلى ابنه بحزم.
وإن قررتِ البقاء فعلى سامر أن يتحمل نتيجة كل ما فعله.
ابتلع سامر ريقه بصعوبة.
أما أنا
فشعرت لأول مرة أن الجميع ينتظر كلمتي أنا.
وليس كلمة سامر.
لكن قبل أن أجيب
رنّ هاتف الحاج محمود.
نظر إلى الشاشة ثم تغيّر وجهه فورًا.
أجاب بسرعة
نعم؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم وقف فجأة وهو يقول بصدمة
ماذا تعني أنهم وصلوا إلى الشركة؟!
التفت سامر إليه بخوف.
أما الحاج محمود فأغلق الهاتف ببطء شديد.
ثم قال جملة جعلت الجميع يتجمّد مكانه
الشرطة الاقتصادية فتشت الشركة القديمة ويبدو أنهم يبحثون عن اسم سامر أيضًا.
الجزء القادم اللحظة التي ستحدد مصير الجميع.
شعرت أمينة وكأن قلبها توقف.
وضعت يدها على صدرها وهي تنظر بين زوجها وابنها بخوف حقيقي لأول مرة.
أما سامر فبقي واقفًا مكانه بلا حركة.
وكأنه لم يعد قادرًا حتى على التفكير.
قال سامي بسرعة
لماذا يبحثون عن سامر في الشركة؟ الشركة مغلقة منذ سنوات!
تنهد الحاج محمود ببطء.
ثم جلس مجددًا وكأن التعب هبط فوقه دفعة واحدة.
لأن بعض التحويلات التي خرجت من حسابات سامر مرت عبر حساب قديم مرتبط بالشركة.
أغمض سامر عينيه فورًا.
أما أنا، فشعرت ببرودة تسري في أطرافي.
قلت بصوت منخفض
هل الأمر خطير؟
رفع الحاج محمود نظره نحوي.
لا أعلم بعد.
ثم نظر إلى سامر مباشرة.
لكن يبدو أن الأشخاص الذين تعامل معهم لم يكونوا مجرد محتالين عاديين.
ساد صمت ثقيل.
حتى ندى بدأت تبكي بهدوء.
أما سامي، فكان يدور في الغرفة بعصبية واضحة.
يعني ماذا الآن؟! هل سيدخل السجن؟!
صرخت أمينة فورًا
لا تقل هذا!
لكن أحدًا لم يجب.
لأن الفكرة نفسها كانت قد دخلت عقول الجميع.
اقترب سامر من النافذة ببطء.
ثم وقف ينظر إلى الشاحنات التي تحمل الأثاث خارج المنزل.
وقال بصوت خافت
كل شيء انهار بسرعة
لم يرد عليه أحد.
لأن الحقيقة كانت واضحة.
هذا الانهيار لم يبدأ اليوم.
بل بدأ منذ أول كذبة.
ومنذ
اللحظة التي قرر فيها أن يخفي ضعفه بدل أن يطلب المساعدة.
وفجأة
رنّ هاتفي أنا هذه المرة.
نظرت إلى الشاشة.
كان مالك العقار.
أجبت بهدوء
نعم أستاذ خالد؟
قال الرجل بصوت رسمي
أعتذر للإزعاج مجددًا، لكن هناك أمر يجب أن تعرفيه قبل إنهاء العقد.
شعرت بالتوتر فورًا.
ماذا هناك؟
وصلني قبل قليل طلب رسمي لتعليق الإخلاء مؤقتًا.
عقدت حاجبيّ.
من قدّم الطلب؟
ساد صمت قصير.
ثم قال
زوجك.
التفتُّ مباشرة نحو سامر.
أما هو فرفع رأسه نحوي ببطء.
قلت بصدمة
ماذا فعلت؟
اقترب مني بسرعة
فقط أعطني يومين يا مريم يومين فقط حتى أحل كل شيء.
ضحكت بعدم تصديق.
يومين؟! بعد كل ما حدث ما زلت تتصرف من وراء ظهري؟!
قال بتوتر
لم يكن أمامي خيار!
دائمًا هذه جملتك.
رفع صوته لأول مرة منذ مدة
لأنك لا تفهمين حجم الكارثة!
صرخت فيه فورًا
وأنا لست مسؤولة عن كوارثك يا سامر!
ساد الصمت مجددًا.
ثم قال بصوت مكسور
أعلم
ولأول مرة
بدا وكأنه استسلم فعلًا.
لا كذب.
لا تبرير.
فقط إنسان منهك.
أما الحاج محمود، فوقف ببطء وقال بحزم
لن يختبئ أحد بعد اليوم.
ثم نظر إلى سامر مباشرة
ستذهب غدًا بنفسك وتخبرهم بكل شيء.
رفع سامر عينيه بصدمة.
أبي
انتهى زمن الهروب.
شعرت أمينة بالخوف فورًا.
محمود لا تدفعه لتدمير نفسه!
لكن الحاج محمود أجابها بهدوء
الذي يدمّر الإنسان ليس الاعتراف بل الاستمرار بالكذب.
أما سامي، فوقف أخيرًا أمام أخيه.
وللمرة الأولى اختفت العصبية من صوته.
وقال بهدوء
لماذا لم تأتِ إليّ يا سامر؟
رفع سامر رأسه نحوه.
لأنني كنت أظن أنك ستحتقرني.
اقترب سامي أكثر.
ثم قال شيئًا لم يتوقعه أحد
أنت أخي يا غبي.
تجمّد سامر مكانه.
أما أمينة، فانفجرت بالبكاء.
شعرتُ أنا أيضًا بشيء يهتز داخلي.
لأن هذه العائلة رغم كل فوضاها كانت تحاول أخيرًا أن تتحدث بصدق.
لكن ذلك لم يمحُ ما حدث.
ولم يُصلح ما انكسر بيني وبين سامر.
اقترب مني بهدوء بعد دقائق.
كانت عيناه حمراوين من التعب.
وقال بصوت منخفض جدًا
أعرف أنني خسرتك.
لم أجب.
لأنني بصراحة لم أكن أعرف بعد.
هل انتهى كل شيء فعلًا؟
أم أن جزءًا مني ما زال يرى الرجل الذي أحببته قبل أن يبتلعه الخوف والكذب؟
وفجأة
توقف أحد العمال أمام الباب وقال
أستاذة مريم بقي آخر صندوق فقط.
نظرت حولي.
المنزل أصبح شبه فارغ.
الغرفة التي عشت فيها سنوات
تحولت إلى جدران صامتة.
وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا
لم يكن البيت هو الشيء الذي انهار.
بل الصورة التي بنيناها جميعًا عن أنفسنا.
أخذت نفسًا طويلًا.
ثم نظرت إلى العامل وقلت
ضع الصندوق في الشاحنة.
نظر سامر إليّ فورًا.
أما أنا
فحملت حقيبتي بهدوء.
ومشيت نحو
الباب.
لكن قبل أن أخرج
سمعت سامر يقول خلفي بصوت مرتجف
لو أصلحتُ كل شيء هل يمكن أن تمنحيني فرصة أخيرة؟
توقفت يدي على مقبض الباب.
والجميع كان ينتظر إجابتي.
لكنني لم ألتفت.
فقط قلت بهدوء
عندما تتعلّم أولًا أن تكون صادقًا مع نفسك ربما وقتها تعرف كيف تكون صادقًا مع غيرك.
ثم خرجت.
وأُغلق الباب خلفي ببطء.
النهاية.

 

تم نسخ الرابط