طردتني حماتي من المنزل
طردتني حماتي من المنزل كي يتمكن ابنها الأكبر وزوجته من إنجاب طفل براحة. وفي صباح اليوم التالي، اتصلتُ بشركة نقل الأثاث، لكنها أصيبت بالذعر عندما أدركت أنني لا آخذ أغراضي فقط بل آخذ الإيجار كله معي أيضًا.
كنتُ أدفع 21 ألف ريال شهريًا مقابل ذلك المنزل المطلّ على التلال الهادئة شمال الرياض.
وهي لم تكن تعلم.
حتى زوجي لم يملك الشجاعة ليخبرها بالحقيقة.
بدأ كل شيء مساء الأحد، بعد العشاء العائلي.
وضعت حماتي، أمينة، فنجان القهوة على الطاولة، ثم نظرت إليّ وكأنني ضيفة غير مرغوب بها.
وقالت ببرود
يا مريم، نحتاج أن نتحدث.
نظر زوجي، سامر، إلى الأرض مباشرة.
وكان ذلك أول ما جرحني.
ليس كلماتها بل صمته.
قالت حماتي
أخوكِ سامي وزوجته ندى يحاولان الإنجاب منذ سنوات، وهذا المنزل أكبر وأجمل وأنسب لعائلة حقيقية.
شعرتُ بشيء يختنق في صدري.
عائلة حقيقية؟
وضعت ندى يدها على بطنها المسطّح وكأنها ضحية مأساوية، ثم قالت
الطبيبة قالت إن التوتر يؤثر كثيرًا على فرص الحمل.
أما سامي، فهزّ رأسه وكأنني أحتلّ حضّانة أطفال.
ابتسمت أمينة بلا ذرة خجل
أنتِ وسامر ليس لديكما أطفال بعد. يمكنكما الانتقال إلى شقة أصغر. لا تكوني أنانية.
التفتُّ نحو سامر.
انتظرتُ أن يقول شيئًا.
أن يوضح لهم أن المنزل ليس ملكًا لوالدته.
أن عقد الإيجار باسمي أنا.
أن مبلغ 21 ألف ريال يخرج كل شهر من حسابي لأنّه خسر عمله قبل عام تقريبًا، ولأنني تكفّلت بكل شيء حتى لا يشعر بالإهانة أمام عائلته.
لكن سامر قال بصوت خافت
حبيبتي ربما يمكننا مساعدتهم.
مساعدتهم.
هكذا وصف طردي من منزلي لإرضاء عائلته.
شعرتُ بشيء يتحطم داخلي، لكنني لم أبكِ.
اكتفيتُ بالسؤال
ومن سيدفع الإيجار؟
ضحكت حماتي بخفة وقالت
يا مريم، لا تبالغي. سامر دائمًا يتكفل بهذه الأمور.
وفي تلك اللحظة فهمت كل شيء.
لقد كذب عليهم.
جعلهم يظنون أنه المعيل، وصاحب المنزل، والرجل الذي يدفع كل شيء.
أما أنا الزوجة الصعبة، فلم أكن سوى عقبة في طريقهم.
قلت بهدوء
حسنًا.
رفع سامر رأسه بدهشة
حسنًا؟
نعم. سأغادر غدًا.
ابتسمت حماتي وكأنها انتصرت في معركة طويلة.
وقالت بثقة
جيد أنكِ أخيرًا عرفتِ مكانك.
في تلك الليلة حاول سامر احتضاني، لكنني دفعته بعيدًا.
سألته
لماذا لم تخبرهم يومًا أنني أنا من يدفع كل شيء؟
ظل صامتًا للحظات، ثم قال
أمي شخصية معقدة
قاطعته فورًا
لا أنت جبان.
لم أنم تلك الليلة.
وعند السابعة صباحًا اتصلتُ بشركة نقل.
وفي التاسعة تمامًا، توقفت ثلاث شاحنات أمام المنزل.
لم تكن تحمل صناديق صغيرة فقط.
بل كانت تحمل قوائم، وملصقات، وجردًا كاملًا لكل شيء.
لأنني لم أكن أنوي ترك حتى ملعقة واحدة اشتريتها بمالي.
الأرائك.
السرير الكبير.
الثلاجة.
الغسالة.
التلفاز.
الستائر.
المصابيح.
حتى الطاولة التي طردتني
كل شيء خرج من الباب الأمامي.
خرجت أمينة مسرعة بعباءتها المنزلية، ولفافات الشعر ما تزال فوق رأسها، وهي تنظر حولها بذعر.
صرخت
ماذا تفعلين؟!
أنتقل.
لكن لا يمكنكِ أخذ الأثاث!
إنه أثاثي.
هذا منزل ابني!
أخرجتُ عقد الإيجار، ورفعته أمام وجهها مباشرة.
تغيّرت ملامحها في لحظة.
أولًا غضب.
ثم شك.
ثم خوف.
قالت بصوت مرتبك
لماذا اسمكِ موجود هنا؟
أجبتها بهدوء
لأنني أنا من يدفع الإيجار.
وصل سامي خلفها، بينما كانت ندى تتمسك بذراعه بقلق.
سأل سامي
ماذا يعني هذا؟
في تلك اللحظة كان أحد العمال يحمل سرير الطفل الأبيض الذي طلبت ندى وضعه مسبقًا في الغرفة التي كانت مكتبي الخاص.
نظرتُ إليها مباشرة وقلت
يعني أنه إذا أردتما تربية طفل هنا فعليكما أولًا دفع 21 ألف ريال شهريًا.
فتحت أمينة فمها، لكن الكلمات اختفت.
أما سامر، فنزل الدرج شاحب الوجه، وقميصه ما يزال مجعدًا.
قال بتوتر
مريم انتظري. يمكننا أن نتحدث.
نظرتُ إليه ببرود
لقد تحدثنا البارحة وأنت اخترت الصمت.
وفجأة رنّ هاتفي.
كان مالك العقار.
فتحت مكبر الصوت ورددت
نعم؟
قال الرجل بصوت رسمي
أستاذة مريم، وصلني طلب إلغاء العقد. أحتاج فقط لتأكيد أمر واحد هل ستستمر عائلة زوجكِ في السكن داخل العقار، أم أبدأ إجراءات الإخلاء؟
تعلّقت أمينة بظهر الكرسي حتى لا تسقط.
أما سامر، فنظر إليّ وكأنه أدرك أخيرًا أنه لا يخسر زوجته فقط بل يخسر السقف الذي كان يتباهى أمام الجميع بأنه يملكه.
وتمامًا عندما كنتُ على وشك الرد
أضاف مالك العقار
وهناك تفصيل آخر شخص ما حاول نقل عقد الإيجار إلى اسم سامر مستخدمًا توقيعًا لا يبدو أنه توقيعكِ الحقيقي.
تجمّد المكان بالكامل بعد كلمات مالك العقار.
أما سامر فشعرتُ لأول مرة أنه خائف فعلًا.
ليس خائفًا من خسارتي.
بل خائف من انكشافه.
أغلقتُ الهاتف ببطء، بينما كانت أمينة تنظر إلى ابنها بعينين متسعتين.
ما معنى هذا الكلام يا سامر؟!
لم يُجب.
اقترب سامي منه بعصبية
هل حاولت فعلًا نقل العقد باسمك؟
مسح سامر وجهه بكفيه وقال بسرعة
الموضوع ليس كما تظنون
قاطعتُه ببرود
بل هو تمامًا كما قال الرجل.
ثم أخرجتُ من حقيبتي ملفًا أزرق كنت قد احتفظت به منذ أشهر.
كنت أعلم أن شيئًا ما يحدث خلف ظهري.
لكنني لم أتخيل أبدًا أن يصل الأمر إلى تزوير توقيعي.
فتحت الملف أمامهم.
داخله نسخ من رسائل البريد الإلكتروني، وصور من طلبات إلكترونية، ومحاولات تعديل بيانات الحساب الخاص بالإيجار.
كلها باسم سامر.
وكلها تمت دون علمي.
شهقت ندى وهي تنظر إلى الأوراق.
أما أمينة، فجلست ببطء على الأريكة الوحيدة التي لم يحملها العمال بعد.
وقالت بصوت مرتجف
سامر قل إن هذا غير صحيح.
لكن سامر لم ينظر إليها.
كان ينظر إليّ أنا.
وكأنه ينتظر مني أن أنقذه للمرة الأخيرة.
لكن شيئًا داخلي كان قد انتهى تمامًا.
أحد العمال اقترب مني باحترام
أستاذة مريم، بقيت غرفة واحدة فقط.
أومأت له بهدوء.
ثم صعد العامل إلى الطابق العلوي.
وفي تلك اللحظة فقط تذكرت ندى شيئًا مهمًا.
ركضت بسرعة نحو الدرج وهي تصرخ
غرفة الطفل!
تبعتها أمينة بسرعة، بينما وقف سامي مترددًا للحظات قبل أن يلحق بهما.
أما سامر، فبقي مكانيهما.
نظر إليّ بصوت منخفض
هل ستفعلين هذا حقًا؟
ضحكت لأول مرة منذ الليلة الماضية.
لكنها لم تكن ضحكة فرح.
كانت ضحكة شخص اكتشف متأخرًا أنه كان يعيش مع غريب.
قلت
أنا لا أفعل شيئًا يا سامر أنا فقط آخذ ما يخصني.
رفع رأسه أخيرًا وقال بعصبية
أنتِ تبالغين! أمي لم تكن تقصد طردك فعليًا!
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
لكنها فعلت.
كان مجرد نقاش عائلي!
لا كان قرارًا. وأنتم اتخذتموه بدوني.
اقترب خطوة مني
مريم اسمعيني
هل استمعتَ إليّ أنت عندما كانوا يتحدثون عني وكأنني عبء؟
صمت.
وذلك الصمت كان إجابته المعتادة دائمًا.
وفجأة دوّى صوت صراخ من الأعلى.
ركض سامر نحو الدرج.
أما أنا فلم أتحرك.
كنت أعرف تمامًا سبب الصراخ.
بعد دقائق نزلت ندى وهي تبكي.
وخلفها العامل يحمل سرير الطفل الأبيض مفككًا داخل صناديق.
صرخت ندى بانهيار
لا يمكنها أخذ هذا! لقد طلبناه للطفل!
أجاب العامل بهدوء مهني
الفاتورة باسم الأستاذة مريم.
نظرت ندى إلى سامي وكأنها تنتظر منه معجزة.
لكن سامي نفسه كان مصدومًا.
بدأ ينظر حوله فجأة
إلى التلفاز.
إلى الطاولة.
إلى السجاد.
إلى المكيفات.
ثم قال ببطء
لا تقل لي إن كل شيء هنا
أجبته بهدوء
نعم. كل شيء اشتريته أنا.
شعرت أمينة وكأن الأرض سُحبت من تحتها.
همست
لكن سامر قال
قاطعها سامر بعصبية
أمي، ليس الآن!
لكن الوقت كان قد فات.
لأول مرة بدأت أمينة ترى الحقيقة التي أخفاها ابنها سنوات كاملة.
ابنها الذي كانت تتباهى به أمام الجميع
لم يكن يدفع شيئًا.
ولأول مرة أيضًا
بدأ سامي ينظر إلى أخيه بنظرة مختلفة.
ليست نظرة احترام.
بل نظرة خيبة.
أما أنا، فكنت أراقبهم بصمت.
الغريب أنني لم أشعر بالشماتة.
فقط شعرت بالتعب.
تعب سنوات كاملة من الصمت.
تعب كل مرة كنت أغطي فيها فواتير المنزل بينما سامر ينشر صور القهوة والسيارات على الإنترنت وكأنه رجل أعمال ناجح.
تعب كل مرة كنت أسمع فيها حماتي تمدحه لأنه رجل يعتمد عليه، بينما كنت أعود أنا من عملي منهكة بالكاد أستطيع الوقوف.
وفجأة قال سامي بصوت حاد
انتظر إذا كانت مريم تدفع الإيجار وكل شيء هنا لها فأين كانت تذهب أموالك يا سامر؟
ساد الصمت.
ذلك النوع من الصمت الذي يسبق الكوارث.
رفع سامر رأسه ببطء.
ثم قال جملة جعلت الجميع ينظر إليه بصدمة
خسرت بعضها في الاستثمار.
ضيّقت عينيّ فورًا.
الاستثمار؟
كنت أعرف هذه الكذبة.
سمعتها سابقًا.
كثيرًا.
لكن أحدًا من عائلته
اقترب سامي منه أكثر
أي استثمار؟
تردد سامر.
ثم قال
مشروع إلكتروني ولم ينجح.
لكنني رأيت الرعب في عينيه.
لأنني كنت الوحيدة التي تعرف الحقيقة كاملة.
ولأن المشروع الإلكتروني لم يكن مشروعًا أصلًا.
بل شيئًا آخر تمامًا
شيئًا لو عرفته والدته فلن تنظر إليه بالطريقة نفسها أبدًا.
الجزء الثاني الحقيقة بدأت تظهر.
ظلّ سامي يحدّق في أخيه وكأنه يراه لأول مرة.
أما أمينة، فكانت ما تزال تحاول استيعاب ما يحدث حولها.
ابنها الذي كانت تدافع عنه دائمًا
يبدو الآن كرجل غريب تمامًا عنها.
قال سامي بحدة
أي مشروع هذا الذي ابتلع كل أموالك؟
رد سامر بسرعة وكأنه يحفظ الجواب مسبقًا
منصة تجارة إلكترونية دخلت فيها مع بعض الأصدقاء.
لكنني عرفت فورًا أنه يكذب.
ليس لأنني أشك فيه فقط
بل لأنني رأيت الحقيقة بعيني منذ أشهر.
تنفست ببطء.
ثم قلت بهدوء
هل تريد أن أخبرهم أين ذهبت الأموال فعلًا؟
التفت الجميع نحوي.
حتى العمال توقفوا للحظة عن حمل الصناديق.
أما سامر، فتغيّر لونه فورًا.
وقال بصوت منخفض
مريم لا تفعلي.
ضحكت بسخرية خفيفة.
غريب الآن فقط أصبحتَ تخاف من الحقيقة؟
اقتربت أمينة مني بخطوات مرتبكة.
ماذا تقصدين؟
نظرت إليها مباشرة.
ثم قلت
ابنك لم يخسر أمواله في مشروع.
صمتُّ لثانية.
ثم أكملت
ابنك كان يقامر.
شهقت ندى.
أما سامي، فصرخ فورًا
ماذا؟!
أغلق سامر عينيه للحظة وكأنه يعرف أن النهاية بدأت.
قال بسرعة
ليست قمارًا! كانت تطبيقات مراهنات فقط
قاطعه سامي بغضب
هذا اسمه قمار!
بدأت أمينة تهز رأسها بعصبية.
لا سامر لا يفعل هذه الأمور.
لكنني فتحت هاتفي بهدوء.
ثم عرضت أمامهم كشوفات بنكية كنت قد احتفظت بها.
تحويلات متكررة.
مبالغ كبيرة.
مواقع أجنبية.
مدفوعات ليلية شبه يومية.
قالت ندى بصدمة
يا إلهي
أما سامي، فأمسك الهاتف من يدي وبدأ يقرأ بنفسه.
كلما انتقل بين العمليات المالية تغيّرت ملامحه أكثر.
حتى وصل إلى مبلغ ضخم سُحب خلال ليلة واحدة.
رفع رأسه ببطء
مئة وثمانون ألف ريال؟!
لم يُجب سامر.
وهنا فقط انهارت أمينة على الكرسي.
كانت تنظر إلى ابنها وكأنها لا تعرفه.
همست
كل هذه الفترة ومريم هي من كانت تدفع كل شيء؟
لم أُجب.
لم أكن بحاجة لذلك.
الصمت هذه المرة كان كافيًا.
أما سامر، فاقترب مني بسرعة وهو يحاول خفض صوته
هل أنتِ سعيدة الآن؟ هل هذا ما أردته؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
أنا لم أفضحك يا سامر أنت من فعل هذا بنفسك.
كنتِ تعرفين أنني أمرّ بظروف صعبة!
وكنتُ أساعدك.
إذًا لماذا تفعلين هذا الآن؟!
شعرت بشيء يغلي داخلي أخيرًا.
سنوات كاملة وأنا أبتلع الكلام.
سنوات وأنا أحمي صورته أمام الناس.
حتى أمام أمي وأخواتي كنت أقول دائمًا
سامر يمر بفترة مؤقتة فقط.
لكن ماذا فعل هو بالمقابل؟
تركني أُهان داخل المنزل الذي أدفع إيجاره.
تركني أُطرد وكأنني شخص دخيل.
بل وسمح لهم بالتخطيط للعيش هنا بعد خروجي مباشرة.
قلت بصوت ثابت
لأنك لم تكتفِ بالكذب بل حاولت سرقتي أيضًا.
ساد الصمت مرة أخرى.
ثم رفعت عقد الإيجار أمامهم.
محاولة تزوير توقيعي لم تكن غلطة يا سامر.
ابتلع ريقه بصعوبة.
أما سامي، فاقترب منه بعنف
هل جننت؟!
صرخ سامر أخيرًا
كنت