اعتنيت بزوجي الغارق في غيبوبة

لمحة نيوز

 

الممرضة الليلية التي تركت العمل فجأة في السنة الثانية، بعدما أخبرونا أن ابنها مرض واضطرت للسفر إلى طرابلس.

لم أسمع عنها شيئًا بعدها.

فتح كريم درجًا قريبًا وأخرج حقيبة سوداء صغيرة.

كان بداخلها هاتف قديم، وبعض الوصفات الطبية، وسلسال ذهب نسائي.

تعرّفت إلى الهاتف فورًا.

كان هاتف هناء.

شعرتُ بأن ساقيّ لم تعودا تحملانني.

أما رانيا فبدت هادئة بشكلٍ مرعب، كأنها تناقش أمرًا عاديًا.

— لا أريد أخطاء أخرى… ابني لن يولد وسط هذه الفوضى.

اقترب كريم منها ولمس بطنها بحنان.

ثم قال بابتسامة باردة:

— ولن يولد فقيرًا أيضًا… سارة مدينة لنا بثلاث سنوات كاملة.

في تلك اللحظة…

مات داخلي آخر جزءٍ كان يشعر بالذنب تجاهه.

ذلك الذنب الذي جعلني أعتني به، وأدفع ثمن علاجه، وأخاف كل ليلة من أن ينقطع عنه جهاز الأوكسجين.

لم أكن أعتني بزوجٍ مريض…

بل كنت أعيش داخل كذبة كاملة تتنفّس تحت سقف بيتي.

تراجعتُ ببطء محاولةً الهرب…

لكن كعبي اصطدم بصندوقٍ معدني.

صدر صوتٌ خافت.

صغير…

لكنه كان كافيًا.

رفع كريم رأسه فجأة.

— هل سمعتِ هذا؟

أغلقت رانيا الحاسوب بسرعة.

أما أنا…

فركضت نحو الدرج بأقصى ما أملك.

صعدتُ متعثّرة، وخرجت إلى الغرفة ثم اندفعت نحو الشرفة قبل أن ينفتح الباب السرّي بعنف خلفي.

ظهر كريم في الغرفة.

حيًّا.

غاضبًا.

ويقف بثباتٍ كامل دون أي أثر لمرضٍ أو ضعف.

ثم قال بصوتٍ هادئ أخافني أكثر من الصراخ:

— سارة… يمكنكِ التوقّف عن الاختباء الآن.

كنتُ معلّقة بحافة الشرفة، وذراعاي تنزفان من الأشواك، بينما هاتفي يسجّل كل شيء داخل ملابسي.

وفجأة…

انفتح

باب الفيلا في الأسفل بقوة.

ودوّى صوت سعاد في أنحاء البيت:

— مدام سارة! لا تتحركي… الشرطة وصلت!

لا أعرف كيف نزلتُ من تلك الشرفة.

كل ما أتذكّره…

هو يد سعاد وهي تمسكني من خصري قبل أن أسقط، وبكاء فتاة شابة عند باب الفيلا، وصوت أقدام عناصر الشرطة وهم يصعدون الدرج بسرعة.

أما كريم…

فحاول أن يعود إلى السرير ويتمدد من جديد.

وكان ذلك أكثر شيءٍ مرعب ومثير للاشمئزاز رأيته في حياتي.

بمجرّد أن سمع الأصوات في الأسفل، ألقى بنفسه فوق الفراش، وأغمض عينيه، ورتّب ذراعيه كأن جسده قادر على محو ما رأيته قبل دقائق.

لكن صدره كان يعلو ويهبط بسرعة.

وقميصه ما زال يحمل آثار الشراب.

وقدماه كانتا متّسختين بغبار القبو.

أما الدكتورة رانيا…

فحاولت الهرب عبر الباب السرّي.

لكن الشرطة أمسكت بها في الأسفل، وكانت لا تزال تحمل وحدة التخزين الصغيرة في يدها، بوجهٍ مصدوم لامرأة لم تتخيّل يومًا أن عاملة منزل بسيطة قد تدمّر حياتها بالكامل.

ولم تكن سعاد قد اتصلت بالشرطة لمجرد الشك.

هي أيضًا بدأت تلاحظ أشياء غريبة منذ أسابيع.

كأسًا زجاجية تُغسل خفية.

رماد سجائر في الحديقة الخلفية.

وتغيّرًا غريبًا في ترتيب ملابس كريم.

لكنها لم تخبرني خوفًا من أن تجرحني أو تجعلني أنهار.

إلى أن رأت رانيا تدخل ليلًا من الباب الخلفي بمفتاحٍ خاص، رغم أنني من المفترض أن أكون مسافرة إلى دبي.

حينها فقط، اتصلت بفتاة تُدعى ليلى.

كانت ليلى أخت الممرضة هناء.

ومنذ ثلاث سنوات، وهي تبحث عن شقيقتها التي اختفت فجأة دون أثر.

الجميع قال يومها إن هناء تركت العمل وسافرت إلى طرابلس بسبب مرض والدتها…

لكن ليلى لم

تصدّق ذلك أبدًا.

قبل اختفائها بساعات، أرسلت هناء رسالة ناقصة إلى أختها تقول فيها:

“إذا حدث لي شيء… فابحثي داخل بيت آل حدّاد.”

ثم اختفت.

والقبو كشف كل شيء.

هناك وجدوا ملابس، وأوراقًا مزوّرة، وكاميرات مراقبة مرتبطة بعدة غرف داخل البيت، وأدوية تُستخدم لإظهار أعراض مرضية وهمية، وتقارير طبية معدّلة.

كما وجدوا خلف الخزائن فراشًا مخفيًا…

وحياةً كاملة كان كريم يعيشها بعيدًا عني.

لم يكن يتظاهر بالغيبوبة فقط.

بل كان يخرج ليلًا عبر نفقٍ صغير يصل القبو بمستودع قديم خلف الحديقة.

كان يعيش حياتين.

الأولى…

رجلٌ مريض يرقد في سريري ويتلقى دعوات الناس وشفقتهم.

والثانية…

رجلٌ حرّ يسهر ويسافر وينفق أموالي بينما أعمل أنا لأؤمّن “علاجه”.

أما رانيا…

فكانت تزوّر التقارير الطبية، وتعدّل الأدوية، وتساعده في استمرار الكذبة.

وكل من بدأ يشكّ…

كان يختفي من البيت.

وعندما قيّدوا يدي كريم بالأصفاد…

توقّف أخيرًا عن التمثيل.

نظر إليّ بهدوء بارد وقال:

— أنتِ لم تكوني لتتركي إدارة الشركة بسهولة… ذنبك كان الشيء الوحيد الذي يمكن السيطرة عليه.

حينها فقط…

فهمت الحقيقة.

الحادث لم يكن بسبب سيارةٍ مفاجئة أو طريقٍ زلقة.

كريم هو من تسبّب فيه عمدًا.

كان غارقًا في ديون ضخمة، وأراد أن يختفي قانونيًا من كل شيء، ويجعلني أنا المسؤولة عن أمواله وعلاجه وشركته.

لم يكن يخطّط لأن يُصاب فعلًا بتلك الخطورة، لكن الأشهر الأولى كانت حقيقية.

وحين استفاق…

واكتشف أنني ما زلت بجواره…

حوّل هو ورانيا المأساة إلى تجارة.

أما أنا…

فكنت الزوجة المثالية لهذا الاحتيال.

امرأة يلتهمها

الذنب، وتدفع المال بصمت، وتخاف أن تطرح الأسئلة حتى لا تبدو قاسية.

ولم يكن التعافي سهلًا بعد ذلك.

لا أتحدث عن جروح ذراعي التي سببتها أشواك الجهنمية…

بل عن تعلّمي كيف أمشي داخل بيتي دون أن أشعر أن الجدران تراقبني.

بعتُ الفيلا بعد انتهاء التحقيقات.

لم أستطع العيش فوق بيتٍ مليء بالأبواب السرّية والأكاذيب.

وجاءت سعاد لتعيش معي عدة أشهر في شقتي الجديدة، لا كخادمة… بل كرفيقة نجت معي من الكابوس نفسه.

أما ليلى…

فواصلت البحث عمّا حدث لشقيقتها هناء.

وساعدتها بكل ما أملك من مال ومحامين ووثائق.

كان ذلك أقل ما أستطيع فعله.

فهناء رأت الجحيم قبلي…

ولهذا لم تعد أبدًا.

حُوكم كريم ورانيا بتهم الاحتيال والتزوير والتلاعب بالتقارير الطبية، ثم أضيفت إليهما قضية اختفاء هناء بعد ظهور تسجيلات وأدلة جديدة.

أما طفل رانيا…

فولد بينما كانت لا تزال قيد التحقيق.

ولن أكذب وأقول إنني شعرت بالشفقة فورًا.

كل ما شعرت به كان الإرهاق.

لكنني أدركت أيضًا أن الطفل لا ذنب له في أن يولد من أبوين بهذه القسوة.

أهل رانيا أخذوا الطفل وتكفّلوا بتربيته.

أما أصعب شيءٍ واجهته…

فلم يكن خيانة كريم.

بل مسامحة نفسي.

مسامحتي لأنني سمّيت السجن حبًا.

ولأنني خلطت بين الوفاء والعقاب.

ولأنني تركت الذنب يعميني ثلاث سنوات كاملة عن روائح غريبة، وأصوات خافتة، وأبواب لم يكن يجب أن تكون موجودة أصلًا داخل بيتي.

قالت لي الطبيبة النفسية يومًا:

— نجاتكِ دليل أيضًا… جسدكِ كان يرى الحقيقة حتى عندما كان قلبكِ يرفض رؤيتها.

ربما كانت محقّة.

ربما لهذا انتبهتُ للعطر.

ولهذا اشتريتُ الكاميرا.

ولهذا

تسلّقتُ تلك الجهنمية في منتصف الليل…

كأن جزءًا داخلي كان يحاول الهرب منذ البداية.

اليوم…

بيتي تفوح منه رائحة القهوة والخبز الساخن والملابس النظيفة.

لا رائحة مستشفى.

ولا دخان سجائر.

ولا عطر رجلٍ غريب.

وأحيانًا، حين أسمع بابًا يُفتح ليلًا…

أتجمّد للحظة.

ثم أتنفّس ببطء، وأشعل الضوء، وأتذكّر أنني لم أعد أعتني بجثةٍ مزيفة.

أنا الآن أعتني بنفسي.

طوال ثلاث سنوات…

كنت أظن أن كريم عالق بين الحياة والموت.

لكن الحقيقة…

أن العالقة كنت أنا.

وفي الليلة التي رأيته فيها يقف على قدميه…

لم أخسر زوجي.

بل استعدتُ حياتي أخيرًا.

تم نسخ الرابط