قبل فرحي أجبرتني أمي أكتب شقتي بأسمها حماده هيكل
أصحاب بابا قرّب منه وهمس الظاهر إنكم كنتوا داخلين على نصباية محترمة.
كريم سمع الجملة. وشّه احمر.
وقال بعصبية إحنا مش طماعين!
أمي رفعت حاجبها وقالت أمال ليه كنتوا مستعجلين تنقلوا في شقة الزمالك بعد الفرح مباشرة؟
افتكرت فجأة.
كل مرة كريم كان يقول شقتك أقرب لشغلي. شقتك أرقى. شقتك أنسب لماما لو احتاجت حد جنبها.
ماكنتش إشارات حب.
كانت خطة.
ناهد هانم قربت مني فجأة، ونبرتها اتحولت لحدة مخيفة بصي يا بنتي الجوازة دي مش هتمشي بالطريقة دي.
بصّيت لها وأنا بمسح دموعي.
وقلت عندك حق.
وشديت الدبلة من صباعي.
كريم اتصدم. إنتِ بتعملي إيه؟!
حطيت الدبلة فوق الترابيزة قدامه.
وقلت بمنتهى الهدوء بلغي مامتك تدور على دار مسنين تانية.
القاعة كلها شهقت.
ناهد هانم صرخت إنتِ مجنونة!
لكن أمي مسكت إيدي.
وقالت يلا يا سارة.
ولأول مرة حسّيت إن إيديها الدافية رجعت تاني.
لفّيت أبص على القاعة آخر مرة.
الورد الأبيض. التورتة. الكوشة. والرجل اللي كنت فاكرة إني هقضي عمري معاه.
طلع بيبص لشقتي أكتر ما بيبصلي.
خرجت من القاعة وأنا سامعة الناس بتهمس ورانا.
لكن
ركبنا العربية. وقفلت الباب.
وساعتها بس انهرت.
فضلت أعيط بشكل هستيري.
ليه يا ماما؟ ليه ماقولتليش من الأول؟
أمي بصّت قدامها للحظات.
وبعدين قالت بهدوء موجوع لأني شفت نفس النظرة دي قبل كده.
سكتت.
قلبي انقبض.
لفّيت أبصلها.
كانت أول مرة أشوف عينيها مليانة الوجع ده.
وقالت أبوكِ الأولاني عمل معايا نفس اللعبة.
اتجمدت مكاني.
أبويا الأولاني؟
أمي أغمضت عينيها للحظة، كأنها فتحت باب عمرها ما كانت عايزة تفتحه.
العربية كانت ماشية في شوارع القاهرة الهادية بعد نص الليل. وأضواء الكباري بتعدي على وشها وتختفي.
قالت بصوت واطي أنتِ فاكرة إن باباكي الله يرحمه كان أول راجل في حياتي.
هزّيت راسي ببطء.
ابتسمت ابتسامة حزينة. لأ كان التاني.
ماكنتش مستوعبة.
أمي عمرها ما حكت أي حاجة عن حياتها قبل بابا.
كملت وأنا عندي خمسة وعشرين سنة كنت غبية. وقعت في حب راجل شبه كريم جدًا.
بلعت ريقي.
كان بيحبني أوي قدام الناس. كلام حلو. هدايا. اهتمام. بس كل اهتمامه الحقيقي كان بحاجة واحدة شقتي.
بصّيت لها وأنا ساكتة.
قالت جدي كان كاتبلي شقة
ضحكت بسخرية مريرة.
وبعد الجواز بشهرين بدأ الكلام.
إحنا عيلة واحدة. الست المحترمة ماتخبيش حاجة عن جوزها. اكتبي الشقة باسمي عشان نضمن مستقبلنا.
حسّيت قشعريرة في جسمي.
نفس الكلام. نفس الأسلوب. حتى نفس الجمل تقريبًا.
قالت أمي ولما رفضت اتحول لشخص تاني.
سكتت شوية.
كان بيزعق. يكسر. ويختفي بالأيام. وفي مرة ضربني.
شهقت بدون ما أحس.
أمي عمرها ما تكلمت عن حاجة زي دي.
مسحت دمعة نزلت منها بسرعة، وكأنها متعودة تخبي وجعها.
هربت عند أهلي. ووقتها اكتشفت إنه كان مديون بمبالغ كبيرة، وكان مستني يبيع الشقة ويسدد.
همست وبعدين؟
قالت طلقت منه بالعافية. بس اتعلمت الدرس.
لفّت تبصلي أخيرًا.
الطماع عمره ما يشبع يا سارة. والراجل اللي يحبك بجد عمره ما يبص للي تملكيه قبل ما يبصلك.
ماقدرتش أتكلم.
كنت حاسة إني اتولدت من جديد الليلة دي.
وصلنا البيت عند الفجر.
دخلت أوضتي بفستان الفرح. الرموش الصناعية واقعة. الميكب سايح. والريحة بتاعة الورد لسه في شعري.
وقفت قدام المراية.
وشفت بنت تانية.
بنت كانت
في الصبح، صحيت على عشرات المكالمات.
أرقام صحافة. قرايب. أصحاب. ناس كانت في الفرح وصورت كل حاجة.
الفيديو انتشر بشكل مرعب.
عروسة تسيب فرحها بعد فضيحة الشقة!
قفلت موبايلي.
لكن رسالة واحدة شدّتني.
من كريم.
إنتِ دمّرتيني.
بصّيت للرسالة شوية.
وبعدين ضحكت لأول مرة من قلبي.
أنا؟ أنا اللي دمّرته؟
هو اللي دخل حياتي وهو شايفني صفقة.
وطلع خسر الاستثمار.
قفلت الشات من غير رد.
بعدها بأسبوعين، عرفت إن ناهد هانم كانت حاجزة سمسار فعلًا يعاين شقتي بعد الجواز.
وبعد شهر عرفت إن كريم كان غرقان في قروض.
وإنهم كانوا معتبرين شقة الزمالك طوق النجاة.
أما أنا
فرجعت شغلي.
رجعت أضحك تاني. أنام من غير خوف. وأقعد في بلكونة شقتي أبص للنيل لوحدي لكن مرتاحة.
وفي يوم، وأنا بشرب القهوة مع أمي وقت الغروب، سألتها
لو رجع الزمن كنتِ هتعملي نفس اللي عملتيه؟
بصّت للنيل وقالت كنت هعمله أبكر.
ضحكت.
وقتها فهمت حاجة مهمة جدًا
أحيانًا، أكتر شخص بيبان متحكم في حياتك بيكون أكتر واحد
والشقة اللي كنت فاكراها مجرد بيت
أنقذت عمري كله.
تمت
قصص حماده هيكل