جوزي قالي كل واحد ينام في اوضة
دخل المطبخ لابس لبسه المريح، وماسك كوبايتين قهوة.
قال لي بصوت هادي: "صباح الخير يا حبيبتي."
بصيت له المرة دي بنظرة تانية خالص..
لا فيها شك.. ولا فيها غضب.. كان فيها وجع قلب ميتوصفش.
شوفت الهالات السودة تحت عينيه..
شوفت إيده وهي بتترعش وهو بيحط كوباية القهوة قدامي.
إزاي مشفتش كل ده؟
بقى له قد إيه بيمثل إن كل حاجة تمام؟
سألني بحنية: "منمتيش كويس؟"
كدبت وقولت له: "شوية."
ابتسم بضعف وقال: "أنا عندي يوم طويل النهاردة في الشغل."
الجملة دي كانت هتقتلني..
لأن فجأة، كل حاجة نورت في عقلي.
كل "يوم طويل" كان بيقوله..
كل مرة كان بيلغي فيها خروجة أو عشا..
كل دش طويل كان بياخده..
كل لحظة كان بيختفي فيها ورا باب مقفول..
مكنش بيهرب مني.. كان بيحاول يحميني من وجعه.
بمجرد ما نزل الشغل، دخلت أوضة الضيوف فوراً.
دي كانت أول مرة أدخلها من ساعة ما نقل فيها.
الأوضة كانت ريحتها "سبيرتو" ودوا.
صدري ضاق.. السرير كان مكركب..
وعلى الكومودينو، علب دوا مرصوصة بدقة جنب الأباجورة.
فتحت الفولدر الطبي بالراحة..
وبمجرد ما قريت التشخيص، الدنيا اسودت في عيني.
"سرطان البنكرياس - المرحلة التالتة"
اترميت على الكرسي اللي جنب السرير..
لأ.. لأ يا رب.. مش ممكن يكون ده حقيقي.
هاني لسه عنده 36 سنة..
طول عمره صحته كويسة.. رياضي.. وضحكته مابتفارقوش.
إيدي كانت بتترعش وأنا بقلب في الورق..
مواعيد كيماوي.. تقارير معامل.. وفواتير..
آلاف الجنيهات مدفوعة ومصاريف تقطم الظهر.
وبعدين لقيت حاجة تانية..
بوليصة تأمين على الحياة.. واسمي أنا هو المستفيد الوحيد منها.
كتمت بوقي وأنا بنهار من العياط..
كان بيجهز لكل حاجة.. حتى لموته.. وكان بيواجه كل ده لوحده.
يومها بالليل، عملت له أكتر أكلة بيحبها..
صينية بطاطس باللحمة ورز معمر وعيش سخن.
هاني استغرب جداً لما دخل المطبخ وشم الريحة.
ضحك وقال: "يا وعدي! إيه المناسبة العظيمة دي؟"
رسمت ابتسامة بالعافية: "يعني الست ممنوع تدلع جوزها؟"
لثانية واحدة، شفت في عينه نظرة قلق.. كأنه حس بحاجة.
طول العشا كنت براقبه..
إزاي بياكل بالعافية وبيزق الأكل في الطبق..
إزاي بيضغط على بطنه من تحت التربيزة لما يفتكر إني مش واخدة بالي.
الوجع كان مبيفارقوش.. وهو مخبي عليا بقاله شهور.
لما خلصنا، باس راسي كالعادة وراح ناحية أوضة الضيوف.
في اللحظة دي، مسكت
"أرجوك يا هاني.. متنامش هناك النهاردة."
اتسمر مكانه.. ولف لي بالراحة.
"أمل..."
دموعي نزلت غصب عني وقولت له: "أنا عرفت كل حاجة."
لون وشه خطف.. ومحدش فينا نطق بكلمة لثواني.
لحد ما همس بصوت مخنوق: "شفتي إيه؟"
رديت بكسرة: "شفت اللي يوجع القلب."
هاني غمض عينيه.. وفجأة.. بدأ يعيط.
مكنش عياط عالي ولا بتمثيل..
كان عياط راجل مهدود، شايل شيلة تقيلة فوق طاقته بقاله كتير.
همس: "مكنتش عايزك تشوفيني وأنا بضيع.. مش عايزك تشوفي موتي."
الكلمة دي قطعتني.. حضنته بكل قوتي.
وقولت له وأنا بشهق من العياط: "يا غبي.. إنت المفروض كنت تسيبني أحبك وأشيل معاك.. إحنا مع بعض في المرة قبل الحلوة."
مسك فيا بقوة كأن غريق لقى طوق نجاة: "كنت خايف عليكي."
رديت: "وأنا كمان خايفة.. بس مش هسيبك لوحدك."
الليلة دي، ولأول مرة من شهور، نمنا في سريرنا مع بعض.
مش لأن الخوف راح.. ولا لأن المرض اختفى بمعجزة..
بس لأن مفيش حد فينا بقى عايز يواجه القدر لوحده.
الشهور اللي جت بعد كدة كانت أصعب شهور في حياتنا.
الكيماوي كان بِيِهدّ حيله..
أيام مكنش بيقدر يمشي فيها من السرير للكنبة.
اتعلمت إزاي أدي
وإزاي أضحك في وشه حتى وأنا لسه سامعة كلام يوجع من الدكاترة.
وهاني..
شوية بشوية.. بطل يستخبى.
ساعات كنا بنضحك.. وساعات نعيط مع بعض الساعة 2 الصبح..
وساعات نكتفي بإننا نمسك إيد بعض في صمت.
في يوم، وهو قاعد على الكنبة والجو كان بيمطر بره، بص لي وقال:
"أنا ضيعت وقت كتير وأنا بحاول أحميكي من الوجع ده.. كان المفروض نعيش كل لحظة سوا."
قعدت جنبه وسندت راسي على كتفه بحذر: "لأ يا حبيبي.. إنت حبيتني بأكتر طريقة كنت تعرفها."
ابتسم بضعف وقال: "بس لسه ليكي عندي علقة عشان موضوع الأوضة المنفصلة ده."
ضحكت وسط دموعي: "ما تقلقش.. لسه هحاسبك عليها."
ولأول مرة من فترة طويلة، ضحك ضحكة حقيقية.. ضحكة مالت البيت كله.
هاني حارب لمدة سنة كمان.. أكتر مما الدكاترة توقعوا.
وفي السنة دي، حبينا بعض أكتر من أي وقت فات.
لما جه أوانه، توفى في هدوء في البيت..
إيده كانت في إيدي.. وراسه كانت قريبة من راسي.
مات وهو مش لوحده.. مات وهو في حضني.
لحد النهاردة، ساعات بقوم بالليل أبص على الفتحة الصغيرة اللي في الحيطة، اللي داريتها ودهنتها..
الفتحة اللي عملتها بسب الغيرة والشك.
وبفتكر قد إيه كنت قريبة من إني أفهم الراجل اللي حبني أكتر من نفسه غلط.
لأن الحب أوقات مش بيبعد عشان قسي..
أوقات الحب بيستخبى في الأوضة اللي جنبك.. بس عشان مش عايزك تشوف وجعه وتتوجع معاه.