جوزي قالي كل واحد ينام في اوضة

لمحة نيوز

​النصيب والمكتوب

​بعد تلات سنين جواز، فاجأني جوزي بطلب غريب جداً.. طلب إن كل واحد فينا ينام في أوضة لوحده. حاربت الفكرة دي بكل قوتي، وعملت كل اللي أقدر عليه عشان أثنيه عن قراره، بس مفيش كلمة من اللي قولتها غيرت رأيه ولا شعرة. وفي يوم بعد الظهر، وهو بره البيت، عملت حاجة مكنتش أتخيل إني أعملها.. خليت صنايعي يفتح لي فتحة صغيرة مستخبية في الحيطة اللي بين أوضتنا وأوضة الضيوف.

 

​والليلة اللي بعدها، لما بصيت من الفتحة دي، كنت هصرخ من الصدمة لما عرفت السبب الحقيقي...

​كنا متجوزين بقالنا تلات سنين.

أنا وجوزي، هاني نصار، كنا عايشين في شقة هادية وجميلة في حي متوسط في القاهرة. مكنتش عيشتنا فيها بذخ، بس كنا مستورين ومرتاحين جداً. هو كان شغال مدير عمليات في شركة شحن كبرى في وسط البلد، وأنا كان عندي مشروعي الصغير من البيت، بعمل حلويات وتورت وأبيعها أونلاين.

​على الأقل من وجهة نظري، جوازنا كان لسه مليان دفا وحب.

هاني كان لسه بيعملي القهوة بإيده كل يوم الصبح.

لسه بيبعتلي رسالة "طمنيني عليكي" لو اتأخر في الشغل.

لسه بيحضني من ضهري وأنا واقفة في المطبخ بجهز الغدا.

​عشان كدة، الليلة اللي ساب فيها الشوكة من إيده وبص لي بنظرة

غريبة وجادة جداً، في حاجة جوايا اتكسرت فوراً.

​قال لي: "أمل.. أنا شايف إننا محتاجين كل واحد ينام في أوضة لوحده الفترة اللي جاية."

​أنا اتسمرت في مكاني.

في الأول، افتكرت بجد إني سمعت غلط.

"إنت قولت إيه؟"

​نزل عينه في الأرض وقال: "محتاج بس.. أنام لوحدي كام يوم."

​حسيت كأن حد ضربني بطلقة في صدري.

بالنسبة لواحدة ست متجوزة، إنها تسمع جملة زي دي فجأة ومن غير مقدمات، ده شيء مرعب.

ألف فكرة سودة هجمت على عقلي في لحظة.

هو بطل يحبني؟

بقيت بضايقه؟

في واحدة تانية في حياته؟

​سألته وصوتي بيترعش: "ليه يا هاني؟ أنا عملت إيه غلط؟"

رد عليا بسرعة: "أنتي معملتيش أي حاجة، الموضوع ملوش علاقة بيكي خالص."

​بس الكلمة دي وجعتني أكتر.

عيطت..

واتخانقت..

واترجيتُه يفهمني..

حتى إني اتعصبت عليه بشكل عمري ما عملته قبل كدة. قولتله إن نوم الزوجين في أوض منفصلة هو أول خطوة في خراب البيوت، وإن مفيش اتنين مبسوطين بيقرروا فجأة ينفصلوا في السرير بين يوم وليلة.

​بس هاني مغيرش رأيه.

وفي نفس الليلة، أخد مخدته ولحافه ونقل في أوضة الضيوف الصغيرة اللي كنا بنستخدمها غالباً كخزين.

وأنا فضلت لوحدي في سريرنا، باصة للسقف وقلبي مية حتة.

​الأيام

اللي بعدها كانت عذاب.

بالنهار، هاني كان بيتعامل عادي جداً.

لسه بيكلمني بحنية..

لسه بيسألني "تغديتي ولا لأ؟"..

لسه بيساعدني في غسيل المواعين بعد العشا..

​بس كل يوم بالليل، كان يبوس راسي بهدوء، ويقولي "تصبحي على خير".. ويختفي ورا باب الأوضة التانية.

صوت قفلة الباب دي كل ليلة كانت بتحسسني بالهجر والوحدة من جديد.

​الشك بدأ يلحس عقلي ويجنني.

لحد ما جه يوم بعد الظهر، وهاني في الشغل، عملت حاجة كنت عارفة إني هخجل منها بعدين.

كلمت صنايعي من اللي جارتي رشحتهم لي، وطلبت منه يفتح خرم صغير جداً في الحيطة اللي بتفصل بين أوضتي وأوضة الضيوف.

​قولتله وأنا متوترة: "فتحة صغيرة خالص زي مقاس الشلن كدة، عشان هعدي منها سلك."

الراجل مسألش كتير.

خلص بسرعة، ونضف العفرة، أخد حسابه ومشي.

​بالليل، بعد ما هاني دخل أوضة الضيوف وطفت نور الطرقة، قعدت في السرير في صمت تام مستنية.

ضربات قلبي كانت عالية لدرجة إني خوفت يسمعها من ورا الحيطة.

فاتت عشر دقايق..

وبعدين عشرين..

​أخيراً، قمت حافية وأنا بتهز من الخوف، وضغطت عيني على الفتحة الصغيرة دي عشان أشوف.

وقتها..

كنت هصرخ من اللي شفته.

هاني مكنش بيكلم واحدة تانية.

ومكنش مخبي موبايل

سري.

ولا كان بيعمل أي حاجة غلط.

​كان قاعد على طرف السرير، عاضض على فوطة بين سنانه بكل قوته، وبيبكي في صمت رهيب وهو بيحقن نفسه بحقنة في بطنه.

جنبه كان فيه كذا علبة دواء، وتقارير طبية، قطن وكحول، وفولدر مكتوب عليه "مستشفى القصر العيني الفرنساوي".

​رجلي مكنتش شايلاني وكنت هقع.

فضلت أتفرج على جوزي وهو بيتني جسمه من الوجع، وقافل إيده بقوة وهو بيحاول ميطلعش ولا نَفَس ولا صوت أنين عشان مسمعهوش.

​بعدها، طلع صورة من جيبه.. صورتنا يوم الفرح.

فضل باصص لها كذا ثانية قبل ما يهمس بصوت مكسور:

"أنا آسف يا أمل.. مش عايزك تشوفيني وأنا بالحالة دي."

​حطيت إيدي على بقي عشان أكتم صرخة عياطي.

كل ذرة غضب، أو غيرة، أو شك كانت جوايا، اتحولت في ثانية لشعور بالذنب بيسحق قلبي.

أنا كنت فاكرة إنه بيرفضني..

بس الحقيقة كانت..

إنه كان بيستخبى عشان يتألم لوحده من غير ما يوجع قلبي معاه.

​منمتش الليلة دي خالص..

فضلت واقفة مكاني ورا الحيطة، متسمرة، حتى بعد ما هاني طفى النور في الأوضة التانية.

عقلي مكنش بيبطل يعيد المشهد اللي شفته..

الحقن..

ملامح وشُه اللي كانت بتتعصر من الوجع..

الفوطة اللي كتم بيها صرخته عشان مسمعوش وهو بيتألم..

والأصعب

من كل ده.. اعتذاره لنفسه وهو بيبص لصورتنا:

"مش عايزك تشوفيني وأنا بالحالة دي يا أمل."

​فضلت أعيط في مخدتي لحد ما الشمس طلعت.

الصبح، هاني اتعامل كأن مفيش حاجة حصلت خالص..

تم نسخ الرابط