رفضوا ترقيتي في المصنع

لمحة نيوز


كشخص أنقذ المصنع من كارثة حقيقية.
اقترب مني فني الأنظمة الشاب وقال بابتسامة مذهولة
اشتغل النظام
ثم أضاف هامسًا
كل شيء رجع.
لكنني لم أبتسم.
كنت أنظر فقط إلى الشحنة الموقوفة.
إلى الكارثة التي كانت ستخرج إلى الناس فقط لأن بعضهم أراد إرضاء الوفد بأي ثمن.
في صباح اليوم التالي
لم يدخل سامر المصنع.
وصل قرار الإيقاف الرسمي قبل بداية الوردية بساعة واحدة فقط.
أما ريم
فتم سحب منصبها الإداري مؤقتًا، وإحالتها إلى التحقيق الداخلي بعد توقيعها على تجاوزات الجودة.
انتشر الخبر في المصنع كله بسرعة.
لكن الغريب
أن أحدًا لم يشعر بالشماتة.
كان المكان هادئًا على غير عادته.
هادئًا كأن الجميع اكتشف فجأة كم كان قريبًا من كارثة حقيقية.
وفي منتصف الوردية
وصلت هالة منصور مرة أخرى.
لكن هذه المرة
لم تأتِ وسط فوضى وصفارات إنذار.
بل دخلت بهدوء، تحمل ملفًا أزرق رسميًا بيديها.
ثم طلبت رؤيتي.
جلستُ أمامها داخل غرفة الاجتماعات الصغيرة التي قضيت نصف عمري أدخلها فقط حين تحدث مشكلة لا يعرف أحد حلها.
وضعت الملف أمامي وقالت مباشرة
الإدارة راجعت كل شيء.
لم أتكلم.
فأكملت
التحقيق أثبت أن سامر ضغط على قسم الجودة لتجاوز مشكلة التعقيم حتى لا يخسر وفد الخليج.
نظرتُ إلى الطاولة بصمت.
ثم قالت
كما أثبت التحقيق أيضًا أن المصنع كان يعتمد فعليًا على النظام الذي طورته بنفسك

طوال السنوات الماضية دون توثيق رسمي، ودون منحك المنصب أو الراتب الذي تستحقينه.
ابتسمتُ بمرارة خفيفة.
كأنهم اكتشفوا الحقيقة بعد أن احترق نصف المكان.
فتحت هالة الملف أمامي.
ثم قالت
الإدارة تريد تعيينك رسميًا مديرة للإنتاج.
ساد الصمت.
حتى صوت المكيف القديم
كان واضحًا داخل الغرفة.
نظرتُ إلى العرض طويلًا.
المنصب الذي حلمت به سنوات.
المنصب الذي عملت لأجله حتى تورمت قدماي من الوقوف.
المنصب الذي استُخدمت خبرتي للوصول إليه عشرات المرات لكن اسمي كان دائمًا يُنسى في النهاية.
قالت هالة بابتسامة
هذه المرة سيكون كل شيء باسمك.
رفعت عيني إليها بهدوء.
ثم سألتها
ولماذا الآن فقط؟
لم تُجب.
لأننا كلتينا تعرف الإجابة.
الآن فقط
بعد أن خافوا.
أغلقت الملف بهدوء.
ثم دفعته نحوها.
تغيرت ملامحها فورًا.
أنتِ ترفضين؟
أومأت برأسي.
نعم.
بدت مصدومة فعلًا.
لكن هذا المنصب كان حقك منذ سنوات!
تنهدت ببطء.
ثم نظرت عبر الزجاج إلى العمال بالخارج.
قلت بهدوء متعب
قضيت عمري أظن أن بقائي هنا هو الأمان.
صمتُّ لحظة
ثم أكملت
لكنني اكتشفت متأخرة أن المكان الذي يُهينك كل يوم قد يتحول مع الوقت إلى قفص، حتى لو منحك لقبًا كبيرًا.
خفضت هالة عينيها دون كلام.
أما أنا
فشعرت لأول مرة منذ سنوات أن صدري أخف.
قلت بوضوح
أريد مستحقاتي كاملة.
وعقد الاستشارة الذي اتفقنا عليه.
وحقوق
كل موظف تضرر من قرارات سامر.
ثم أضفت
بعدها سأغادر.
خرج الخبر إلى المصنع كالصاعقة.
الأستاذة أمينة
رفضت المنصب.
حتى العمال لم يصدقوا في البداية.
اقترب مني فني الأنظمة الشاب وقال بدهشة
بعد كل هذا التعب ستتركين المكان فعلًا؟
ابتسمتُ له بهدوء.
بعض الأماكن يا ابني
حين تنجو منها، لا تعود إليها.
أما ريم
فجاءت إليّ قبل نهاية الدوام بساعة.
كانت دون زينة تقريبًا.
وعيناها متعبتان من البكاء.
وقفت أمامي مرتبكة للحظات
ثم قالت بصوت خافت
أنا آسفة.
لم أرد.
فأكملت بسرعة
كنت أظن أن المنصب يعني القوة وأن التشبه بهم هو الطريقة الوحيدة للنجاح.
نظرتُ إليها طويلًا.
ثم قلت
النجاح الذي يجعلك تظلمين غيرك
ليس نجاحًا.
بدأت دموعها تنزل بصمت.
وأضافت
لم أفهم قيمة الخبرة إلا حين رأيت المصنع ينهار في ساعة واحدة.
أخذت نفسًا هادئًا.
ثم قلت
تذكّري هذا جيدًا
المرأة لا تنتهي قيمتها حين يكبر عمرها.
رفعت رأسها نحوي.
فأكملت
بعض النساء
يصبحن أثمن مع السنوات، لأن العمر لا يأخذ منهن بل يضيف إليهن.
بكت ريم أكثر.
لكنني لم أكرهها كما توقعت.
لأنني أدركت أن هناك أشخاصًا سيئين
وآخرين فقط تعلموا الخطأ من المكان الخطأ.
بعد ثلاثة أشهر
لم أعد أستيقظ على صفارات المصنع.
لم أعد أركض خلف الأعطال.
ولم أعد أسمع أحدًا يقول إن وجهي لم يعد مناسبًا.
استأجرتُ مكانًا صغيرًا قديمًا قرب
المنطقة الصناعية.
دهناه أنا وابني بأيدينا.
ووضعنا لافتة بسيطة على الباب
مركز أمينة للتدريب الصناعي.
في البداية
ضحك البعض.
امرأة تجاوزت الخمسين
تفتح مركز تدريب؟
لكن بعد أسابيع قليلة
بدأت النساء يأتين.
عاملات تم الاستغناء عنهن بسبب العمر.
موظفات خائفات من خسارة وظائفهن.
فتيات صغيرات لا يجدن من يعلمهن بصدق.
كنت أدرّبهن بنفسي.
أشرح لهن الأنظمة.
الأعطال.
الجودة.
وأقول لهن دائمًا
لا تسمحن لأحد أن يجعلكن تشعرن أن العمر يُلغي قيمتكن.
وفي أحد الأيام
دخلت فتاة صغيرة وسألتني بخجل
أستاذة أمينة هل صحيح أنكِ كنتِ تديرين مصنعًا كاملًا وحدك؟
ابتسمت.
ثم نظرت إلى يديّ المتعبتين.
وقلت بهدوء
لا يا ابنتي كنت فقط أرفض أن ينهار فوق رؤوس الناس.
ضحكت الفتاة.
أما أنا
فشعرت بشيء دافئ داخلي لم أشعر به منذ سنوات.
الراحة.
وفي المساء
كنت أجلس مع ابني أمام المركز بعد انتهاء التدريب.
تمر الشاحنات الكبيرة من الشارع البعيد
ويصلنا أحيانًا صوت المصانع وصفاراتها القديمة.
نظر إليّ ابني مبتسمًا وقال
هل ندمتِ لأنك تركتِ المصنع؟
نظرت إلى السماء طويلًا.
ثم ابتسمت لأول مرة براحة حقيقية.
وقلت
أنا لم أخرج منه مهزومة.
سكتُّ لحظة
ثم أضفت
أنا فقط خرجت قبل أن يسرق ما تبقى مني.
وفي تلك اللحظة
فهمت أخيرًا شيئًا مهمًا جدًا
أن الله قد يمهل الظالم طويلًا
لكنه لا يترك تعب
المظلوم يضيع.
وأن الإنسان حين يُظلَم لأنه صادق
أو يُهان لأنه أفنى عمره بإخلاص
فهذا لا يعني أن قيمته انتهت.
أحيانًا
يكون سقوطهم هم
هو أول لحظة يبدأ فيها انتصارك الحقيقي.

 

تم نسخ الرابط