الوريثه تنتقم
خرجوا وهما بيجروا خيبتهم وراهم، والناس اللي كانت بتضحك بمجاملة بدأت تقرب عشان تباركلي.. بس أنا مشيت وسيبتهم، وقفت قدام صورة بابا، وغمضت عيني..
أخيراً يا بابا.. الناس ورتني وشها، وأنا ورتيتهم الباب.
شيرين وزين كانوا واقفين مذهولين، ملامحهم كانت مزيج بين الرعب والغل. زين حاول يداري خيبته وصرخ في المحامي: "أكيد الأوراق دي مزورة! أنا هرفع قضية وهحبسكم كلكم!"
الأستاذ شاكر بص له بنظرة استحقار وطلع ورقة تالتة: "دي تقارير طبية بتثبت إن الحاج جمال كان واعي تماماً وقت الإمضاء، ومعاها فيديو مسجل بيأكد فيه رغبته في نقل كل أملاكه لبنته ليلى عشان يحميها من طمعكم.. تحب أعرض الفيديو دلوقتي قدام الناس دي كلها؟"
زين سكت خالص، والموبايل اللي كان بيصور بيه عشان يذلني، وقع من إيده واتكسر على الأرض.. كأنه رمز لنهاية "الشو" بتاعه.
شيرين بدأت تمثل العياط وتتمسكن: "يا ليلى يا حبيبتي.. إحنا ملناش غير بعض، أنا زي والدتك، والبيت كبير يشيلنا كلنا."
بصيت لها ببرود وقلت لها: "والدتي ماتت من زمان يا شيرين.. والمقشة اللي رميتيها في حضني من شوية، لسه واقعة مكانها.. خديها وأنتي ماشية، يمكن تنفعك في مكانك الجديد."
شيرين وشها اتحول فجأة، وعنيها بقت بتطلع شرار: "مش هسيبك تتهني بيها يا ليلى! هقلب عليكي الدنيا!"
نصحتها بهدوء: "وفري طاقتك للمحاضر اللي هتوصلك الصبح.. بابا سايب ملف كامل عن اختلاساتك من حسابات شركته، يعني مش بس هتخرجي من هنا، أنتي احتمال كبير تقضي بقية حياتك ورا القضبان."
الأمن قرب منهم وبدأ يخرجهم وسط نظرات الشماتة من الناس اللي كانوا بيجاملوهم من شوية.
لما الباب اتقفل وراهم، الصالة فجأة بقت هادية بشكل غريب. المطر بره هدي، والجو بقى فيه سكينة لأول مرة من يوم وفاة بابا.
الأستاذ شاكر قرب مني وطبطب على كتفي: "ألف مبروك يا متر.. باباكي كان عارف هو بيعمل إيه كويس، كان واثق إنك الوحيدة اللي هتصوني اسمه."
هزيت راسي وشكرته. الناس بدأت تمشي واحد ورا التاني، لحد ما بقيت لوحدي في البيت.
روحت وقفت قدام صورة بابا، مسحت دمعة كانت محبوسة في عيني، وابتسمت.
"وصلت الرسالة يا بابا.. والبيت نضف بجد المرة دي." قعدت على الكرسي اللي بابا كان بيحب يقعد عليه، وحسيت فجأة بتقل المسؤولية بس براحة غريبة. البيت اللي كان من شوية مليان نفاق ودوشة، بقى هادي وكأن روحه رجعتله تاني.
فتحت المجلد اللي بابا سابهولي مع الأستاذ شاكر، لقيت ورقة مكتوبة بخطه المهزوز بتاع أيام التعب الأخيرة:
"يا ليلى يا بنتي.. أنا عارف إن اللحظة دي صعبة عليكي، وعارف إنهم هيحاولوا يكسروكي. أنا مسبتلكيش الفلوس دي عشان تعيشي في رفاهية وبس، أنا سبتهالك عشان تكوني 'سند' لنفسك وعشان مفيش حد يقدر يذلك. كوني قوية زي ما علمتك، ونظفي حياتك من أي حد مبيحبكيش بجد."
قفلت الورقة وضمتها لصدري.
فجأة سمعت خبط على الباب. قلبي دق، افتكرتهم رجعوا تاني يملسوا عشان الفلوس. فتحت الباب، لقيت عمتي واقفة، ملامحها كانت باينة عليها الندم.
قالت بصوت واطي: "ليلى.. أنا مكنتش عارفة أعمل إيه، كنت خايفة من لسان شيرين ومشاكلها.. سامحيني يا بنتي إني وقفت أتفرج."
بصيت لها بابتسامة
عمتي فهمت قصدي، هزت راسها ومشت وهي مكسوفة.
طلعت البلكونة اللي بتبص على النيل، الهوا البارد خبط في وشي. بصيت بعيد وشفت عربية شيرين وزين وهي بتختفي في الضلمة. مكنتش حاسة بشماتة، كنت حاسة بإن الحِمل انزاح.
طلعت موبايلي وكلمت الأستاذ شاكر: "يا متر، بكرة الصبح تبدأ إجراءات البلاغات اللي بابا جهزها. مش عاوزة مليم من اللي سرقوه، أنا عاوزة حق بابا وبس.. وعاوزة البيت ده يتفتح لجمعية خيرية باسمه، جزء منه يبقى سكن للطالبات المغتربات اللي زي ما أنا كنت في بدايتي."
قفلت السكة، وبصيت للسما. المطر وقف تماماً، والنجوم بدأت تبان.
رميت نظرة أخيرة على "المقشة" اللي كانت لسه مرمية في الصالة، ضحكت بجد لأول مرة من يوم الوفاة. شيرين كانت فاكرة إنها بتهيني، مكنتش تعرف إنها بتديني الإشارة عشان أكنسهم هما من حياتي للأبد.
دلوقتي بس، قدرت أقول بقلب جامد: "نام مرتاح يا بابا.. بنتك بطلت تعيط، وبدأت تبني."
عدى أسبوع على اليوم ده، والفيلا بدأت روحها تتغير. العمال كانوا شغالين بيشيلوا كل حاجة اختارتها شيرين بذوقها المستفز، وبيرجعوا البيت لصورته اللي بابا كان بيحبها.
كنت قاعدة في المكتب، لما السكرتيرة بلغتني إن فيه "زيارة" تحت. نزلت، لقيت زين واقف في الصالة، بس المرة دي مكنش معاه موبايل بيصور بيه، كان هدومه مبهدلة ووشه شاحب.
أول ما شافني، جرى عليا وكان هيقوم يبوس إيدي: "الحقيني يا ليلى! شيرين هربت وخدت
بصيت له بمنتهى الهدوء، وقعدت على الكرسي وحطيت رجل على رجل: "دلوقتي افتكرت الدم يا زين؟ فين كان الدم ده وأنت بتصورني وأنا بعيط عشان تلم لايكات؟ فين كان الدم وأنت بتضحك وأمك بترميلي المقشة في العزا؟"
بكى بحرقة: "كنت مغيب، هي اللي وزتني! أنا ماليش حد غيرك، لو اتحبست هضيع."
قربت منه وهمست: "أنت فعلاً ضعت يا زين.. ضعت لما بعت أبوك وهو عايش، وضعت لما افتكرت إن الفلوس والمنظرة أهم من الأصول. أنا مش هسجنك، بس مش هطلعك منها. القانون ياخد مجراه، والفلوس اللي اتسرقت لازم ترجع لصحابها."
شاورت للأمن: "خرجوه بره.. وسلموه للبوكس اللي واقف مستنيه على البوابة."
خرج زين وهو بيصرخ وبيدعي عليا، بس قلبي متهزش شعرة. اللي يبيع أبوه في مرضه، ملوش مكان في حياتي في عزي.
طلعت الدور التاني، وقفت قدام أوضة بابا. فتحت الباب ودخلت، ريحة ريحانه اللي كان بيحبه لسه موجودة. مسكت صورته الصغيرة اللي كان حاططها جنب السرير، وقلت له:
"خلاص يا حبيبي.. الفيلا نضفت بجد، والعدل اتحقق. بكرة أول يوم في الجمعية، والبيت ده هيتملي ضحك ودعوات ليك بدل الغل والنفاق."
نزلت تحت، ووقفت قدام "المقشة" اللي شيرين رمتها. مسكتها بإيدي، وخرجت جنينة الفيلا، ورميتها في نار الخشب اللي العمال كانوا مولعينها عشان يخلصوا من الكراكيب القديمة.
بصيت للنار وهي بتاكل الخشب، وحسيت إن كل وجع السنين اللي فاتت بيتحرق معاها.
رفعت راسي للسما، وخدت نفس طويل.. مكنش مجرد ورث، دي كانت بداية حياة
النهاية.