عشان قولت لا
أمي رمت الشوربة المغلية في وشي عشان قولت "لأ" لبنت جوزها. صرخت فيا: "اديها كل حاجتك.. يا إما تغوري من هنا!".. فمشيت.. في هدوء. ولما رجعوا البيت، لقوه فاضي.. وفيه راجل لابس بدلة مستنيهم.
الشوربة نزلت على وشي زي النار، ولتلات ثواني نسيت إزاي أتنفس. أمي كانت واقفة فوق راسي والطبق الفاضي لسه في إيدها، وعينيها كانت باردة لدرجة تجمد الحرق اللي لسه عاملاه.
ـ "اديها كل حاجتك.. يا إما تغوري من هنا!".. صرخت فيا.
ومن وراها، "فايوليت" بنت جوزي أمي ابتسمت.
مش ابتسامة صدمة، ولا حتى ذنب. كانت ابتسامة نصر.
كنت قاعدة على ترابيزة المطبخ والشوربة المغلية بتنقط من دقني على هدومي، جلدي كان بيصرخ، وعيني مزغللة. البيت ريحته كانت شوربة فراخ وبصل.. وغدر.
ـ "كل اللي قولته"، همست، "كان لأ".
"فايوليت" ربعت إيدها وقالت: "إنتي أحرجتيني".
ـ "إنتي طلبتي عربيتي، واللاب توب بتاعي، والعقد اللي بابا ادهوني".
ـ "هي محتاجاهم أكتر منك"،
ـ "بس العربية ملكي".
ـ "إنتي عايشة تحت سقفي".
بصيت حواليا في المطبخ. الرخام، النجف النحاس، صورة فرح أمي وبابا الله يرحمه اللي لسه متعلقة ميلة جنب المخزن. أمي طول عمرها بتقول إن ده بيتها.
كانت بتحب تنسى إن العقد مكتوب باسمي أنا.
بابا سابلي البيت لما مات. في هدوء.. وبشكل قانوني.. وللأبد.
عمري ما صححت لها المعلومة دي عشان الحزن خلاني طيبة زيادة، والذنب خلاني ساكتة، وراحة البال خلتني صبورة.
بس الوجع له طريقة بيخلي الذاكرة حادة وصاحية.
"فايوليت" قربت مني وقالت: "واجهي الحقيقة يا نورا. إنتي عندك اتنين وتلاتين سنة، سينجل، ومحدش بيشوفك أصلاً. أمك هي السبب الوحيد إنك مش لوحدك".
أمي رمت الطبق في الحوض بعنف: "لمي شنطتك. سيبي المفاتيح. سيبي العربية. سيبي كل حاجة فايوليت محتاجاها".
قمت بالراحة. الشوربة كانت بتسيل على
ـ "ماشي"، قولت كدة.
ده فاجئهم.
أمي بربشت بعينيها: "ماشي؟".
أخدت منديل، ضغطت بيه على وشي، ومشيت من قدامهم.
"فايوليت" ضحكت: "هو ده بس؟ مفيش عياط؟".
وقفت عند السلم وبصيت ورايا.
ـ "لأ"، قولت. "مفيش عياط".
طلعت أوضتي، قفلت الباب، وعملت تلات مكالمات.
واحدة للدكتور بتاعي.
واحدة للمحامي.
وواحدة لشركة الأمن اللي كاميراتها سجلت كل كلمة اتقالت.
نزلت السلم بهدوء تام، والبيت كان لسه فيه ريحة الشوربة المحروقة. هما كانوا فاكرين إني بلم شنطة هدومي، بس أنا كنت بلم "حياتي" اللي سيبتها ليهم السنين دي كلها.
لما رجعوا بليل، البيت كان ضلمة وهادي بشكل مرعب. مفيش نور، مفيش ريحة أكل، ومفيش "نورا" اللي كانت بتشيل وتغسل وتنضف.
أمي أول ما دخلت ولعت النور وهي بتنادي بحدة:
ـ "نورا! إنتي لسه مخلصتيش؟ فايوليت عايزة مفتاح العربية عشان تتدرب عليها."
محدش رد. بس كان فيه راجل
أمي اتخضت وقالت: "إنت مين؟ ودخلت هنا إزاي؟"
الراجل قام ببرود وقال: "أنا المحامي بتاع الآنسة نورا. وأنا هنا عشان أسلمكم الإخطار الرسمي ده."
"فايوليت" ضحكت بسخرية: "إخطار إيه؟ نورا دي هبلة، هي أصلاً سابت العربية والمفاتيح؟"
المحامي بص لها بنظرة خالية من أي تعبير وقال: "الآنسة نورا سابت البيت فعلاً، بس البيت ده "ملكها" شرعاً وقانوناً حسب وصية والدها. وبناءً على اللي حصل النهاردة، هي رفعت قضية طرد مستعجل، بالإضافة لمحضر تعدي بالضرب مدعوم بتقرير طبي وتفريغ كاميرات المراقبة اللي سجلت واقعة "الشوربة"."
أمي وشها بقى أبيض زي الورقة: "طرد؟ دي بنتي! مش ممكن تعمل كدة!"
المحامي فتح الباب وشاور لشرطة النجدة اللي كانت واقفة بره: "قدامكم ساعة واحدة تلموا فيها هدومكم الشخصية وبس. أي حاجة تانية في البيت، بما فيها العربية واللاب توب، تعتبر عهدة