في بيت عيلة

لمحة نيوز


بصيت لحماتي وبلعت غيظي، ورسمت على وشي نظرة هادية ومستسلمة عكس اللي جوايا تماماً.. قولت لنفسي: "صبرك يا أماني، الحرب دي مش محتاجة غشامة، محتاجة طولة بال لحد ما تقفي على أرض صلبة".
قربت منها وقولت بلهجة فيها شوية انكسار مصطنع: "عملت اللي يرضيكي يا حماتي.. روحت مدرستي القديمة ووافقت على الشغل، والمدير قالي هستلم من بكرة.. والقرش اللي هييجي، إنتي أولى بيه، ما إنتي برضه في مقام أمي والبيت بيتك".
لقيتها فردت ضهرها وابتسامة النصر ملت وشها وقالت: "أهو كده يا أماني.. كده تعجبيبي، العقل زينة برضه.. أديكي شفتي أهو، الكلمة الحلوة بتلين الصخر، وأنا مكنتش عايزة غير مصلحتك ومصلحة ولاد ابن الغالي".
طلعت شقتي وأنا قلبي واكلني من كتر التمثيل، بس كنت عارفة إن دي "استراحة محارب". بدأت أجمع أوراقي المهمة في السر، شهادات ميلاد العيال، القسيمة، وشهاداتي أنا. وكل ما أخرج الصبح كأني رايحة المدرسة، كنت بخلص ورق شقة الإسكان الاجتماعي للأرامل وأدفع المقدم في البريد.
فات أسبوعين وأنا بنزل لها كل يوم "اللقمة" اللي طلبتها، وبكنس السلم بيدي وأنا بسمع كلامها اللي زي السم عن "الورث اللي هيتكتب للعيال لو فضلت مطيعة". كنت بهز راسي بالموافقة وأنا من جوايا بضحك وبقول: "ابني قصورك في الهوا يا حماتي، أنا قصري الحقيقي ببنيه بعيد عن جحودك".
لحد ما جه

اليوم الموعود.. استلمت وصل حجز الشقة الجديدة، ومضيت عقد الإيجار المؤقت للشقة اللي جنب المدرسة. رجعت البيت، ولميت آخر شنطة هدوم ليا وللعيال في وقت كانت هي فيه نايمة الظهرية.
نزلت لها الصالة، ووقفت قدامها بكل ثبات، ورميت مفتاح الشقة على التربيزة قدامها. بصت لي باستغراب وقالت: "إيه ده يا بومة؟ أنتي هتمسحي الشقة ولا إيه؟"
قولت لها والابتسامة حقيقية لأول مرة: "لا يا حماتي.. ده مفتاح شقتك، خديها بالجمل بما حمل.. ، والحيطان اللي كنتي بتذليني بيها شبعي بيها.. أنا وولادي هنروح لمكان مفيش فيه لا إيجار ولا نص مرتب ولا تهديد بالورث.. شقتي الجديدة مستنياني، والرزق اللي كنتي عايزة تقاسميني فيه، ربنا بارك لي فيه عشان صنت نفسي وعيالي
سيبتها واقفة تضرب كف على كف، والذهول شل لسانها، وأخدت ولادي في إيدي وخرجت من باب "بيت العيلة" وأنا مش ببص ورايا أبداً، كأني كنت في كابوس وصحيت منه على صوت ضحكة ولادي وهم رايحين لحياتهم الجديدة.

 

بصت لي والذهول عقد لسانها، مكنتش متخيلة إن "أماني" الهادية المطيعة اللي كانت بتكنس السلم وتطلع لها الأكل كل يوم ممكن تعمل كده. حاولت تنطق، حاولت تزعق وتقول "الورث والبيت"، بس الكلمات وقفت في زورها وهي شايفة ولادي ماسكين في إيدي وفرحانين بالخروج.
نزلت السلم وأنا حاسة إن كل درجة بنزلها بتشيل حمل من

فوق كتافي. ركبت الميكروباص وروحت على شقتي الجديدة اللي جنب المدرسة، الشقة اللي الشمس بتدخلها من كل ناحية وكأنها بتطمن قلبي. أول ما دخلنا، العيال جريوا يتنططوا في الصالة الفاضية، وأنا قعدت على الأرض وطلعت كراسة شروط الإسكان الاجتماعي للأرامل اللي قدمت عليها. بصيت لها وقولت في سري: "بكرة الورق يخلص يا أماني، وبكرة تملكي حيطانه حقيقية محدش يقدر يخرجك منها".
تاني يوم الصبح، روحت مدرستي القديمة بقلب جديد. القلم وبدأت أشرح "المصفوفات والكسور" بطريقتي اللي بيحبوها، حسيت إن دي هي مملكتي الحقيقية. المدير "عادل" عدي عليا وابتسم وقالي: "نورتي مكانك يا أستاذة أماني، الولاد كانوا محتاجينك 
مرت الأيام، وبدأت أجهز في ورق "شقة الإسكان" بكل همة، وكل قرش كنت بقبضه من شغلي كان بيروح في مكانه الصح؛ لبس لولادي، دروسهم، وأكلهم اللي بقوا بياكلوه بنفس مفتوحة بعيد عن نظرات حماتي السمّ.
وفي يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت رسالة من جارتي القديمة بتقولي إن حماتي قاعدة لوحدها في البيت مش لاقية اللي يخدمها ولا اللي يديها النصيب اللي كانت طمعانة فيه، والسمسار اللي جابته طمع فيها وعايز ياخد البيت بتمن بخس. قفلت الموبايل وابتسمت، مش شماتة، بس عرفت إن ربنا مبيضيعش حق حد.
بصيت لولادي وهما بيذاكروا على المكتب الصغير اللي جبتهولهم، وقولت بكل
فخر: "أنا أماني سيد، المدرسة اللي بدأت من الصفر عشان تحمي ولادها،

 

سنتين مروا عليا وأنا في سباق مع الزمن، سنتين مكنتش بعرف فيهم طعم النوم الراحة. كنت بخرج من مدرستي القديمة اللي رجعتلها مدرسة رياضيات  وأجري عشان ألحق مواعيد الدروس في بيتي.
كنت عملت الصالة مكان للدروس الخصوصية عشان أبقى طول الوقت مع أولادي، وعيني عليهم وهما بيذاكروا جنبي وأنا بشرح المصفوفات والكسور للطلبة. كنت بشتغل بقلب وضمير، والولاد حبوا طريقتي "غير الروتينية" والرزق بدأ يوسع والحمد لله. كل قرش كنت بجمعه من شقايا في التدريس كان له هدف واحد، وهو اليوم اللي أستلم فيه مفتاح الأمان.
وفجأة، جالي التليفون اللي كنت مستنياه؛ الموظف قالي: "مبروك يا ست أماني، شقة الإسكان الاجتماعي للأرامل جاهزة للاستلام". اليوم ده مكنتش ماشية على الأرض، كنت طايرة من الفرحة. روحت استلمت المفتاح، وأول ما دخلت الشقة، وقفت في نص الصالة ودموعي نزلت من كتر الراحة.
نقلت عفشي البسيط اللي جمعت تمنه من شقايا وتدريسي، ورتبت كل ركن في الشقة بلمستي. الشقة كانت هادية، وصغيرة، بس الأهم من كده إنها "ملكي" وباسمي أنا، "أماني سيد". مفيش فيها حماة تطلب "إيجار" ولا تهددني ببيعة البيت وصيغتها، ولا حد يقولي "هاتي نص المرتب".
في أول ليلة في بيتنا الجديد، ولادي ناموا في حضني وهما

حاسين بالأمان، 
تمت 

تم نسخ الرابط