في بيت عيلة
جوزى مات وانا قاعده فى شقتى فى بيت عيله قولت بدل مأجر شقه بره اقعد فى شقتى والاولاد تتربى فى وسط أهلهم
لكن لقيت حماتى بعد الاربعين طالعه بتسالنى عن الايجار بتاع الشقه قولتلها ايجار ايه يا حماتى دى شقه جوزى وولادى
لقتها بتقولى لأ البيت ده كله باسمى لو عايزه تقعدى يبقى تنزلى تشتغلى و كل شهر تجبيلى ايجار الشقه ونص القبض او تاخدى عيالك وتسيبى الشقه وتمشي
! الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، وقفت متنحة مكاني ومش مصدقة اللي بسمعه.. دي لسه ريحة ابنه في الحيطان، لسه الوجع ما بردش في قلبي!
بصيت لها ودموعي في عيني وقولت لها: "يا حماتي، إيجار إيه ونص مرتب إيه اللي عايزاني أدفعهم؟ أنا لسه يدوب بلملم جراحي، وعيالي دول أمانة ابنك.. هو أنا غريبة عنكم؟"
لقيتها ربعت إيديها وبصت لي بنظرة جامدة وقالت:
"بقولك إيه يا حبيبتي، البيت بيتي والكلمة كلمتي.. المرحوم كان شايل البيت وشايلني، ودلوقتي إنتي اللي مكانه.. تنزلي تشوفي لك شغلانة، والقرش اللي يخش جيبك يتقسم نصين، نص ليكي ولعيالك ونص يتحط هنا في إيد الأم اللي ربّت وكبّرت."
أخدت نفس طويل وحاولت أتكلم، بس هي قاطعتني بصباعها وهي بتشاور في وشي:
"واسمعي بقى الكلمتين دول وحطيهم حلقة في ودنك.. لو فكرتي ترفضي ولا تقولي ماليش دعوة، يبقى تنسي إن عيالك ليهم ورث عندي في المستقبل.. البيت ده أنا اللي كاتباه باسمي، وبكلمة مني أطلعكم منها بشنطة هدومكم.. فكري كويس يا شاطرة، يا تتدفعي وتعيشي في وسطنا، يا تلمي عيالك وتتطردي في الشوارع، وأهو كله بالقانون وبالرضا!"
نزلت الكلمة على راسي هدتني، وبقيت واقفة مش عارفة أرد أقول إيه ولا أروح فين بولادي الغلابة دول.
قولتلها بصوت مخنوق: "يعني يا حماتي عايزاني أنزل أسيب عيالي لسه صغيرين وأشقى عشان أجيب
لقيتها ضحكت ضحكة صفرا وقالت: "العيال ليهم رب، وبعدين ما أنا موجودة أهو، انزلي إنتي اشتغلي وسيبيهم لي أربيهم، أهو بالمرة أربيهم على طبعي مش على دلعك.. وبعدين إنتي لسه صغيرة وصحتك تجيب، تروحي بقى مدرسة، تشتغلي في شركة، المهم إن القرش يجي والبيت يفضل مفتوح زي ما كان في حياة المرحوم."
قربت مني خطوة وهمست بلهجة كلها تهديد: "وعشان تبقي فاهمة، السلم ده ميتكنسش غير بإيدك، والأكل ينزل لي تحت كل يوم قبل ما تروحى شغلك امال مين هيأكل العيال دول فى غيابك
.. نظام "أنا ست موظفة" ده تنسيه خالص، إنتي هنا زيك زي الشغالين اللي كنت بجيبهم، بس الفرق إنك قاعدة في شقة ملكي.. والورث اللي بتسألي عليه، ده في علم الغيب، شطارتك هي اللي هتخلي السكينة تسرقني وأنا بكتب التنازل لعيالك، ولا أشوف حالي وأبيع نصيبك واحبلى كان حته صيغه فى دراعى
بصت لدرعاتها وهي بتطوحهم في الهوا، والذهب اللي في إيدها بيرن رنة كانت دايمًا بتطمني، لكن النهاردة صوتها كان زي خناجر بتقطع في قلبي.
قالت وهي بتعدل "التحجيبة" بتاعتها وبتبص لي من فوق لتحت: "الورث ده يا حبيبتي كلمة أنا اللي بكتبها وأنا اللي بمسحها، والبيت ده سترة ليا في كبري، مش هسيبه للي تسكن وتتمنع وتعمل فيها هانم وهي مش حيلتها غير اللقمة اللي بتاكلها من خيري.. إنتي فاهمة؟"
قربت مني أكتر وقالت بصوت واطي وبارد: "شفتي الغوايش دي؟ دي تمن تعبي وشقايا، ومستعدة أبيع نصيب ابني في الحيطان دي وأحولها لذهب ألبسه في دراعي ولا إن حد يفتكر إنه كاسر عيني بكلمة ورث.. إنتي هنا ضيفة، والضيف لو طول في القعدة يبقى يدفع تمن مياهه وكهربته وشقاه."
حسيت إن الأرض بتهتز تحت رجلي، وريقي نشف مابقتش عارفة
خرجت من الشقة وسابت الباب موارب، وكأنها بتقولي إن مفيش خصوصية ولا فيه أمان بعد النهاردة. قعدت على أقرب كرسي وجسمي كله بيترعش، مابقتش شايفة قدامي غير وش ولادي وهما بيكبروا في الظلم ده. قولت لنفسي: "لازم أتحرك، لازم أشوف سكة تانية غير الذل ده، بس هروح فين وأنا ماليش غير الشقة دي تلمني أنا وعيالي؟".
الفجر بدأ يشقشق وأنا لسه قاعدة مكاني، بفكر في العرض اللي ملوش تالت: يا الشغل والمهانة ودفع نص المرتب، يا الشارع.. وقررت إني لازم أقف على رجلي عشان خاطر الصغار اللي ملهمش ذنب في الدنيا دي غير إن أبوهم سابهم بدري لجدة قلبها بقى أقصى من الحجر.
دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا
قعدت على السرير وبصيت لصور شهاداتي الدبلومات والشهادة الجامعية اللي في الدرج. قولت لنفسي: "يا أماني، إنتي معاكي سلاح محدش يقدر ياخده منك.. علمك وشغلِك".
تاني يوم الصبح، لبست أشيك طقم عندي، ونزلت والشرار في عيني. مارحتش أي مدرسة، أنا روحت "المدرسة القديمة" اللي كنت بشتغل فيها قبل ما أتجوز وأقعد في البيت. المدرسة دي ليها في قلبي ذكريات، وهناك الكل عارف "أماني" وشطارتها في تدريس الرياضة.
أول ما دخلت من البوابة، شميت الطلبه والنشاط، حسيت روحي بترد فيا. قابلت المدير، أول ما شافني رحب بيا جداً: "أهلاً يا أستاذة أماني! عاش من شافك، معقولة افتكرتينا؟".
ضحكت بوجع وقولتله: "الدنيا هي اللي فكرتني يا سيادة المدير.. أنا جاية أسأل لو فيه مكان لمدرسة رياضيات، أنا محتاجة أرجع لشغلي وبأسرع وقت".
المدير بص لسكرتيره وابتسم وقال: "ده إنتي جيتي في وقتك يا أستاذة! إحنا محتاجين مدرسه جديده لـ (Primary 2) و
نفسي هدي ودقات قلبي انتظمت لأول مرة من يوم موت الغالي. وافقت فوراً، ومضيت الورق، وحسيت إن ربنا فتح لي باب كنت فاكراه اتقفل بالضبة والمفتاح
خرجت من باب المدرسة وأنا حاسة بانتصار حقيقي، وكأن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. الهوا بره المدرسة كان ليه طعم تاني، طعم الحرية اللي كنت نسيتها من يوم ما دخلت بيت العيلة. قولت لنفسي: "يا أماني، اللي يفتح باب الرزق يفتح أبواب تانية كتير، والقرش اللي هييجي بشقاكي ولادك أولى بيه من جحود البشر".
بدل ما أركب المواصلات وأرجع للبيت اللي بقى زي السجن، بدأت أتمشى في الشوارع اللي حوالين المدرسة. كنت ببص على كل يافطة "للإيجار" بعين تانية، عين واحدة بتدور على أمان لولادها. لقيت بيت بسيط في شارع هادي، سألت البواب: "يا حاج، مفيش شقة فاضية هنا؟" قالي: "فيه يا ست الكل، شقة غرفتين وصالة لسه متشطبة". دخلت شوفتها، كانت صغيرة بس نضيفة، والشمس داخلة من كل حتة.. حسيت إنها بتناديني وتقولي "تعالي استخبي هنا".
سألت على الإيجار، لقيته معقول ويادوب يمشي مع مرتبي الجديد ويتبقى منه كمان لولادي. قولت للبواب: "احجزها لي يا حاج، وبكرة هاجي أمضي العقد". وطلعت من عنده وأنا طايرة، بس ناقصني خطوة تانية عشان أضمن المستقبل بعيد عن تهديد حماتي ببيعة البيت وصيغتها اللي في دراعها.
روحت جري على أقرب مكتب بريد وسألت: "يا أستاذ، فين كراسات الشروط بتاعة الإسكان الاجتماعي للأرامل؟" الموظف بص لي بشفقة وقالي: "موجودة يا مدام، ربنا يعينك على حملك". أخدت الكراسة وضميتها لصدري كأني ماسكة كنز.
رجعت بيت العيلة وأنا كلي ثبات، دخلت من البوابة لقيت حماتي قاعدة مستنياني كالعادة بوشها الخشب. قالت لي بسخرية: "ها يا ست المدرسة،