اعتادت جارتي أن تطرق بابي كل صباح
ارتفعت ثلاث طرقاتٍ ثقيلة على الباب.
تجمّدت سلمى في مكانها فورًا.
وشحب وجهها حتى بدا كأن الدم انسحب منه دفعةً واحدة.
أما آدم، الذي كان يبكي منذ دقائق، فقد صمت فجأة والتصق بصدر أمّه، كأن الأطفال أحيانًا يفهمون الخطر قبل الكبار.
همست وهي ترتجف:
"يا حاجة آمنة…"
لكن الحاجة آمنة رفعت يدها بهدوء تطلب منها الصمت.
ثم اتجهت نحو الباب بخطواتٍ ثابتة، بينما كانت عصاها الخشبية تضرب أرض الممر القصير داخل الشقة.
ورغم عمرها الذي تجاوز الثانية والسبعين، كان في مشيتها شيءٌ يجعل من يراها يفهم فورًا أن هذه المرأة ليست سهلة الانكسار.
في الخارج، جاء صوت معتصم خشنًا ومتوترًا:
"سلمى… افتحي الباب."
نظرت الحاجة آمنة إلى سلمى.
رأت الرعب في عينيها.
الرعب الذي لا يشبه خوف النساء العابر، بل خوف شخصٍ عاش طويلًا وهو يحاول ألا يغضب أحدًا.
اقتربت منها الحاجة آمنة ببطء وقالت بصوتٍ منخفض:
"اسمعيني جيدًا يا ابنتي…"
ثم وضعت يدها فوق يدها المرتجفة.
"لا تخافي."
ابتلعت سلمى ريقها بصعوبة.
وكان صدرها يعلو ويهبط بسرعة.
أما الطرقات في الخارج، فازدادت قوة.
دقّاتٌ غاضبة.
وصوت معتصم يرتفع:
"أعرف أنكِ هنا!"
لكن الحاجة آمنة لم تلتفت نحو الباب.
بل ظلت تنظر في عيني سلمى مباشرة.
ثم قالت بهدوءٍ غريب:
"هذه المرة… لن تكوني وحدكِ."
ارتبكت سلمى.
"ماذا تعنين؟"
تنهدت الحاجة آمنة ببطء.
ثم قالت:
"قبل أن يصل هو إلى العمارة بوقتٍ طويل… كنتُ قد أرسلتُ الخبر."
اتسعت عينا سلمى فورًا.
"خبر؟ لأيّ أحد؟"
ابتسمت الحاجة آمنة ابتسامةً خفيفة، فيها شيءٌ من الطمأنينة القديمة التي لا يملكها إلا كبار السن الذين رأوا الدنيا كلها.
ثم قالت:
"أرسلتُ لوالدكِ."
شعرت سلمى بأنفاسها تتوقف.
"وأرسلتُ لخالكِ عبد الرحيم."
شهقت سلمى بخفوت.
وخَالُها عبد الرحيم لم يكن رجلًا عاديًا في الحي.
كان من الرجال الذين إذا دخلوا مجلسًا صمت الناس احترامًا.
رجلًا تُسمع كلمته.
حتى معتصم نفسه كان يهابه منذ بداية الزواج.
لكن الحاجة آمنة لم تنتهِ بعد.
أكملت وهي تتجه نحو الباب:
"ووصل الكلام أيضًا إلى إمام المسجد."
في الخارج، دوّى صوت معتصم بغضب:
"يا حاجة آمنة، افتحي الباب!"
لكن للمرة الأولى منذ سنوات طويلة…
لم تشعر سلمى أنها محاصرة وحدها.
اقتربت الحاجة آمنة من الباب دون أن تفتحه.
ثم قالت بثبات:
"اهدأ يا ولدي… الدنيا ليست حربًا."
جاء الرد سريعًا وعنيفًا:
"سلمى زوجتي، وهي عندك، أريدها
أغمضت الحاجة آمنة عينيها لحظة.
ثم قالت بهدوءٍ بارد:
"ولو كانت تريد الذهاب معك، فلن يمنعها أحد."
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم جاء صوته أكثر توترًا:
"ماذا قالت لكِ؟"
لم تُجب.
لكن سلمى سمعت شيئًا آخر في تلك اللحظة.
أصواتًا قادمة من أسفل العمارة.
أبواب تُفتح.
خطوات رجال.
وهمسات نساء.
وفي الحيّ القديم بأم درمان، لم يكن شيءٌ يبقى سرًا طويلًا.
خصوصًا حين يتعلق الأمر بامرأةٍ تبكي بصمت منذ شهور.
اقتربت سلمى من النافذة الصغيرة المرتفعة قرب المطبخ.
ونظرت بحذر.
ثم شعرت بقلبها يقفز داخل صدرها.
سيارة والدها القديمة كانت متوقفة أمام العمارة.
وخلفها مباشرة…
سيارة خالها عبد الرحيم.
ورجالٌ ينزلون منها بسرعة.
وفي الجهة الأخرى من الشارع، كان إمام المسجد يعبر الطريق بثوبه الأبيض وعصاه القصيرة، بينما يتبعه اثنان من رجال الحي.
همست سلمى بصدمة:
"أبي…"
هنا فقط تغيّر وجه معتصم خارج الباب.
لأنه سمع هو أيضًا الأصوات القادمة من السلالم.
أصوات رجالٍ يعرفهم جيدًا.
رجالٍ لا يستطيع أن يصرخ في وجوههم كما كان يصرخ داخل شقته المغلقة.
وفجأة…
لم يعد الرجل المسيطر داخل بيته.
بل أصبح رجلًا يقف وحده في ممرّ عمارة كاملة تعرف
وجاء صوت خال سلمى من أسفل السلالم، قويًا وغاضبًا:
"معتصم!"
ساد صمتٌ ثقيل.
حتى الهواء داخل الممر بدا وكأنه توقف.
ثم صعد عبد الرحيم السلالم بسرعة، وخلفه والد سلمى، وإمام المسجد، وعدة رجال من الحي.
وكانت أبواب الشقق قد بدأت تُفتح بهدوء.
نساءٌ يراقبن من خلف الأبواب.
وأطفالٌ يختبئون خلف أمهاتهم.
والجميع يعرف أن شيئًا كبيرًا يحدث الليلة.
وقف خال سلمى أمام معتصم مباشرة.
وكان رجلًا طويلًا، عريض الكتفين، له شاربٌ كثيف ونظرة لا يستطيع كثيرون احتمالها.
قال بصوتٍ منخفض لكنه مرعب:
"أنزل يدك عن الباب."
تراجع معتصم خطوة دون أن يشعر.
ثم حاول سريعًا أن يستعيد توازنه.
"يا خالي، الموضوع ليس كما تظنون…"
قاطعه عبد الرحيم فورًا:
"إذن كيف هو؟"
فتح معتصم فمه.
ثم أغلقه.
لأن الكلمات التي كانت تنجح دائمًا داخل البيت…
بدت فجأة ضعيفة أمام رجالٍ ينظرون إليه مباشرة.
تقدم والد سلمى ببطء.
وكان وجهه شاحبًا بطريقة موجعة.
ليس غضبًا فقط.
بل خذلانًا.
وقال بصوتٍ مكسور:
"ابنتي تخاف منك يا معتصم… هل تعرف معنى هذا؟"
ارتجفت شفتا معتصم قليلًا.
ثم قال بسرعة:
"والله يا عمّي، هي تفهم الأمور خطأ… كل البيوت يحدث فيها مشاكل…"
وهنا تدخّل إمام المسجد لأول مرة.
وقال بهدوءٍ حاسم:
"المشكلة ليست في الخلاف يا ولدي."
ثم نظر إليه مباشرة.
"المشكلة أن المرأة حين ترى زوجها… ترتجف."
ساد الصمت.
حتى معتصم نفسه لم يعرف بماذا يرد.
وفي الداخل، كانت سلمى تبكي بصمت.