في مجلس عزاء والدي

لمحة نيوز


إذا كنت تظن أن البيت صار لك، فأنت لا تعرفني بعد.

 

ثم دفعني بكتفه وهو يمر بجانبي، وغادر المجلس غاضبًا وسط ذهول الجميع.

بعد ثوانٍ فقط…

سمعنا صوت باب المنزل يُغلق بعنف هزّ البيت كله.

مرّت ثلاثة أيام على العزاء…

وثلاثة أيام منذ آخر مرة رأيت فيها وسام.

لكن البيت لم يعرف الهدوء لحظة واحدة.

كل زاوية فيه كانت تحمل أثر أبي.

سجادته ما تزال مطوية قرب غرفته.

نظارته الطبية فوق الطاولة الصغيرة.

وعلبة الدواء الأخيرة التي لم يُكملها بعد… ما تزال بجانب السرير.

كنت أتحرك داخل البيت كأنني أخشى إزعاج غيابه.

أما زوجة أبي، فلم تعد تتحدث معي إلا للضرورة.

أغلقت باب غرفتها على نفسها أغلب الوقت، لكنها كانت تراقبني بنظرات باردة كلما مررت قربها، وكأن وجودي نفسه صار يذكّرها بأن خطتهم انهارت.

ورغم أن البيت أصبح باسمي قانونيًا، لم أملك يومًا القسوة الكافية لأطلب منها الرحيل بعد وفاة أبي مباشرة.

وفي مساء اليوم الرابع…

وصلت أول رسالة من وسام.

“لا تجعل الأمور تصل لطريق سيئ يا سيف.”

ظللت أحدق في الشاشة طويلًا.

ثم وصلت رسالة ثانية بعد دقائق:

“بع البيت… وخذ حصتك بهدوء.”

لم أجب.

لكن الرسائل لم تتوقف.

مرة يطلب.

ومرة يتوسل.

ومرة يهدد.

“أنت لا تفهم مع من أتعامل.”

“الناس الذين يطالبونني بالمال لن ينتظروا طويلًا.”

“إذا سقطتُ… سأجرّك معي.”

بدأت أكتشف تدريجيًا

أن الأمر أكبر من مجرد ديون قمار.

كان وسام غارقًا حتى عنقه.

شيكات.

إيصالات أمانة.

أموال أخذها من رجال معروفين بالخطر.

وفي إحدى الليالي، بينما كنت أراجع بعض أوراق أبي داخل المكتب القديم، سمعت طرقًا عنيفًا على باب المنزل.

فتحت الباب بحذر…

فوجدت رجلين لا أعرفهما يقفان أمامي.

ملامحهما قاسية، وثيابهما رثة رغم غلاء ساعاتهم.

قال أحدهما مباشرة:

 وسام هنا؟

أجبته ببرود:

 لا يعيش هنا 

نظر الرجل إلى البيت طويلًا قبل أن يقول:

 قل له إن الاختباء لن ينفعه.

ثم أخرج أحدهما ورقة مطوية ووضعها في يدي دون كلمة إضافية.

قبل أن يغادرا، قال الرجل بصوتٍ منخفض:

بلّغ وسام… أن الرجال صبروا كثيرًا.

ثم نزلا درجات البيت واختفيا في آخر الزقاق.

أغلقت الباب بسرعة، بينما بدأ قلبي يدق بعنف.

فتحت الورقة ببطء…

فوجدت رقمًا واحدًا مكتوبًا بخطٍ عريض:

“340,000”

وفي الأسفل جملة أقصر من أن تُقرأ بهدوء:

“إذا لم يُسدَّد الدين…
فالبيت سيكون البديل.”

في اليوم التالي، جاءت زوجة أبي إليّ لأول مرة منذ أيام.

بدت مرهقة بشكل لم أره عليها من قبل.

قالت وهي تتجنب النظر نحوي:

 يجب أن تبيع المنزل يا سيف.

ضحكت بمرارة.

 ما زلتِ تفكرين بإنقاذه؟

رفعت عينيها نحوي بسرعة، وقالت بانفعال:

 أنت لا تعرف وسام حين يُحاصر! هؤلاء الناس لن يتركوه!

 ولماذا

يجب أن أدفع أنا ثمن عمره كله؟

لم تجب.

لأنها تعرف الحقيقة.

الحقيقة التي تجاهلتها سنوات طويلة.

جلسَت بصمت للحظات، ثم همست:

 لقد جاء رجال يسألون عنه حتى وأنا خارج البيت.

شعرت بانقباض خفيف داخل صدري.

لكنني قلت ببرود:

 هذه مشكلته.

وقبل أن ترد…

رنّ جرس الباب مجددًا.

تبادلنا النظرات سريعًا.

ثم اتجهت نحو الباب ببطء.

لكن هذه المرة…

لم يكن الواقفون بالخارج رجال ديون.

بل سيارتا شرطة تقفان أمام المنزل.

وخلفهما كان وسام مكبل اليدين.

في البداية…

لم أستوعب ما أراه.

وسام…

أخي الذي كان يدخل البيت دائمًا رافع الرأس مهما ارتكب…

كان يقف الآن بين شرطيَّين، مكبل اليدين، وشعره مبعثر، وعيناه غارقتان في إرهاقٍ لم أره عليه من قبل.

تقدّم أحد الضباط نحوي وقال باحترام:

 حضرتك سيف كريم؟

أومأت بصمت.

فقال:

 أخوك مطلوب بعدة قضايا شيكات واحتيال، وتم القبض عليه قبل ساعة في أحد الفنادق بمنطقة المنصور.

نظرت إلى وسام.

لأول مرة…

لم يبدو غاضبًا.

ولا متعجرفًا.

بدا فقط…
منهارًا.

أما زوجة أبي، فقد شهقت فور رؤيته واندفعت نحوه:

 وسام! ماذا فعلوا بك؟!

ضحك ضحكة قصيرة متعبة، ثم نظر إليها بعينين حمراوين وقال:

 انتهى كل شيء يا أمي.

ثم التفت نحوي فجأة.

توقعت أن يصرخ.

أن يهددني مجددًا.

لكنه فقط حدّق بي طويلًا، وقال

بصوت مبحوح:

 كان يحبك أكثر منا جميعًا… أليس كذلك؟

شعرت بشيء ثقيل يتحرك داخل صدري.

لكنني لم أجب.

لأنني للمرة الأولى في حياتي…

لم أعرف الإجابة فعلًا.

اقتاده الشرطيان بعدها نحو السيارة، بينما ظلت زوجة أبي تبكي خلفه بصوت مرتجف.

أما أنا…

فبقيت واقفًا عند الباب أراقب السيارة حتى اختفت من آخر الشارع.

ثم عاد الصمت.

صمت ثقيل…

لكنه مختلف هذه المرة.

كأن البيت نفسه توقف أخيرًا عن حبس أنفاسه.

مرّت الأسابيع ببطء.

غادرت زوجة أبي المنزل بعد شهر تقريبًا، وانتقلت للعيش عند شقيقتها في البصرة.

وقبل أن ترحل، وقفت للحظة قرب الباب وكأنها تريد قول شيء.

لكنها اكتفت بالنظر إليّ طويلًا ثم غادرت بصمت.

بعدها…

بقيت وحدي في البيت لأول مرة.

وحدي تمامًا.

في البداية، كان الأمر مؤلمًا.

كل غرفة تحمل صوتًا من الماضي.

هنا كان أبي يشرب شايه عصرًا.

وهنا كان يسعل ليلًا حين يشتد عليه المرض.

وهنا…

في هذه الغرفة الصغيرة قرب الحديقة، أمضيت آخر ليلة بجانبه قبل وفاته.

لكنني بدأت ببطء أرمم المكان.

أصلحت الجدران التي أهملها المرض والحزن.

أعدت طلاء غرفة أبي بنفس اللون الذي كان يحبه.

وتخلصت أخيرًا من رائحة الأدوية الثقيلة التي التصقت بالبيت طويلًا.

ثم، بعد أشهر…

فتحت مكتب محاسبة صغيرًا في الطابق الأرضي.

وضعت لافتة بسيطة على الباب:

“مكتب سيف كريم للمحاسبة والتدقيق

المالي.”

وفي أول يوم عمل…

جلست وحدي خلف المكتب بعد مغادرة آخر زبون، بينما كانت أشعة المغرب تدخل من النافذة نفسها التي كان أبي يجلس قربها دائمًا.

حينها فقط…

فتحت الدرج القديم الذي احتفظت فيه بأشيائه.

ساعته.

نظارته.

ومصحفه الصغير.

ثم وجدت الورقة الأخيرة.

ورقة لم أرها من قبل.

بخطه المتعب المرتجف.

“سامحني يا سيف…
أعرف أن الاعتذار المتأخر لا يُصلح عمرًا كاملًا من الصمت.
لكنني رأيتك…
حتى حين ظننت أنك غير مرئي.”

توقفت أنفاسي للحظة.

وأدركت أخيرًا…

أن البيت لم يكن الميراث الحقيقي.

ولا المال.

ولا الوصية.

الميراث الحقيقي…

كان أن أبي، قبل موته أخيرًا، عرف قيمتي.

تم نسخ الرابط