في مجلس عزاء والدي

لمحة نيوز

في مجلس عزاء والدي، وقف أخي غير الشقيق أمام المعزّين وقال بصوتٍ ثابت:

يجب أن نبيع المنزل فورًا لتسديد الديون.

وحين رأيت ارتجاف يدها لأول مرة منذ بداية العزاء…

أدركت أن والدي لم يترك خلفه مجرد وصية.

ساد صمت ثقيل داخل المجلس.

حتى الرجل الذي كان يتلو القرآن خفّض صوته، وكأن الجميع شعروا أن شيئًا كبيرًا على وشك أن يُقال.

أما وسام، فحاول استعادة تماسكه بسرعة وقال بحدة:

 أي وصية؟ نحن نعرف كل شيء أصلًا.

لكن الحاج فاضل تجاهله تمامًا.

أخرج الأوراق من الظرف ببطء، ثم عدّل نظارته وبدأ يتصفحها وسط أنظار الرجال المشدودة نحوه.

كنت أسمع صوت أنفاسي بوضوح.

وأسمع كذلك صوت سبحات الرجال وهي تتحرك بتوتر داخل المجلس.

ثم قال المحامي أخيرًا:

 قبل أربعة عشر شهرًا، حضر المرحوم الحاج كريم بنفسه إلى مكتبي، وطلب تسجيل المنزل هبةً شرعية موثقة باسم ابنه سيف.

شعرت وكأن الكلمات لم تصلني كاملة.

كأن المجلس ابتعد فجأة.

أما وسام، فقد نهض من مكانه بعنف حتى تحرك الكرسي خلفه بقوة.

 هذا كذب!

خرجت الكلمة منه أسرع من تفكيره.

التفتت الأنظار كلها نحوه.

بينما واصل الحاج فاضل حديثه بهدوء:

 الهبة موثقة رسميًا في المحكمة، وجميع الإجراءات القانونية اكتملت قبل أكثر من سنة.

شهقت زوجة أبي بصوت خافت، ثم قالت بسرعة مرتبكة:

 مستحيل… الحاج كريم لم يخبرني بشيء كهذا.

رفع المحامي عينيه نحوها للمرة الأولى.

وقال ببرودٍ واضح:

 لأنه طلب

ألا يعرف أحد بالأمر إلا بعد وفاته.

ساد الوجوم داخل المجلس.

الرجل الجالس قرب الباب تمتم:
الله أكبر…

بينما تبادل آخرون النظرات بصمت.

أما أنا…

فلم أستطع الحركة.

قبل أيام فقط، كنت أجلس قرب سرير أبي أساعده على شرب الماء لأنه لم يعد قادرًا على رفع يده جيدًا.

كيف فعل كل هذا دون أن يخبرني؟

واصل الحاج فاضل كلامه:

 وبناءً على ذلك، فالمنزل لم يعد جزءًا من التركة أصلًا… ولا يمكن بيعه لتسديد أي ديون.

تحول وجه وسام إلى لون شاحب مرعب.

ثم التفت نحوي فجأة، وكأنني أصبحت شخصًا آخر لا يعرفه.

 أنت فعلت هذا… أليس كذلك؟

لم أجب.

لأنني كنت مصدومًا مثله تمامًا.

لكن زوجة أبي تقدمت خطوة وقالت بانفعال حاولت إخفاءه:

 سيف كان ملازمًا له طوال مرضه… من يدري ماذا قال له وهو بتلك الحالة؟

ارتفعت همسات خافتة داخل المجلس فورًا.

فهمت ما تحاول فعله.

كانت تلمّح أن أبي لم يكن واعيًا حين وقّع.

لكن الحاج فاضل أغلق الملف بقوة خفيفة وقال بحزم:

 الحاج كريم كان بكامل قواه العقلية، وهناك تقارير طبية وشهود على كل كلمة قالها.

ثم سحب ورقة أخرى من الملف.

ورقة مختلفة.

مطوية بعناية.

وقال بصوت أكثر هدوءًا:

 كما ترك المرحوم رسالة بخط يده… وأوصاني أن أقرأها أمام الجميع.

شعرت بشيء يضيق داخل صدري.

حتى وسام سكت أخيرًا.

فتح الحاج فاضل الرسالة ببطء، ثم بدأ يقرأ:

“إذا وصلتكم هذه الرسالة… فهذا يعني أن الله أخذ أمانته، وأنني لم أعد

قادرًا على إصلاح ما أفسدته بيدي.”

ارتجفت أصابعي فور سماع صوته داخل الكلمات.

وأكمل المحامي القراءة:

“قضيت سنوات طويلة وأنا أظن أنني أحافظ على العائلة حين كنت أتغاضى عن أخطاء وسام… لكنني كنت أظلم ابني الآخر في كل مرة أفعل ذلك.”

ساد الصمت بالكامل.

حتى الأنفاس أصبحت ثقيلة.

ثم رفع وسام رأسه نحوي ببطء…

ولأول مرة في حياتي…

رأيت أخي خائفًا مني.

وقف وسام في منتصف المجلس كأن الأرض بدأت تميد تحت قدميه، بينما أعاد الحاج فاضل نظره إلى الرسالة وأكمل القراءة بصوت هادئ:

“كنت أظن أن القسوة على القوي عدل…
وأن الابن الذي لا يشتكي لا يحتاج شيئًا.

لكنني اكتشفت متأخرًا أنني كنت أحمّل سيف فوق ما يحتمل، فقط لأنه كان يصمت دائمًا.”

شعرت بحرارة مؤلمة تصعد إلى صدري.

لم أسمع أبي يومًا يقول شيئًا كهذا لي مباشرة.

طوال حياتي، كان رجلًا قليل الكلام…
خصوصًا حين يتعلق الأمر بالمشاعر.

واصل الحاج فاضل القراءة:

“سيف لم يطلب مني مالًا يومًا.
ولم يرفع صوته عليّ يومًا.
ولم يتركني وحدي ليلةً واحدة منذ بدأ المرض يأكل جسدي.”

انخفضت عينا زوجة أبي نحو الأرض لأول مرة.

أما وسام، فكان يتنفس بسرعة واضحة، وكأنه يحاول منع نفسه من الانفجار.

ثم جاءت الجملة التي كسرت آخر شيء بداخله.

“أما وسام…
فقد سددت ديونه ثلاث مرات.
بعت أرضي الأولى بسببه.
ورَهنت سيارتي بسببه.
وسهرت ليالٍ طويلة وأنا أنتظر اتصالًا يخبرني أنه ما زال حيًا.”

بدأ الهمس ينتشر بين الرجال من جديد.

بعضهم نظر إلى وسام بصدمة حقيقية.

والبعض الآخر وكأنه فهم أخيرًا لماذا بدا الحاج كريم متعبًا أكثر من المرض نفسه في آخر سنواته.

لكن الرسالة لم تنتهِ.

عدل الحاج فاضل الورقة قليلًا، ثم أكمل:

“أعرف أن كثيرين سيظنون أنني ظلمت ابني الأكبر…
لكن الحقيقة أنني ظلمت ابني الأصغر سنوات طويلة وأنا أحاول إنقاذ أخيه.”

شعرت بأنفاسي تضيق.

كل كلمة كان أبي يكتبها الآن…
كانت تصل متأخرة جدًا.

متأخرة بقدر عمرٍ كامل.

ثم قال المحامي:

 وهناك فقرة أخيرة تتعلق بالميراث.

رفع وسام رأسه فورًا.

كان لا يزال يتمسك بأملٍ ما.

أي شيء.

فتح الحاج فاضل الصفحة الأخيرة وقال:

 أوصى المرحوم بمنح ابنه وسام مبلغًا رمزيًا قدره مئة ألف دينار عراقي فقط.

ساد الصمت لثانيتين كاملتين…

قبل أن ينفجر وسام:

 ماذا؟!

ارتد صوته داخل المجلس بعنف.

حتى الرجال القريبون من الباب التفتوا نحوه فورًا.

صرخ وهو يتقدم خطوة:

 هذا جنون! أبي مستحيل يفعل هذا!

لكن الحاج فاضل قال بهدوء:

 المبلغ الرمزي وُضع عمدًا حتى يكون واضحًا قانونيًا أنه لم ينسَك… بل استبعدك بإرادته الكاملة.

تغير وجه وسام بالكامل.

لم يعد غاضبًا فقط…

بل مذعورًا.

ثم التفت نحوي فجأة، وعيناه ممتلئتان بالكراهية:

 أنت فعلت هذا!
أنت بقيت بجانبه حتى تسرق عقله وهو مريض!

وقف بعض الرجال فورًا محاولين تهدئته، لكنه دفع أحدهم بعنف وهو يشير نحوي:

 كنت تخطط لهذا منذ البداية!

نهضت ببطء.

ولأول مرة منذ بداية العزاء، نظرت إليه مباشرة دون أن أخفض عيني.

قلت بصوت هادئ متعب:

 لو كنت أريد شيئًا منه…
لكنت طلبته وهو حي.

ساد الصمت للحظة.

لكن الكلمات زادته جنونًا.

اندفع نحو الطاولة الصغيرة بجانب صورة أبي، فضربها بيده بقوة حتى سقطت فناجين القهوة على الأرض.

شهقت زوجة أبي وهي تحاول الإمساك به:

 وسام! الناس تنظر إلينا!

لكنه أفلت ذراعها بعنف، ثم اقترب مني حتى صرت أشم رائحة التبغ والغضب في أنفاسه.

وقال بصوت منخفض مخيف:

 اسمعني جيدًا يا سيف…

 

تم نسخ الرابط