ليلة دخلتي

لمحة نيوز

بدأ يخبط على الباب بصوت أعلى: “افتحي يا وردة، متكبريش الموضوع، دي حركة وبنعملها عشان البركة مش أكتر، افتحي خلينا نتمم ليلتنا والناس تقول علينا إيه دلوقتي؟”

طلعت تليفوني من وسط هدومي وإيدي بتـ,ـترعش، مكنتش قادرة أستنى للصبح، كنت حاسة إني بخـ,ـتنق. دورت على رقم أخويا، أول ما رن وسمعت صوته “ألو.. يا وردة يا حبيبتي، مبروك يا عروسة”، مقدرتش أمسك نفسي وانفجرت في العياط وصوتي طالع بالعافية: “الحقني يا أحمد.. تعال خَدني من هنا، أنا اتهنت يا أخويا، عصام باعني لأهله في أول ليلة، تعال خَدني حالا وإلا هرمي نفسي من الشباك.”

عصام لما سمعني بتصل بأهلي، صوته اتغير وبدأ يزعق ويخبط بغل: “إنتي بتعملي إيه؟ بتفضحيني قدام أهلك؟ افتحي الباب ده يا وردة بدل ما أكسره عليكي، إنتي اتجننتي؟”

لكن أنا مكنتش سامعة غير صوت أخويا وهو مخضوض وبيقولي: “مسافة الطريق وهكون عندك يا وردة، اللي يمس شعرة منك حسابه معايا عسير، اهدي ومتقلقيش، أنا جاي.”

صوت فرامل العربيات تحت البيت كان زي ضـ,ـربات الرعد، وفي ثواني كانت العمارة كلها مهزوزة بخبطات أحمد أخويا على الباب البراني. عصام كان واقف ورا باب الأوضة وشه مخطوف، وبدأ صوته يرتعش وهو بيقولي: “يا وردة افتحي، ليه دخلتي أهلك في وسطنا؟ الموضوع كان هيتحل!”

فجأة سمعنا صوت الباب اللي بره بيتخلع، وأحمد دخل ومعاه ولاد عمي وصحابه، وصوتهم كان مسمع العمارة كلها. سمعت أحمد بيزعق بقلب محروق: “فينك يا عصام؟ فينك يا واطي يا اللي مأمنكش على عرضنا؟”

عصام جري يفتح وهو بيحاول يداري خوفه: “اهدا يا أحمد، مفيش حاجة، دي كانت ساعة شـ,ـيطان وأمي…”

مكملش الكلمة وكان أحمد

مسكه من قميصه وهزه: “أختي وردة تتهان في ليلة دخلتها؟ تغسل رجلين وتتذل وإنت واقف تتفرج؟ والله ما إنت راجل!”

حماتي وسلايفي طلعوا يجرو على السلم لما سمعوا الزفة اللي فوق، وأول ما دخلوا وشافوا الرجالة ماليين الشقة، حماتي بدأت تصوت: “يا مصيبتي! جايبين لنا بلطجية في بيتنا؟”

أحمد بصلها بنظرة خلتها تسكت خالص وقالها: “البيت ده مش بيتك لوحدك، وده حق أختي اللي دستي عليه.. والنهاردة وردة هتمشي معانا معززة مكرمة، وكل مليم دفعناه في الشقة دي هتاخده، والشبكة والقايمة هتاخدهم من عين التخين فيكم.”

طلعت من الأوضة وأنا هدومي متقطعة وعيني وارمة من العياط، أول ما شفت أحمد  بص لعصام وقال بصوت زي السيف: “الست اللي تهون على جوزها من أول ليلة، متستحقش تقعد معاه ثانية واحدة.. ورقتنا توصلنا بكرة، يا إما القضايا هتاكل لحمكم.”

ولاد عمي بدأوا يشيلوا شنط لبسي اللي لسه متفتحتش، وعصام واقف زي العيل الصغير وسط أهله اللي كانوا من شوية بيتنططوا عليا، ودلوقتي مفيش حد فيهم قادر ينطق بكلمة قدام هيبة أخويا ورجالته

حماتي لما شافت أحمد ورجالته بياخدوا شنطي، وشها جاب ألوان وراحت مطلعة تليفونها بسرعة وهي بتـ,ـصرخ بصوت عالي: “إلحقوني يا رجالة! البيت بيتسـ,ـرق، الحقونا

مفيش عشر دقائق ولقينا إخوات عصام الكبار داخلين الشقة ومعاهم ولاد عمهم، داخلين بصدر مفتوح وعاملين فيها أسياد البيت. الكبير فيهم، “رفعت”، دخل وهو بيزعق: “إيه اللي بيحصل هنا؟ إنت فاكر نفسك فين يا جدع إنت؟ داخل تبلطج في بيوت الناس وتاخد العروسة غـ,ـصب؟”

أحمد ساب دراعي وبص لرفعت بكل ثبات وقال بصوت واطي لكنه يرعـ,ـب: “العروسة دي أختي،

والبيت ده بيتها بمالها وكرامتها، وإنتو اللي بلطجتوا عليها وذليتوها.. والنهاردة أنا اللي هعلمكم يعني إيه أصول.”

رفعت حاول يرفع إيده على أحمد، لكن في لمحة بصيرة كان أحمد وصحابه محاوطينهم. أحمد مسك إيد رفعت ولواها ورا ضهره بكل قوة، وزقه ناحية أمه وقال: “الرجولة مش على الحريم يا شاطر، الرجولة إنك تصون اللي دخلت بيتك.. وبما إنكم متعلمتوش يعني إيه رجولة، أنا هسيب ولاد عمي يعلموكوا الدرس ده بره الشقة عشان محترمين حرمة البيت.”

إخوات عصام لما شافوا إن أحمد ورجالته مش بتوع كلام وبس، وإنهم “معلمين” بجد في أصول الحساب، بدأوا يتراجعوا لورا. رفعت كان بيتأوه من وجع إيده، وعصام كان مستخبي ورا السرير من الخوف. أحمد بصلهم باحتقار وقال: “اللي هيقرب من الباب ده وهو إحنا نازلين، ميرجعش يلوم غير نفسه.. يالا يا وردة، البيت ده ملوش رجالة يحموه، إنتي مكانك فوق الرأس.”

حماتي قعدت في الأرض تلطم وتصوت: “يا خيبتكم يا ولاد قلبي! الرجالة بتضـ,ـربكم في عقر داركم؟”

لكن ولا واحد فيهم قدر ينطق، وقفوا زي الأصنام بيتفرجوا علينا وإحنا نازلين بكل كرامة، وصوت أحمد كان لسه بيرن في ودنهم: “حق أختي هييجي تالت ومتلت، والقانون بينا وبينكم يا “رجالة” آخر زمن.”

نزلت السلم وأنا حاسة إن القهر اللي كان في قلبي اتبدل فخر بأخويا، وركبت العربية وأنا ببص للبيت اللي كنت فاكراه سكن، ولقيته مجرد جحر ديابة، والحمد لله إن ربنا نجاني منه في أول ليلة.

مر أسبوعين والحال اتبدل، وردة في حـ,ـضن أهلها عزيزة مكرمة، وعصام قعد في شقته الفاضية يندب حظه بعد ما البيت اللي كان مليان فرحة اتقلب لخرابة. حاول يبعت ناس من طرفه،

وكلم أحمد أخوها ميت مرة وهو بيـ,ـعيط ويقول: “كانت ساعة شـ,ـيطان، وأنا مقدرش أعيش من غير وردة، وأمي ندمانة.”

لكن رد أحمد كان زي الرصاص: “أختنا مش للتجارب يا عصام، اللي يهون عليه كرامة مراته عشان يرضي جبروت أهله، ملوش مكان وسطنا.. وردة النهاردة عرفت قيمتها، وإنت عرفت حجمك.”

أبو وردة، اللي كان صابر وساكت، قرر إنه ميسكتش على حق بنته. وفي يوم معلوم، راحت عربيات النقل وقفت قدام بيت عصام. نزل أحمد ووالد وردة ومعاهم الرجالة، ودخلوا الشقة وعصام واقف يتفرج بكـ,ـسرة وهو شايف “شقا العمر” بيتفك قدام عينيه.

حماتي طلعت من شقتها تصـ,ـرخ: “هتخربوا بيت ابني؟ هتاخدوا العفش اللي دفعنا فيه دم قلبنا؟”

بصلها أبو وردة بكل هيبة وقال: “ده عفش بنتي اللي اتذلت في بيتك، والقايمة اللي ابنه مضى عليها هي اللي بتتكلم.. والنهاردة مش بس العفش اللي هيمشي، ده اسم بنتي هيتشال من ذمة واحد م عرفش يصونها.”

فكوا أوضة النوم، والنيش، وحتى الستائر والسجاد، مشابوش مسمار واحد يخص وردة في المكان ده. عصام حاول يقرب من أحمد وهو بيمضي على ورقة الاستلام، وقال بصوت مخنـ,ـوق: “يا أحمد، مفيش فاصل؟ مفيش صلح؟”

أحمد سحب الورقة من إيده وبص له باحتقار: “الصلح كان ليلتها وإنت واقف تتفرج عليها وهي بتمسح الملح بدمـ,ـوعها.. النهاردة إنت غريب، وورقة طلاقها توصلنا في ظرف ساعة، وإلا المحاكم هي اللي هتخلص الحساب.”

وفعلاً، ملمسش الليل غير وورقة طلاق وردة كانت في إيدها. قعدت وسط أهلها، شافت عفشها وهو بيترص في بيت أبوها، وحست لأول مرة إنها بتتنفس بجد. الحلم اللي بدأ بكابـ,ـوس، انتهى بدرس قاسي لعصام وأهله: إن الست مش

جارية،

والبيوت اللي بتتبني على الذل.. بتهدها الكرامة

تم نسخ الرابط