كل يوم وقت الفسحه
ليلى نزلت عينها في الأرض وقالت له بهدوء: لو أنا اللي كنت جعانة، كنت هبقى عايزة حد يساعدني أنا كمان.
الأوضة سكتت تماما.. محدش عرف يرد. بس الحقيقة لما بتبقى توجع، الكبار بيحولوا الوجع ده لقواعد.
بعد كام أسبوع، القرار طلع.. ليلى هتتنقل مدرسة تانية.. بيئة تانية، بداية جديدة.. والتعليمات كانت واضحة: ممنوع تقرب من البوابة القديمة، ممنوع تجيب أكل زيادة، وممنوع تجيب سيرة ياسين تاني.
بالنسبة للكبار، دي كانت تعديل مسار.. بس بالنسبة لياسين، كانت حاجة تانية خالص.
فضل مستني.. أيام.. في نفس المعاد.. عند نفس البوابة.. بس ليلى مظهرتش تاني.
في الأول افتكرها اتأخرت.. بعدين افتكرها عيانة.. وفي الآخر فهم.
الشخص الوحيد اللي كان مخليه يحس إنه موجود.. اختفى.
وفي حاجة جوا ياسين انطفت.. الأمل لما بيمشي من غير تفسير، بياخد معاه الروح.
وفجأة في
مرت 20 سنة زي البرق.. ليلى كبرت وبقت ست مجتمعية وسيدة أعمال، وحاولت بكل جهدها تحافظ على اسم عيلة "الهاشمي" في السوق.. بس الدنيا غدارة، وأبوها خسر مبالغ ضخمة في استثمارات فاشلة، والديون بدأت تأكل الأخضر واليابس لحد ما الحجز وصل لبيتهم ومطاعمهم.
في ليلة من أصعب ليالي حياتها، ليلى كانت قاعدة في ركن مهجور في المطعم الرئيسي بتاعها.. النور كان مطفي، والعمال مشيوا، وهي قاعدة قدام كومة من الفواتير والإنذارات القانونية.. كانت حاسة بكسرة نفس مكنتش تتخيلها، وفجأة افتكرت "ياسين".. الطفل اللي كانت بتواسيه بلقمة وهي صغيرة.. سألت نفسها: "يا ترى هو فين دلوقتي؟ وهل الدنيا كانت أحن عليه مني؟"
فجأة، الباب اتفتح ودخل شاب طول بعرض، الهيبة باينة في خطوته والبدلة اللي لابسها تقول إنه "باشا" ابن باشوات.. ليلى قامت تمسح دموعها بسرعة
الشاب مخرجش، بالعكس، قرب وقعد على الكرسي اللي قدامها بمنتهى الهدوء، وبص في عينيها وقال بصوت واثق: "أنا جعان.. ومحتاج نص ساندوتش بس.. ويكون من إيدك".
ليلى وقفت مذهولة، والزمن رجع بيها 20 سنة لورا.. نفس النبرة، نفس العينين الهادية اللي مابتمثلش.. همست بصدمة: "ياسين؟"
ابتسم وقال لها: "اليوم اللي إنتي اختفيتي فيه، الدنيا اسودت في عيني.. كنت فاكر إن الأمان الوحيد اللي عرفته في حياتي ضاع.. بس بعدها افتكرت كلامك وإنتي بتقولي لي (لازم تاكل عشان تكبر وتبني مستقبلك).. وقررت إني مش هفضل على الرصيف مستني حد يحن عليا.. سافرت، واشتغلت في الموانئ، وشلت حديد، ودرست في الساعات اللي الناس بتنام فيها، لحد ما بقيت صاحب شركات الشحن والمقاولات اللي بتورد لمطاعمك دي".
ليلى كانت بتسمع وهي مش مصدقة إن الطفل المشرد بقى
ليلى حاولت تعترض وصوتها مخنوق بالعياط: "بس ده كتير قوي يا ياسين.. دي ملايين".
ياسين وقف وعدل جاكيت بدلته وقال وهو خارج: "الملايين دي ورق.. بس الأمل اللي زرعتيه في قلبي وأنا طفل ملوش تمن.. زمان إنتي شفتيني لما الكل كان مغمي عينه عني، والنهاردة أنا جيت عشان أقول لك إن مفيش جميل بيضيع عند ربنا".
ياسين مشي وساب ليلى ومعاها صك النجاة.. عرفت ليلتها إن "لقمة" واحدة ممكن تبني جبل، وإن الطيبة هي الاستثمار الوحيد اللي مابيفلسش أبداً.
تمت.. لو وصلت لحد هنا صلي على النبي واعمل