والدة حسام الدسوقي

لمحة نيوز


ما ينفعش تتعوض.
في اللحظة دي حسام ما بقاش شايف نفسه رجل أعمال ولا ملياردير ولا صاحب نفوذ. كان مجرد طفل خايف كاد يتسلب منه حضن أمه للأبد.
وقف حسام بعدها ببطء والتفت ناحية سعاد وعينيه محمرة من الدموع. قال بصوت مبحوح أنا مش عارف أقول إيه ولا إزاي أشكرك.
سعاد خفضت راسها كأن الكلمات تقيلة زيادة عن اللزوم وكأنها خايفة الشرح يفسد اللي عمله الصمت بإتقان. قالت بهدوء ما تقولش حاجة يا بيه بس افتكر اللي شفته الليلة. وما تسيبهاش لوحدها تاني لأن في أذى ما بيدخلش غير لما القريبين يغيبوا.
الجملة وقعت على قلب حسام زي صفعة من غير صوت. صفعة ما توجعش الجلد لكن تهز القناعات. ما كانتش مجرد تحذير عابر كانت مفتاح فتح باب مقفول من سنين.
لأول مرة سمح لنفسه يفكر من غير دفاع من غير تبرير من غير كبرياء. أدرك إن اللي حصل مش صدفة وإن الألم اللي كان ساكن دماغ أمه ما جاش من فراغ. أدرك إن الخطر ما بيتقاسش بقرب الأقدام لكن بقرب القلوب. وإن أكتر حاجة توجع مش الطعنة نفسها لكن اليد اللي كنا فاكرين إنها عمرها ما هتطعن.
الليلة دي النوم ما عرفش طريقه لحسام. قعد في مكتبه الكبير حواليه جدران مكسوة بخشب غامق وتحت أضواء خافتة ما بقتش تبعث الطمأنينة زي زمان. الصمت كان تقيل لكن

دماغه مليانة أسئلة.
رجع شريط السنين اللي فاتت ببطء موجع. اجتماعات ما بتنتهيش. توقيعات سريعة. وشوش مبتسمة. ثقة بتتوزع بسهولة للي لابسين الأقنعة الصح.
كم مرة قال ما تقلقوش أنا مسيطر على كل حاجة. وكم مرة افتكر إن الفلوس تعوض الغياب وإن النفوذ يكفي يحمي اللي بيحبهم.
سأل نفسه لأول مرة من غير مواربة مين كان قريب زيادة عن اللزوم مين كان يدخل ويخرج من غير سؤال من غير تردد من غير رقابة ومين كان بيراقب ضعف أمه وهو غايب
والدته ما كانتش محتاجة عين الشفقة كانت محتاجة عين الحساب. مع بزوغ الفجر الضوء اتسلل جوه القصر ببطء كأنه بيتحسس طريقه بحذر مش عايز يوقظ اللي أخيرا هدي. الحاجة صفية كانت نايمة بسلام ما عرفتهوش من أسابيع. نفسها منتظم وملامحها هادية هدوء أربك حسام نفسه. ما كانتش ملامح جسد ارتاح بس كانت ملامح روح رجعت لها الحياة. كأن الألم ما مرش من هنا أو كأنه مر واعتذر قبل ما يمشي.
حسام وقف طويل عند باب أوضتها بيراقب صدرها وهو بيرتفع وينخفض. حركة بسيطة لكنها بالنسبة له كانت معجزة كاملة. كم من ليالي وقف في نفس المكان عاجز يراقبها وهي بتتألم يملك كل حاجة إلا القدرة إنه يحميها.
همس لنفسه بصوت خافت كأنه بيقسم مش هاسمح لحد يقرب منك بسوء مهما كان الثمن ومهما
كان الاسم.
الوعد ما كانش انفعال لحظة كان قرار نضج في صمت طويل. ومن اللحظة دي كل حاجة اتغيرت.
العالم حواليه ما اتغيرش. الجدران زي ما هي الألقاب زي ما هي النفوذ زي ما هو. لكن نظرته هو للعالم اتغيرت من الجذور. ما بقاش يشوف الناس من فوق. ما بقاش يخلط بين القوة والهيمنة ولا بين الصرامة والحكمة.
اتعلم يمكن لأول مرة إن السلطة مش دايما بتحمي. وإن النفوذ ممكن يعمي صاحبه قبل ما يحميه. وإن بعض الأخطار ما بتيجيش من بره لكن من الدواير الأقرب.
بقى يسمع أكتر ما يتكلم. يراقب أكتر ما يحكم. ويمنح وقته للناس اللي ما عندهمش وسيلة يفرضوا صوتهم. ما بقاش يقطع الكلام لمجرد إنه صاحب القرار. ما بقاش يستخف بالتفاصيل الصغيرة.
أدرك إن الحكمة مش مرتبطة بالمناصب. وإن بعض الحقائق ما بتتقالش في الاجتماعات الرسمية ولا بتتكتب في التقارير. لكن بتظهر في العيون في التردد وفي الصمت اللي بيسبق الكلام.
أما سعاد رجعت تاني الصبح لشغلها كأن ما حصلش حاجة. بتكنس الممرات بهدوء بترتب الأوض بتمشي بخطوات بسيطة ما تلفتش الانتباه. ما طلبتش تفسير ما استنتش شكر ما غيرتش من نفسها حاجة. لكن ما بقتش غير مرئية.
وجودها بقى يسيب أثر ما يتشافش لكن يتحس. كأن المكان نفسه بيبقى أهدأ لما تعدي. كأن
القصر بكل فخامته اتعلم منها معنى البساطة. كلماتها القليلة بقى القلوب تسمعها قبل الآذان. وصمتها بقى أبلغ من خطب كتير وأصدق من وعود طويلة.
وحسام كل مرة يلمحها من بعيد كان يفتكر إزاي كان بيعدي في نفس الممرات من غير ما يشوفها. إزاي كان العالم مليان ناس ما انتبهش ليهم لأنه كان دايما بيبص لفوق مش حواليه. فهم أخيرا إن الحكمة ممكن تسكن أبسط القلوب. وإن الحقيقة مش محتاجة صخب عشان تبقى حقيقة. ولا محتاجة أضواء عشان تثبت وجودها.
وهكذا استقر جواه درس ما علمتهوش له الجامعات ولا الصفقات ولا سنين النجاح. إن أخطر ما في الحياة مش الجهل. لكن الغرور اللي يخلي الواحد يظن إنه يعرف كل حاجة. فيغلق عينيه عن أبسط الإشارات وأصدق التحذيرات وأقرب القلوب.
وإن المعجزات مش بتيجي للي بيدور عليها بعجلة. ولا للي يملك الأدوات الأغلى. ولا للي بيرفع صوته أكتر. لكن للي يملك قلب متواضع وعينين قادرة تشوف ما وراء المظاهر وأذن ما تخجلش من الإصغاء.
ومن اليوم ده حسام ما بقاش يدور على الأمان في الفلوس. لكن في القرب الصادق. ولا على الشفاء في الأجهزة. لكن في الحضور الحقيقي. ولا على الحقيقة في الضجيج. لكن في الصمت اللي ما بيكذبش.
الصمت اللي لما يسمع له بصدق ما يهمسش بس بالحقيقة. لكن
يغير الحياة كلها.
تمت

 

تم نسخ الرابط