جوزي كان بيشوفني

لمحة نيوز


كانت عارفة إن البيت ده محتاج سنين عشان يتعالج من الخوف.
ومن يومها بدأ يحاول يتغير فعلًا.
بقى ينزل يصلي في الجامع، ويرجع يقعد مع ولاده بدل الصريخ.
لو اتعصب يسكت ويمشي بدل ما يمد إيده.
لكن كل ما كان يحاول يقرب من بنته، كانت ترجع لورا بخوف.
وده كان عقابه الحقيقي.
وفي ليلة، بعد ما الكل نام، شرين صحيت على صوت خافت جاي من الصالة.
خرجت تبص فاتصدمت لما لقت جوزها قاعد لوحده على سجادة الصلاة.
رافع إيده للسما وبيبكي بحرقة وهو بيقول
يارب أنا كسرتهم بإيدي ساعدني أصلح اللي عملته شرين وقفت عند الباب ساكتة لأول مرة ما دخلتش تقاطعه ولا تحكم عليه.
كانت بس بتتفرج على راجل كان يوم من الأيام مرعب، وهو دلوقتي بيبكي زي طفل مكسور.
قعدت على طرف الأوضة بهدوء.
هو ماخدش باله منها في الأول، كان غرقان في دعاءه، صوته مبحوح وهو بيقول
يا رب رجّعلي عيالي رجّعلي بيتى أنا مش عايز القوة دي تاني أنا عايز أكون أب بس.
الكلمات كانت طالعة من قلب متكسر بجد.
بعد شوية سكت، وفضل على حاله، ساجد على السجادة.
شرين قربت خطوة واحدة، وقالت بصوت هادي
اللي اتكسر مش سهل يتصلح.
رفع راسه ببطء،

وعيونه مليانة دموع
عارف بس أنا مستعد أعيش عمري كله أصلّح.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
المشكلة مش في كلامك المشكلة في خوف العيال.
الكلمة خبطته.
سكت تمامًا.
وفي الصبح، حصل اللي مكنش في الحسبان.
بنتهم الصغيرة صحيّت وخرجت من أوضتها، لقت أبوها في الصالة قاعد مستنيها.
اتجمدت مكانها.
هو ما اتحركش، فضل ثابت، وبصوت واطي قال
صباح الخير يا حبيبتي.
البنت ما ردتش، بس ما هربتش.
دي كانت أول مرة.
مد إيده ناحيتها وقال
ممكن أقعد جنبك؟
سكتت ثواني طويلة وبعدين هزت راسها بخوف بسيط.
قعد على الأرض بعيد عنها شوية، مش قريب زيادة.
وقال بهدوء
أنا عارف إنك خايفة مني وده حقي. بس أنا مش عايزك تفضلي كده.
فضلت باصة له، ودموعها في عينيها.
كمل بصوت مكسور
أنا كنت فاكر إن الخوف احترام بس طلعت غلطان.
لحظة صمت طويلة عدت.
وفجأة البنت قالت بصوت صغير
إنت هتضربني تاني؟
اتكسرت جواه حاجة تانية.
هز راسه بسرعة وقال
لا والله ما هقربلك أبدًا غير بالخير.
شرين كانت واقفة من بعيد، ودموعها نازلة بصمت.
لكن لسه الطريق طويل
لأن الثقة مش بتترجع بكلمة، ولا بيوم.
وفي آخر اليوم، وهو خارج يشتغل، لقى ابنه
واقف عند الباب.
سأله بهدوء
عايز حاجة؟
الولد سكت شوية، وبعدين قال
لو رجعت من الشغل ممكن تقعد معايا شوية؟
وقف مكانه كأن الزمن وقف معاه.
وبص له وقال بصوت مخنوق
أول مرة تطلب مني حاجة مش فيها خوف أكيد هقعد.
وساب البيت وعيونه مليانة دموع
بس المرة دي دموع أمل، مش ندم بس.
لأن لأول مرة حس إن البيت اللي كان بيهدمه سنين، ممكن يبدأ يتبني تاني حتة حتة الأيام اللي بعدها ما كانتش سهلة على أي حد في البيت.
الخوف ما بيختفيش بسرعة بيتسحب بهدوء، يوم ورا يوم، موقف ورا موقف.
هو التزم بكلامه، بقى بيرجع بدري، يقعد مع العيال من غير عصبية، ولو صوته علي حتى بالغلط كان بيوقف نفسه ويخرج يسكت بره.
لكن شرين كانت عارفة حاجة مهمة
التغيير الحقيقي مش في الهدوء التغيير في القلوب.
بنتهم الصغيرة كانت لسه بتراقبه من بعيد.
مش بتهرب زي الأول، لكن برضه مش بتقرب بسهولة.
وفي يوم، حصلت حاجة بسيطة جدًا لكنها كانت أكبر نقطة تحول.
كانت البنت بتذاكر، وقلمها اتكسر وهي بتكتب، فبدأت تعيط بهدوء من غير صوت.
هو كان قاعد في الصالة، أول ما سمعها قام بسرعة وقف عند الباب بس ما دخلش.
بص لها وقال بهدوء
تحبي
أجبلك قلم جديد؟
البنت مسحت دموعها وبصتله.
ثواني سكتوا فيها الاتنين.
وبعدين قالت بصوت واطي
ممكن تقعد جنبي وإنت بتجيبه؟
وقف مكانه.
دي أول مرة هي اللي تطلب قربه مش هروبه.
قعد جنبها بهدوء، وفضلوا ساكتين وهم بيرسموا في الدفتر الجديد.
شرين كانت واقفة في المطبخ بتبص من بعيد ودموعها نازلة من غير صوت.
مش لأن كل حاجة بقت تمام لكن لأنها شافت أول شرخ صغير في جدار الخوف بيتصلح.
بعد شهور، البيت بقى أهدى.
مش مثالي لكن فيه أمان.
بقى يروح يصلي وييجي، ويرجع يحكي لولاده عن يومه بدل ما يصرخ عليهم.
وبقى أول ما يحس بغضب يسكت ويطلع يمشي بدل ما يكسر أي حاجة.
وفي ليلة، شرين كانت قاعدة معاه لأول مرة من زمان من غير توتر.
قالت له بهدوء
مش مسامحة عشانك أنا مسامحة عشان ولادي يعيشوا من غير وجع.
هز راسه وقال بصوت واطي
وأنا مش بطلب غير فرصة أكون أبهم بجد حتى لو متأخر.
البنت دخلت عليهم فجأة، وقفت لحظة، وبعدين قربت منه ببطء.
وقفت جنبه وقالت
ممكن أحضنك؟
اتجمد.
وبعدين عينه دمعت وهو يفتح دراعه ببطء شديد.
أول حضن من سنين كان مليان خوف، بس كمان بداية أمان.
شرين بصت لهم وسكتت.
لأنها
فهمت إن النهاية مش انتقام
النهاية إن الخوف اللي كان ساكن البيت، أخيرًا بدأ يطلع منه.

تم نسخ الرابط