جبر الخواطر كامله انجي الخطيب

لمحة نيوز


ويرزقك من حيث لا تحتسبي.
ميار سابت الموبايل يشحن شوية، وقالت له اشرب قهوتك يا حاج وكل الساندوتش، لسه قدامه شوية عشان يفتح.
الراجل بدأ ياكل بلهفة كأنه مأكلش من أيام، وميار كانت بتبص في ساعتها.. اتأخرت.
أنا لازم أمشي يا حاج، ميار لمت عدتها بسرعة، الموبايل بقى تمام، والشاحن ده خليه معاك هدية مني، الأصلي بتاعك بايظ وهيبوظ السوكت تاني.
الراجل مسك إيدها استني يا بنتي.. أنا اسمي عم إسماعيل.. قوليلي اسمك بالكامل وإنتي شغالة فين؟
ميار استغربت بس ردت بسرعة ميار جلال.. شغالة في شركة تكنيو للأنظمة، في المبنى اللي في آخر الشارع. ادعي لي بس يا عم إسماعيل، محتاجة الدعاء قوي.
جريت ميار في المطر ولحقت المكتب بالعافية.
أول ما دخلت، لقت سارة الألفي واقفة لها بالمرصاد، لابسة طقم فورمال غالي ووشها كله غل أهلا يا بشمهندسة! لسه فاكرة إن عندك شغل؟ ولا كنتي بتوزعي صدقات في الشارع؟
ميار حاولت تتنفس أنا آسفة يا سارة، المطر كان..
سارة قاطعتها بضحكة صفراء المطر للناس اللي بتركب مواصلات يا حبيبتي.. وبعدين ملوش لزوم الأعذار، كدة كدة الشركة بتتباع النهاردة، والمالك الجديد جاي يستلم بعد ساعة، وأنا أول حاجة هعملها إني هقدم فيكي تقرير يخليكي متشتغليش في أي مكان تاني في مصر.. البروجكت اللي إنتي كنتي شغالة عليه؟ أنا سجلته باسمي الصبح.. يعني إنتي هنا مالكيش لازمة.
ميار الدنيا

اسودت في عينها.. مجهود سنتين، وحلم ترقية عشان تعالج والدتها، كله راح في لحظة غدر من سارة.
بعد ساعة، الموظفين كلهم وقفوا صف واحد.. هيبة غريبة ملت المكان. دخل وفد من المحامين ورجال الأعمال، وفي وسطهم كان فيه راجل لابس بدلة متفصلة في لندن، شياكة لا توصف، وواضح إنه الحوت اللي اشترى كل حاجة.
سارة جريت عليه بابتسامة مرسومة أهلاً يا فندم! نورت شركتك الجديدة، أنا سارة الألفي المديرة التنفيذية، وده ملف بأهم الإنجازات اللي أنا عملتها..
الراجل مبعصش للملف، بص في القاعة كلها.. وعينه جت على ميار اللي كانت واقفة ورا خالص، ودموعها محبوسة بالعافية.
الراجل بعد سارة بإيده، ومشي بهدوء لحد ما وقف قدام ميار.
الكل كتم نفسه. سارة كانت هتفرقع من الغيظ يا فندم دي موظفة مهملة و..
الراجل رفع إيده فسكتت سارة تماماً.
بص لميار وابتسم ابتسامة صافية، ومد إيده وطلع من جيبه الموبايل المتهالك اللي ميار صلحته في الكافيه!
شوفتي يا ميار؟ الراجل قال بصوت هادي وواثق، قولتلك الموبايل ده عليه كل حياتي.. الموبايل ده عليه أكواد الحسابات والشركات اللي بملكها في ٤ دول.. ولولا إنك نضفتي التراب اللي كان عليه، مكنتش هعرف أفتح الصفقات دي النهاردة.
ميار بربشت بعينها بذهول عم إسماعيل؟
الراجل ضحك المهندس إسماعيل البحيري.. المالك الجديد للمجموعة دي كلها.
لفت نظره لسارة اللي كانت وشها بقى لونه
أزرق من الصدمة أستاذة سارة.. أنا سمعت كل حاجة وإنتي بتكلمي ميار من شوية.. وعرفت مين فيكم اللي هاردوير بتاعها محتاج يتنضف من الغل.
بص للمحامي بتاعه وقال بلهجة آمرة الست دي سارة تطلع برا حالاً، وتتحول للتحقيق بتهمة سرقة مجهود موظفين.. وميار جلال، من اللحظة دي، هي المديرة التنفيذية للفرع ده، وشيك تكاليف عملية والدتها يطلع من حسابي الشخصي قبل ما نخلص الاجتماع.
ميار مقدرتش تمسك نفسها، انهارت من العياط، بس المرة دي كانت دموع فرحة.
عم إسماعيل طبطب على كتفها وقال لها جملتها مش قولتلك يا بنتي.. الدنيا ساقية، واليوم اللي بتبدأيه بجبر الخواطر، ربنا بيكملهولك بالمعجزات.
تمت إقالة سارة الألفي في فضيحة مدوية، وخرجت من الشركة وهي مش عارفة ترفع عينها في حد، بعد ما أمن الشركة سحب منها الكارنيه والمفاتيح قدام الكل.
ميار كانت واقفة مش مصدقة، وكأنها في حلم. بصت لعم إسماعيل أو المهندس إسماعيل البحيري وقالت بصوت متهدج أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا فندم.. أنا بجد كنت فقدت الأمل.
ابتسم المهندس إسماعيل وهو بيحط الموبايل في جيبه وقال لها تشكريني بالهندسة يا ميار. الشركة دي من النهاردة محتاجة نضافة حقيقية، وأنا واثق إنك أكتر واحدة هتعرفي تميزي بين المعدن الأصلي والصدأ.
بعد مرور أسبوعين
الحياة اتغيرت تماماً في ممرات شركة تكنيو. ميار مكنتش مجرد مديرة، كانت روح المكان. بدأت
بتعديل مرتبات الموظفين الصغيرين، وعملت نظام بيحمي حقوق المبدعين عشان مفيش حد يسرق مجهود حد تاني زي ما حصل معاها.
وفي يوم العملية، ميار كانت واقفة في ممر مستشفى دار الشفاء، قلقانة وماسكة سبحتها. فجأة، لقت المهندس إسماعيل داخل الممر ومعه باقة ورد كبيرة.
ميار يا خبر يا فندم! حضرتك تعبت نفسك ليه وجيت؟ أنا عارف إن جدولك مليان صفقات.
المهندس إسماعيل صفقة إيه يا بنتي؟ النهاردة فيه أهم عملية في الدنيا. وبعدين، أنا جيت أطمن على أم الغالية اللي ربت مهندسة شاطرة وإنسانة حقيقية.
الدكتور خرج من العمليات وهو بيطمنهم الحمد لله، العملية نجحت تماماً، والمدام هتقدر تمشي على رجلها خلال أسابيع.
ميار مالت برأسها على كتف والدتها وهي لسه طالعة من الإفاقة، وهمست في ودنها شوفتي يا ماما؟ المطر اللي كنت خايفة منه يغرقنا، كان هو اللي شايل لينا الرزق.
النهاية
ميار اتعلمت درس عمرها ما نسيته، إن جبر الخواطر مش مجرد كلمة، دي تجارة مع ربنا مابتخسرش أبداً. وسارة الألفي؟ سمعت ميار إنها بتحاول تلاقي شغل في شركات تانية، بس سمعتها كانت سبقتها، وبقت عبرة لكل واحد بيفتكر إن الكرسي بيدوم، أو إن أكل حق الناس شطارة.
وفي كل يوم مطر، ميار كانت بتقف قدام شباك مكتبها، تبص للسما وتفتكر اليوم اللي صلحّت فيه موبايل شحات، ففتح لها ربنا بيه أبواب السما.
الخلاصة
ازرع جميلًا ولو في غير موضعه،
فلن يضيع جميلٌ أينما زُرِعا.

 

تم نسخ الرابط