جبر الخواطر كامله انجي الخطيب
صلحّت موبايل شحات في المطر.. وتاني يوم الصبح ملياردير اشترى شركتها وفضح اللي سرقت مستقبلها
أول مرة ميار شافت الراجل العجوز، كان بيحاول يداري دموعه وهو ماسك موبايله المكسور، في وقت كان كل اللي في الكافيه بيتعاملوا معاه كأنه هوا.. كأنه مش موجود.
المطر كان بيخبط في شبابيك كافيه نايل فيو في المعادي بقوة، لدرجة إن الزجاج كله كان بيتهز. برا، كان صباح نوفمبر قلب شوارع القاهرة لزحمة كئيبة من الشماسي، وأنوار العربيات، والناس اللي بتجري. وجوا، الناس كانت حاضنة كوبايات القهوة السخنة، بيشوفوا إيميلاتهم، بيشتكوا من الزحمة، وبيحاولوا بكل مجهودهم إنهم ما يبصوش ناحية الراجل اللي قاعد في الركن.
كان قاعد تحت لمبة بتنور وتطفي، كتافه محنية جوا بالطو بني غامق مبلول، كان باين إنه كان غالي في يوم من الأيام، بس دلوقتي بقى شبه حاجة مرمية في الروبابيكيا. شعره الأبيض كان لازق في قورته من المطر، والطين مبهدل حرف البنطلون. إيديه كانت بتترعش وهو بيحاول للمرة الألف إنه يدخل سلك شاحن مقطع في سوكت موبايل قديم ومتهالك.
السلك اتزحلق من إيده.
الراجل العجوز أخد نفس عميق بوجع.
همس وصوته مخنوق يا رب.. مش وقته خالص، ارجوك اشتغل.
شاب من اللي شغالين في المكان، بملامح كلها زهق، وقف فوق راسه يا حاج، أنا قولتلك ميت مرة.. مينفعش تفضل قاعد هنا طول الصبح من غير ما تطلب حاجة.
الراجل رفع راسه وكأنه كان ناسي إن فيه بشر حواليه. عينيه كانت زرقا باهتة، مليانة تعب ورعب.
قال
بقالك نص ساعة بتقول نفس الكلمة.
السوكت مسدود.. لو بس قدرت أشحنه..
الويتر قاطعه ببرود الموبايل باظ خلاص.. وبعدين أنت غرقت الأرض مية.
شويه زباين بصوا عليهم، وبعدين رجعوا كملوا كلامهم وكأن مفيش حاجة بتحصل.
ميار كانت واقفة عند المدخل، شمسيتها في إيدها والمية نازلة على كم بالطو الشغل الكحلي بتاعها. كانت ناوية تاخد قهوتها، وتبلع حبايتين مسكن للصداع اللي هينفجر في دماغها، وتلحق تروح المكتب قبل ما سارة الألفي تلاقي حجة تانية عشان تهزقها قدام الموظفين.
مكُنتش ناقصة وجع دماغ ولا موبايل راجل غريب.
موبايلها هي نفسه اتهز في جيبها.
ميار طلعته، كانت بتمنى يكون المستشفى بيكلموها عشان يأكدوا ميعاد عملية والدتها. بس للاسف، لقت رسالة تانية من الحسابات
مستشفى دار الشفاء يرجى تسوية المديونية المتأخرة قبل حجز غرفة العمليات.
نفسها ضاق.
عملية والدتها في ضهرها ميعادها كمان ٣ أسابيع. الجراح قال إن التأخير خطر، بس قسم الحسابات كان كلامه أجمد وأبرد من غير دفع أو ترقية التأمين، الميعاد ممكن يتأجل لأجل غير مسمى.
ميار بصت للموبايل، وبعدين بصت للراجل العجوز.
كان بيحاول يدخل السلك بقوة أكبر، الخوف خلاه عنيف مع الموبايل، ولو استمر كدة كان هيكسر البوردة من جوا.
الويتر نفخ بضيق يا حاج، أنا هنده للمدير يتصرف معاك.
وش الراجل اتغير.. مكنش غضب، ولا قلة ذوق.. كان خوف.
ميار عارفة النظرة دي كويس.
شافتها على وش باباها زمان
ميار اتحركت وراحت ناحية التربيزة.
لو سمحت.. قالتها بهدوء.
الويتر لفت لها يا فندم مفيش مشكلة، إحنا بنتعامل معاه.
ميار ردت بحدة هادية لأ، أنتوا بتهينوه.
الناس بدأت تبص. الويتر بربش بعينه أفندم؟
ميار حطت شمسيتها على الحيطة، وشنطتها على الكرسي الفاضي قدام الراجل، وبصت له بحنية
يا حاج.. ممكن أشوف الموبايل؟
الراجل ضم الموبايل لصدره، وكأنه ماسك آخر نَفَس ليه في الدنيا.
قال بصوت مرعوش مش هينفع يضيع.. كل حاجة عليه.. حياتي كلها على الجهاز ده.
أنا فاهمة. ميار قعدت على الكرسي عشان متكونش واقفة فوق راسه وتحسسه بالضعف. أنا مهندسة هاردوير ونظم بيانات.. مش هاخده منك، أنا بس عايزة أبص على السوكت.
عينيه فضلت تدور في وشها، بشك ممزوج بلهفة هتعرفي تصلحيه؟
هحاول.
الويتر ربع إيده لو باظ منك، إحنا ملناش دعوة.
ميار بصت له بقوة هات له كوباية قهوة كبيرة وساندوتش فطار.
الويتر تنح.
ميار كملت أنا اللي هحاسب.
الراجل العجوز ريقه جِري يا بنتي ملوش لزوم..
عارفة.
قالت الكلمة دي بس.
وبالراحة، الراجل زق الموبايل ناحيتها على التربيزة.
ميار فتحت شنطتها وطلعت مقلمة سوداء صغيرة، فيها العدة اللي دايماً معاها عشان شغلها جفت دقيق، فرشة تنظيف، كشاف صغير،
وجهت الكشاف لفتحة الشحن.
فيه تراب مضغوط هنا.. قالت وهي مركزة، وممكن رمل كمان. هو وقع منك؟
الراجل العجوز سكت لحظة، وبص للشباك اللي غرقان مطر وقال بصوت واطي وقع مني وأنا بجري عشان ألحق الأتوبيس.. وقع في الطينة، ومن ساعتها وهو رافض ينطق.
ميار مبردتش، سحبت الجفت الدقيق وبدأت تطلع قطع وبر وتراب متجمد من السوكت بحذر شديد، كأنها بتعمل عملية جراحية. الزباين في الكافيه بدأوا يسكتوا، والويتر اللي كان واقف بزهق بدأ يقرب بفضول وهو بيحط القهوة والساندوتش قدام الراجل.
عارف يا حاج، ميار قالت وهي بتنضف السوكت بفرشة صغيرة، السوكت ده عامل زي البني آدم، لما بيتملي هموم وتراب من الدنيا، مبيقدرش يستقبل أي طاقة تانية.. لازم يتنضف الأول.
الراجل بص لإيدها وهي بتشتغل بدقة وقال إنتي إيدك تتلف في حرير يا بنتي.. شكلك فاهمة في شغلك قوي. ليه مهندسة زيك شايلة هموم الدنيا فوق كتافها كدة؟
ميار اتفاجئت بسؤاله، مكنتش فاكرة إن تعبها باين للدرجة دي. ابتسمت بوجع وهي بتركب وصلة الشاحن بتاعتها هي الدنيا كدة يا حاج.. ساقية وبندور فيها. المهم الموبايل ينطق دلوقتي.
أول ما حطت الشاحن، الموبايل اتهز.. وظهرت علامة البطارية وهي بتشحن.
الراجل العجوز قام وقف من الفرحة، دموعه نزلت بجد المرة دي