كذبتُ على والدي وقلت له إنني رسبت

لمحة نيوز

كانت الشخص الوحيد الذي بقي قريبًا مني بعد وفاة أمي.
الوحيدة التي كانت تسأل إن كنت قد تناولت الطعام.
الوحيدة التي تتذكر عيد ميلادي كل عام.
والوحيدة التي لم تنادني يومًا بصفة ابن راشد بل باسمي فقط.
أرسلت إليها
أنا في الطريق.
وصلت إلى شقتها الصغيرة في الشارقة بعد ساعة تقريبًا.
فتحت الباب فور أن رأتني.
لكن ابتسامتها اختفت مباشرة عندما وقعت عيناها على الحقيبة السوداء خلفي.
تغير وجهها بسرعة وقالت بقلق
سالم؟ ماذا حدث؟
نظرت إليها للحظات قبل أن أجيب بهدوء
أبي طردني.
شهقت ثم أمسكت ذراعي بسرعة وسحبتني إلى الداخل، وكأنها تخشى أن يسمعنا أحد من الممر.
أغلقت الباب بعصبية، ثم التفتت نحوي
ماذا فعل؟
لم أجب فورًا.
أخرجت هاتفي فقط، وشغلت التسجيل.
امتلأت الغرفة بصوت موزة وهي تقول
لا تدعه يشعر أن له قيمة بدون هذا البيت.
ثم جاء صوت أبي باردًا
عندما يجوع ويضطر للنوم في الشارع سيفعل ما أريد.
جلست خالتي ببطء فوق الأريكة.
كانت يداها ترتجفان حول فنجان القهوة بينما استمعت إلى التسجيل كاملًا دون أن تقاطعني.
وحين انتهى
رفعت يدها إلى فمها، وامتلأت عيناها بالدموع.
همست بصوت مكسور
رحمة اختارت الرجل الخطأ فعلًا
ثم نظرت إليّ طويلًا.
وكأنها ترى أختها في وجهي.
بعدها أمسكت يدي بقوة وقالت
اسمعني جيدًا يا سالم طالما أنا على قيد الحياة، فلن تنام في الشارع أبدًا.
لأول مرة منذ شهور طويلة
شعرت بالأمان.
ليس لأن مشكلتي انتهت.
بل لأن أحدًا أخيرًا وقف بجانبي دون أن يريد شيئًا مني.
في صباح اليوم التالي، استيقظت مبكرًا على رائحة خبز الرقاق الساخن.
خرجت من الغرفة فوجدت خالتي قد أعدت الفطور بنفسها.
الجبن الأبيض.
والبيض.
وكوب شاي بالحليب تفوح منه رائحة الهيل.
جلست أمام الطعام بصمت.
راقبتها للحظات وهي تتحرك داخل المطبخ الصغير، وفجأة تذكرت أمي.
الطريقة نفسها في إعداد الشاي.
والرائحة نفسها.
حتى
نظرة القلق في عينيها كانت تشبهها.
ابتلعت الغصة في حلقي بصعوبة.
ثم قلت بهدوء
لدي بعض الأمور التي يجب أن أنهيها اليوم.
نظرت إليّ خالتي وكأنها فهمت كل شيء دون شرح.
اكتفت فقط بسؤال واحد
هل أنت متأكد مما ستفعله؟
أومأت ببطء.
هذه المرة
لم أكن أتصرف بعاطفة.
بل بحساب.
غادرت الشقة بعد قليل، واتجهت إلى أحد مراكز الطباعة.
جلست أمام الحاسوب، ثم دخلت إلى موقع نتائج القبول الجامعي.
98 7٪.
المرتبة التاسعة والثمانون على مستوى الدولة.
حتى الموظف الذي كان يقف خلف الطابعة نظر إليّ بدهشة وهو يرى النتيجة.
طبعت الورقة أكثر من مرة، ثم وضعتها داخل ظرف بني بعناية.
بعدها ذهبت إلى البنك، وسحبت مدخراتي القليلة.
لم تكن مبلغًا كبيرًا
لكنها كانت كافية لأبدأ.
وعندما خرجت من البنك، وقفت للحظات أحدق نحو البحر البعيد.
ثم أجريت مكالمة واحدة فقط.
رد الرجل سريعًا
السلام عليكم.
قلت بهدوء
وعليكم السلام، أستاذ خالد. معك سالم المنصوري.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم تغير صوته فورًا
سالم؟ ابن رحمة؟ كيف أستطيع مساعدتك؟
أغمضت عيني للحظة.
ثم قلت ببطء
لقد بلغت الثامنة عشرة وحان الوقت لأستعيد ما تركته لي أمي.
ساد الصمت في الطرف الآخر من المكالمة لثوانٍ طويلة.
ثم قال المحامي خالد بصوت منخفض رحمة كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات يا سالم أين أنت الآن؟
أجبته في دبي.
قال فورًا تعال إلى مكتبي. وهناك شيء يجب أن تعرفه قبل أن نبدأ.
أغلق الخط.
كان مكتب الأستاذ خالد يقع داخل برج قديم قرب الخور.
لا يشبه مكاتب المحامين الفاخرة التي اعتدت رؤيتها مع والدي.
لا رخام. لا ثريات. ولا موظفون يتحركون بخوف.
فقط ممر هادئ ورائحة أوراق قديمة.
وحين دخلت مكتبه، وقف الرجل فورًا.
كان في أواخر الخمسينات، يرتدي نظارة رفيعة، وعيناه تحملان شيئًا من الحزن عندما نظر إليّ.
قال بهدوء أنت تشبه والدتك كثيرًا.
شعرت بشيء يضغط صدري للحظة.
لكني
جلست بصمت.
فتح درج مكتبه، وأخرج ملفًا أزرق سميكًا.
ثم دفعه نحوي ببطء.
قال هذا كل شيء تركته والدتك باسمك.
فتحت الملف.
عقد ملكية الفيلا المطلة على البحر. حساب استثماري. أسهم. وعقود أخرى لم أفهمها بالكامل.
لكن الرقم الأخير جعل أنفاسي تتوقف.
ثمانية عشر مليون درهم.
رفعت رأسي إليه ببطء.
فقال والدتك لم تترك لك منزلًا فقط بل تركت لك حياة كاملة.
جلست أحدق في الأوراق غير قادر على الكلام.
ثم قال خالد بصوت أكثر جدية لكن هناك مشكلة.
ضيقت عيني نحوه.
فتح ملفًا آخر، ثم أخرج منه نسخة مطبوعة من طلب قانوني.
وقال قبل أسبوعين حاول والدك نقل ملكية الفيلا عبر وكالة قانونية قديمة كان يظن أنها ما تزال فعّالة.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
أكمل خالد وعندما رفضنا الطلب بدأ يضغط لمعرفة مكان المستندات الأصلية.
ثم نظر إليّ مباشرة لهذا طردك بهذه السرعة يا سالم. كان يريدك ضعيفًا قبل أن تعرف الحقيقة.
ساد الصمت داخل المكتب.
ثم أخرجت هاتفي ببطء.
وشغلت التسجيل.
امتلأ المكان بصوت أبي عندما يجوع ويضطر للنوم في الشارع سيفعل ما أريد.
رفع خالد رأسه نحوي ببطء شديد.
وحين انتهى التسجيل بالكامل
تنهد طويلًا، ثم قال هذا التسجيل قد يدمّره تمامًا لو خرج للعلن.
أغلقت الهاتف.
ثم سألت بهدوء هل أستطيع استعادة كل شيء قانونيًا؟
ابتسم خالد للمرة الأولى.
وقال بثقة بل أنت تملكه بالفعل.
في تلك الليلة
أقيمت حفلة لؤي داخل أحد أفخم فنادق دبي.
سيارات فارهة اصطفت أمام المدخل. كاميرات. مشاهير. ورجال أعمال يتوافدون لتهنئة راشد المنصوري بابنه الناجح.
أما أنا
فكنت أجلس داخل جناح هادئ في الفندق نفسه، لكن في الطابق العلوي.
أراقب الحفل من شاشة صغيرة أمامي.
كان خالد يجلس مقابلي يراجع بعض الأوراق.
ثم قال فجأة هل أنت مستعد؟
نظرت نحوه.
وسألته لكي ماذا؟
أجاب لإنهاء اللعبة.
في تلك اللحظة، اهتز هاتفي برسالة جديدة.
كانت
من أبي.
أين أنت؟
ابتسمت ببرود.
ثم كتبت في الحفل.
مرت دقيقة كاملة قبل أن يرد ماذا تقصد؟
أغلقت الهاتف دون إجابة.
وبعد عشر دقائق فقط
فُتح باب الجناح بعنف.
دخل أبي غاضبًا، وخلفه موزة
ولؤي.
كان وجهه محمرًا من شدة الغضب.
صرخ فور أن رآني كيف تجرؤ على المجيء إلى هنا؟!
لكن خالد وقف بهدوء وقال مساء الخير يا أستاذ راشد.
تجمد أبي مكانه فورًا عندما تعرف عليه.
ثم بدأت عيناه تتحركان بقلق بين الملف الموجود على الطاولة وبيني.
قال بصوت منخفض خالد ما معنى هذا؟
فتح المحامي الملف أمامه بهدوء.
ثم قال معناه أن ابنك أصبح المالك القانوني الوحيد لفيلا الرحمة، وجميع الأصول المرتبطة بها.
شهقت موزة بصوت واضح.
أما لؤي فبدا مرتبكًا تمامًا.
اقترب أبي خطوة مني وقال بحدة سالم لا تستمع إلى هذا الكلام. أنا والدك.
رفعت عيني إليه أخيرًا.
ثم قلت بهدوء بارد تذكرت ذلك الآن فقط؟
ساد الصمت.
ثم أخرج خالد ورقة أخرى.
وقال وهناك أيضًا تسجيل صوتي قد يثير اهتمام المحكمة جدًا.
تغير وجه أبي بالكامل.
ولأول مرة في حياتي
رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.
قال بسرعة اسمع يا سالم يمكننا التفاهم.
ضحكت بخفة.
ثم نهضت ببطء من مقعدي.
نظرت إلى الرجل الذي قضيت عمري كله أحاول إرضاءه
ولم أشعر بأي شيء نحوه.
لا كره. ولا حب.
فقط فراغ.
ثم قلت بهدوء
عندما طردتني كنت تظن أنني سأعود إليك مكسورًا.
اقتربت خطوة منه.
وأكملت
لكن المشكلة أنك نسيت شيئًا واحدًا يا أبي
أمي كانت أذكى منك.
مددت يدي نحو الملف.
ثم وقّعت أول أمر قانوني يمنعه من الاقتراب من أي أصل مالي يخصني.
أمام عينيه مباشرة.
ارتجفت يد موزة وهي تتمسك بذراع زوجها.
أما لؤي
فأنزل رأسه بصمت، وكأنه أدرك أخيرًا أن الحفلة التي أقيمت له الليلة
دُفعت من مال ليس لهم.
التفتُ نحو الباب.
لكن صوت أبي أوقفني سالم
توقفت دون أن ألتفت.
وجاء صوته مكسورًا للمرة الأولى أنا أبوك
أغمضت
عيني للحظة.
ثم قلت الجملة التي قتلته أكثر من أي شيء آخر
والدي الحقيقي هو الشخص الذي كان سيختارني حتى لو فشلت.
ثم غادرت الجناح.
وتركت خلفي كل شيء
الحفل. الثروة. والرجل الذي خسر ابنه بنفسه.

تم نسخ الرابط