كذبتُ على والدي وقلت له إنني رسبت

لمحة نيوز

كذبتُ على والدي وقلت له إنني رسبت فقط كي يطردني من المنزل.
في صباح إعلان نتائج القبول الجامعي في الإمارات، ظللتُ أحدّق طويلًا في الرقم الظاهر على شاشة هاتفي
98 7٪.
وبعد أسبوع واحد فقط، أنفق والدي أكثر من مئتي ألف درهم على حفلة فاخرة لابنه من زوجته الاخرى ذلك الشاب الذي بالكاد نجح.
وسط القاعة المزدحمة، رفع كأسه بفخر وقال بصوت مرتفع
ابني لؤي رفع رأسي. كل سنوات التعب لم تذهب هباءً.
كنتُ أقف بين الحضور صامتًا تمامًا.
لأنني أنا من كذب.
وكان لدي سبب اضطرني إلى ذلك.
بدأ كل شيء في ذلك اليوم شديد الحرارة من أيام دبي.
يومها، شعرتُ بفرحةٍ غامرة وأنا أحدّق في شاشة هاتفي.
98 7٪.
ظللتُ أحدّق في الرقم طويلًا غير مصدق، حتى بدأت عيناي تؤلمانني من شدة التركيز.
أغلقتُ الشاشة بسرعة، ونهضت من مكاني وأنا أكاد أركض خارج الغرفة، أرغب فقط في إخبار أبي بنجاحي.
كان المجلس الكبير في الطابق السفلي مضاءً بالكامل، ورائحة القهوة العربية والعود تعبّئ المكان. أصوات الضحك وصلتني حتى قبل أن أصل إليه.
وبينما كنتُ متجهًا نحو الدرج، سمعت اسم لؤي يتردد داخل المجلس، فتباطأت خطواتي دون قصد.
كانت زوجة أبي، موزة، تتحدث بسعادة واضحة
لؤي سيدخل أفضل جامعة، يا راشد. يجب أن نقيم له حفلة تليق بابن عائلة المنصوري.
جاء صوت والدي، راشد المنصوري، مفعمًا بالفخر
بالطبع. ابني يستحق ذلك. أريد كل الناس أن

تعرف أن ابني رفع رأسي.
ابني.
تلك الكلمة وحدها كانت كافية لتؤلمني.
وقفت صامتًا خلف الجدار للحظات، أحدق نحو الضوء المتسلل من باب المجلس.
الضحكات.
أكواب القهوة.
رائحة العود.
والفخر الذي لم أره يومًا في عينيه عندما يتعلق الأمر بي.
ثم سمعت موزة تقول فجأة
بالمناسبة ماذا ستفعل بشأن الفيلا؟ سالم بلغ الثامنة عشرة الأسبوع الماضي.
ساد صمت قصير داخل المجلس.
ثم جاء صوت أبي منخفضًا
سأتصرف بالأمر.
قالت موزة بقلق واضح
لؤي يحتاج المال للدراسة في لندن، والفيلا وحدها تكفي لكل شيء.
تنهد أبي ببطء، ثم قال
سالم لا يفهم شيئًا في القانون. يظن أن بلوغه الثامنة عشرة يعني أن كل شيء أصبح بين يديه.
ترددت موزة للحظة قبل أن تسأل
لكن أليس من حقه استلام الفيلا الآن؟
رد أبي بهدوء واثق
ليس فورًا. والدته تركت المستندات الأصلية والتفاصيل القانونية عند المحامي، وهناك إجراءات لن تكتمل إلا بعد عدة أشهر.
ثم أضاف بصوت أخفض
وخلال هذه الفترة سيظل محتاجًا إلينا.
ضحكت موزة بخفة
وماذا لو تمرد فجأة؟
ساد صمت قصير.
ثم قال أبي ببرود أرعبني
إذا فشل في الاختبارات سأطرده من المنزل.
شعرت بأن أنفاسي توقفت.
لكن صوته أكمل بهدوء مخيف
عندما يجد نفسه وحيدًا بلا مال ولا مكان يذهب إليه سيعود إلينا بنفسه.
قالت موزة
وإذا رفض التوقيع؟
ضحك أبي بخفة هذه المرة
لن يرفض. سالم لا يعرف كيف يعيش وحده أصلًا. بضعة أسابيع خارج
هذا البيت وستكسره تمامًا.
اختفت الأصوات حولي فجأة.
كأن المجلس ابتعد آلاف الكيلومترات.
وفي تلك اللحظة فقط
فهمت لماذا فعلت أمي كل ذلك قبل وفاتها.
رحمة لم تكن ساذجة أبدًا.
كانت تعرف والدي أكثر مني.
لهذا سجّلت الفيلا المطلة على البحر باسمي منذ سنوات، وتركت المستندات الأصلية والتفاصيل القانونية عند محامٍ تثق به، مع تعليمات واضحة بألا يحصل أحد على شيء دون حضوري وموافقتي الكاملة.
كانت تعرف أن يومًا كهذا قد يأتي.
يوم أجد نفسي وحيدًا داخل هذا البيت.
ويبدو أنها كانت محقّة.
عدت إلى غرفتي ببطء، وأغلقت الباب خلفي.
ثم فتحت هاتفي مرة أخرى.
98 7٪.
حدقت طويلًا في الرقم.
وفجأة بدأت أضحك.
ليس لأنني سعيد.
بل لأنني أدركت إن أبي لن يحبني مثل ابنه من زوجته الثانية.
جلست على طرف السرير أفكر لعدة دقائق، ثم نهضت فجأة.
أخرجت هاتفي.
وشغلت مسجل الصوت.
بعدها خرجت بهدوء إلى آخر الممر، وأخفيت الهاتف خلف إحدى النباتات القريبة من باب مكتب أبي.
وفي صباح اليوم التالي، استرجعته.
سجلت كل شيء.
صوت موزة وهي تقول
لا تدعه يشعر أن له قيمة بدون هذا البيت.
وصوت أبي
عندما يجوع ويضطر للنوم في الشارع، سأرمي له بعض المال وسيفعل ما أريد.
لم يكن هناك حب.
ولا رحمة.
فقط طمع.
أرسلت التسجيل إلى أكثر من بريد إلكتروني، ورفعته على مساحة تخزين سحابية، ثم عدت إلى غرفتي.
فتحت الخزانة.
جمعت بعض الملابس داخل حقيبة
سوداء، ثم وضعت ساعة أمي القديمة فوقها بحذر.
وبجانبها
صورتها.
ونسخة من الوصية.
ومن الأسفل، كانت ضحكاتهم ما تزال ترتفع من المجلس وهم يتحدثون عن حفلة لؤي القادمة.
ابتسمت بسخرية.
ثم أمسكت هاتفي واتصلت بأبي.
رد بعد لحظتين
ها يا سالم؟ ظهرت النتيجة؟
نظرت إلى الرقم المضيء أمامي مرة أخيرة.
98 7٪.
ثم قلت بهدوء تام
أبي لقد رسبت.
ساد الصمت.
كنت أسمع أنفاسه الثقيلة فقط، قبل أن ينفجر غاضبًا
ماذا قلت؟!
كل هذه السنوات أصرف عليك وفي النهاية تفشل؟!
كيف سأرفع رأسي أمام الناس؟!
ثم قال الجملة التي كنت أنتظرها
إذا كنت فاشلًا فلا مكان لك في هذا البيت. اخرج.
أغلقت المكالمة.
ولم أشعر بأي شيء.
لا حزن.
لا صدمة.
ولا حتى غضب.
فقط هدوء بارد.
حملت حقيبتي، واتجهت نحو الباب.
توقفت للحظة ونظرت إلى المنزل للمرة الأخيرة.
الثريات الضخمة.
رائحة العود.
المجلس الممتلئ بالرجال كل ليلة.
وصور العائلة المعلقة على الجدران تلك التي لم أشعر يومًا أنني جزء منها.
ثم فتحت الباب.
استقبلني هواء دبي الحار ممزوجًا برائحة البحر.
فخرجت دون أن ألتفت خلفي.
وأقسمت في سري
عندما أعود
لن أعود بصفتي الابن الذي طردوه.
بل بصفتي المالك الحقيقي لكل شيء.
سرتُ في شوارع دبي الهادئة أسحب حقيبتي خلفي، بينما انعكست الأضواء الزرقاء والذهبية فوق زجاج الأبراج والسيارات المارة.
كانت المدينة مزدحمة كعادتها
لكنني شعرت لأول مرة
أنني وحدي تمامًا.
اهتز هاتفي برسالة قصيرة.
كانت من خالة أمي، مريم
يا سالم، أعددت العشاء. متى ستصل؟
أغمضت عيني للحظة.
خالتي مريم
تم نسخ الرابط