وصلت مريم إلى حفل تخرجها حافية
أمي كانت تجلس في المقاعد الخلفية ترتدي فستانها القديم المزين بزهور باهتة وقد غطت فمها بيدها لتكتم بكاءها.
اقتربت من المدير ببطء ويدي ترتجف. أخذت الحذاء منه ولم أستطع أن أقول شيئا في البداية. كانت الكلمات تهرب من لساني كطيور مفزوعة.
لكني رفعت رأسي وقلت بصوت خافت يحمل ما تبقى من قوتي
شكرا سيدي المدير لكن إن سمحت لي لن أرتديه الآن.
رفع حاجبيه باستغراب وهمس الجمهور فيما بينهم فتابعت وأنا أتنفس بعمق
أريد أن أنهي هذا اليوم كما بدأته بالقدمين اللتين أوصلتاني إلى هنا.
سأرتديه غدا عندما أبدأ أول يوم لي كمعلمة.
حين أبدأ بفتح الطرق لآخرين مثلما فعلت أنا حفاة بخطى بطيئة لكن ثابتة.
كانت القاعة قد تحولت إلى بحر من الدموع والتصفيق.
الطلاب وقفوا جميعا بعضهم يصفق بقوة وبعضهم يضع يده على قلبه.
إحدى الأستاذات كانت تبكي علنا تمسح دموعها بمنديل صغير وهي تهمس
يا إلهي كم نحن محظوظون برؤيتها اليوم.
تقدم المدير نحوي
آنسة راميريز التعليم بحاجة إلى أمثالك أنت اليوم أعطيتنا درسا أعظم من كل ما في كتبنا.
ثم التفت إلى الجمهور وقال بصوت أعلى
لن يكون هذا يوم تخرج عادي. سيكون يوما نتذكره طويلا لأن فتاة جاءت من الجبل حافية القدمين لتذكرنا أن الطريق إلى الحلم لا يقاس بطول المسافة بل بصدق الخطوة.
صفق الجميع من جديد وارتفع التصفيق كأنه موجة تكسر جدار الصمت الطويل.
في تلك اللحظة شعرت أن قلبي لم يعد مجرد قلب في صدري بل شعلة تضيء القاعة كلها.
بعد انتهاء الحفل جاء إلي عدد من الطلاب ليلتقطوا صورا معي.
واحدة منهم همست لي قائلة
كنت على وشك أن أترك الدراسة لكن قصتك غيرت رأيي.
ابتسمت لها وقلت
لا تتركي الطريق أبدا حتى لو اضطررت إلى السير عليه حافية. فالحياة لا تختبرنا حين نبدأ بل حين نواصل.
حين خرجت من القاعة كان المساء قد بدأ يرخي ظلاله.
وضعت الشهادة في حقيبتي وحملت الحذاء بيدي وسرت نحو الطريق الطويل
كانت الأرض دافئة وأصوات العصافير تعود إلى أعشاشها.
رائحة الغبار اختلطت بنسيم خفيف من الجبل.
كل خطوة كنت أخطوها كانت خفيفة رغم التعب.
لم أعد أرى الصخور عقبات بل شواهد على طريق عبرته بإصرار.
في منتصف الطريق توقفت عند الجدول الصغير الذي يمر بجانب التل.
جلست على صخرة وغسلت قدمي بالماء البارد كما فعلت صباحا لكن هذه المرة كان الشعور مختلفا.
كانت قدماي مبللتين بالفخر لا بالطين.
فتحت حقيبتي أخرجت الشهادة ونظرت إليها طويلا.
كتبت عليها اسم أمي بقلمي الصغير بجانب اسمي.
قلت لنفسي بصوت مسموع
هذه ليست شهادتي وحدي بل شهادة كل أم آمنت وكل ابنة مشت الطريق حتى النهاية.
ثم وضعت الحذاء إلى جانبي ولم أستطع منع نفسي من الابتسام.
تذكرت كيف كان المدير يخلعه أمام الجميع وتذكرت الوجوه التي نظرت إلي بإعجاب حقيقي لا شفقة.
أدركت أن تلك اللحظة غيرت شيئا في العالم ولو قليلا.
واصلت السير في الطريق نحو البيت والسماء
وفي قلبي كان وعد صامت
أن أعود كل عام إلى ذلك الجبل إلى كل فتاة صغيرة تنظر إلى البعيد وتحلم أن تكمل تعليمها.
سأحمل معها كتبها إن لزم الأمر.
سأخبرها أن الطريق صعب لكنه ليس مستحيلا.
وأن الحذاء الذي يمنح لا يوازي قدما مشت على الشوك من أجل الحلم.
وحين وصلت إلى بيتنا أخيرا كانت أمي تنتظر عند الباب تحمل فنجان قهوتها القديمة.
رأت الشهادة في يدي والحذاء في الأخرى فابتسمت بدموع لامعة وقالت
ألم أقل لك يا ابنتي إن التعب لا يضيع
فركضت نحوها واحتضنتها بقوة حتى شعرت أن قلبي يذوب في صدرها.
وفي تلك الليلة قبل أن أنام وضعت الحذاء عند باب غرفتي كرمز لا ينسى.
لم يكن مجرد حذاء كان وساما.
وساما من مدير أدرك أخيرا أن التفاني لا يعلم في القاعات بل يكتب على الطرق الترابية بخطوات عارية تترك أثرها في الأرض وفي القلوب.
أغمضت عيني وقلت لنفسي
ليس المهم أن تبدأ حافيا المهم أن
وأنا لن أتوقف عن السير أبدا.