حماتي كانت بتوصي بنتها ٢
ـ "وعلى فكرة بقى يا ابتهال.. أنا مش زعلان من اللي عملتيه، ولا زعلان على الفلوس اللي اتسحبت، بالعكس.. أنا فرحان باللي شايفه قدامي ده."
ابتهال رفعت حاجبها باستغراب، وسكتت كأنها بتسمحله يكمل، فكمل محمود وهو بيشاور على وشها المنور:
ـ "يا ريتك تهتمي بنفسك كده دايماً.. أنا عمري ما طلبت منك تهدّي حيلك في الخدمة ولا تنسي نفسك في المطبخ لحد ما تدبلي. أنا كان نفسي أشوفك بالضحكة دي وبالنور ده من زمان. لو كان الوجع اللي سمعتيه هو اللي خلاكي تفوقي لنفسك، فأنا بقولك يا ستي ياريتك سمعتيه من سنين."
سكت لحظة وهو بيبتسم ابتسامة خفيفة فيها ندم:
ـ "يمكن أنا غلطت إني استسهلت شيلك للبيت وسكت، وفكرت إنك راضية ومبسوطة.. بس والله يا ابتهال، منظرك وإنتِ مهتمة بروحك وبجمالك ده عندي بكنوز الدنيا. دلعي نفسك يا ابتهال، واصرفي، واهتمي.. والبيت ده من بكرة هجيب لك حد يساعدك فيه، عشان مش عايز 'العروسة' اللي قدامي دي تدبل تاني أبداً."
ابتهال بصت له بدهشة، مكنتش متوقعة الرد ده.. كانت مستنية خناق على الفلوس أو دفاع مستميت عن أمه، بس كلامه "فشّ غليلها" وكسر حدة القسوة اللي كانت مخبياها ورا وشها المنور.
ابتهال فضلت ساكتة للحظات، بتبص له وكأنها بتوزن كلامه بميزان دهب. كانت عايزة تصدقه، كان نفسها فعلاً تلاقي فيه "السند" اللي يقويها مش اللي يهدها، بس وجع الكلمة اللي سمعتها من حماتها
اتنهدت براحة وابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت له:
ـ "كلامك حلو يا محمود، وياريتك كنت بتقولهولي وإنا إيدي في المواعين وشعري مطفي من بخار الطبيخ.. كنت وقتها هحس بجد إنك شايف تعبي. بس مش مهم، اللي فات مات، والمهم اللي جاي."
قعدت على طرف السرير وبدأت ترص علب الكريمات الجديدة بنظام، وكملت بلهجة فيها ثبات:
ـ "أنا موافقة يا محمود.. موافقة إننا نفتح صفحة جديدة، بس بشرط. البيت ده ليه نظام جديد.. أنا مش شغالة عند حد، أنا ست البيت. اللي يقدرني فوق راسي، واللي يجي عليا أو يستهون بيا، ملوش مكان في حياتي، حتى لو كانت والدتك."
محمود هز راسه بالموافقة من غير تردد:
ـ "حقك يا ابتهال، وأنا اللي هقف لكل واحد يحاول يقلل منك.. كفاية عليكي اللي ضاع من عمرك وأنتِ شايلة فوق طاقتك."
خرج محمود من الأوضة وهو حاسس إنه كسب مراته من جديد، بس أول ما طلع الصالة، لقى أمه قاعدة لسه "مربعة" ومستنية "الغزوة" اللي محمود هيعملها على مراته.
حماته بصت له بلهفة وقالت:
ـ "ها يا محمود؟ عملت إيه مع الشملولة؟ أدبتها وعرفت الفلوس راحت فين؟ ولا لسه هتسكت لها على قلة القيمة دي؟"
محمود وقف قدام أمه، وبص لها بجمود مكنتش متعودة عليه منه، وقال بصوت عالي شوية عشان ابتهال تسمعه جوه:
ـ "يا أمي، ابتهال عملت الصح.. الفلوس دي فلوسها، وهي حرة تصرفها على نفسها وعلى جمالها. ومن هنا ورايح،
حماته فتحت بوقها من الصدمة، وبصت له وهي مش مصدقة إن ابنها "طوع" مراته بالسرعة دي. محمود مأداهاش فرصة ترد، وكمل:
ـ "وبعدين يا أمي، إحنا محتاجين نجيب حد يساعدها في البيت، عشان مش عايزها تتهد تاني.. ياريت تباركي لنا على (ابتهال الجديدة) بدل ما تشحني فينا."
جوه الأوضة، كانت ابتهال سامعة كل كلمة، ودمعة واحدة نزلت من عينها.. بس المرة دي مكنتش دمعة قهر، كانت دمعة "انتصار". مسحتها بسرعة بقطنة مبلولة بـ "التونر" الجديد، وبصت للمراية وقالت لنفسها:
ـ "برافو يا ابتهال.. فعلاً، اللي بيعز نفسه، الكل بيعمله ألف حساب."
حماتها بصت له بذهول، وحست إن "السطوة" اللي كانت فرضاها السنين دي كلها اتهزت. قامت وقفت وهي بتعدل طرحتها بعصبية وقالت:
ـ "بقى كده يا محمود؟ بعت أمك عشان خاطر كريمات ومحزق وملزق؟ ماشي يا ابن بطني.. بكرة الأيام تدور وتعرف مين اللي كان خايف على قرشك ومين اللي بيضيعه."
محمود رد عليها بهدوء بس بحسم:
ـ "يا أمي مفيش بيع ولا شرا، دي أصول.. والبيت اللي ميتصانش فيه حق الست، ميبقاش بيت. اتفضلي ارتاحي دلوقتي، وابتهال بكرة هتقوم براحتها، مفيش طبيخ ولا تنفيض، إحنا هنطلب أكل من بره."
حماتها لوت بوزها ودخلت أوضتها وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، والغيرة واكلة قلبها إن "الهبلة"
أما جوه الأوضة، ابتهال كانت لسه واقفة قدام المراية، بس مكنتش بتبص لجمال وشها بس، كانت بتبص لـ "قوتها". حست إن الحمل اللي كان فوق كتافها سنين انزاح. قفلت علبة الكريم الأخيرة، وفتحت دولابها، وطلعت الهدوم القديمة "المبهدلة" اللي كانت بتلبسها عشان توفر، ولمتها كلها في شنطة واحدة وقررت إنها هتتبرع بيها أو ترميها، المهم إنها مش هتشوفها تاني.
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت، وابتهال صحيت متأخر.. مكنش فيه صوت خبط حلل ولا ريحة بصل مسمعة في الشقة. قامت غسلت وشها بالغسول الغالي، ولبست طقم من اللي اشتريتهم، وخرجت الصالة بخطوات واثقة.
محمود كان قاعد بيشرب قهوته، وبص لها بابتسامة حقيقية:
ـ "صباح الجمال يا أم العيال.. الأكل زمانه جاي، والست اللي هتساعدك في البيت أنا كلمتها وهتيجي تستلم من بكرة."
ابتهال قعدت جنبه، وحست لأول مرة إنها "ملكة" في بيتها مش "شغالة". حماتها خرجت وشافت المنظر، حاولت تنقح عليها بكلمة:
ـ "ما شاء الله، الهانم لسه صاحية؟ والبيت اللي يضرب يقلب ده مين هيلمه؟"
ابتهال ردت عليها ببرود وثبات وهى بتبتسم:
ـ "البيت طول عمره متشال على راسي يا حماتي، والنهاردة جه الدور على اللي يشيله عني. ارتاحي أنتِ بس، وصحتك أهم من أي حاجة.. مش أنتِ اللي كنتِ بتقولي بلاش الست تهلك نفسها؟ أنا سمعت نصيحتك بالحرف."
حماتها اتكتمت تماماً، ومبقتش عارفة
النهاية: