مرات عمي عملت حادثه

لمحة نيوز

أول ما خرجت فاتن من المستشفى، قلبي كان متلخبط بين خوفي عليها وبين الإحساس التقيل اللي بدأ يكبر جوايا زي حجر. مشيت وراها ورا لورا من غير ما ياخدوا بالهم، كانوا بيتكلموا ويضحكوا كأن الحادثة دي مجرد تفصيلة صغيرة في يومهم، مش حاجة كانت ممكن تنهي حياتها.

وقفت مصدوم… حرفياً مش قادر أتكلم.

 

— "كنت عارفة إنك هتوصل."

الجملة دي كسرتني أكتر من أي حاجة.

— "23 سنة يا فاتن… 23 سنة!"

ضحكت ضحكة باهتة وقالت: — "23 سنة من إيه يا رأفت؟ من الإهمال؟ من البرود؟ من إني عايشة مع واحد بقيت بالنسباله عادة مش ست؟"

كنت عايز أرد… بس الحقيقة إن كلامها خبط في حتة جوايا أنا نفسي كنت بهرب منها.

بس … .

مشيت من غير ما أعمل مشكلة… من غير صوت… لأن اللي اتكسر جوايا مكانش يتصلّح بخناقة.

رجعت البيت… قعدت في الصالة… وبصيت حواليا… كل حاجة فيها ذكرياتنا… صورنا… ضحكتنا… وحتى خناقاتنا… كلها بقت فجأة كأنها

مش بتاعتي.

وقتها افتكرت عم جلال.

الورقة.

طلعتها من جيبي بإيد بترتعش… وفتحتها.

كان مكتوب بخط مهزوز:

"مش كل  سببها الطرف التاني… بس كل  ليها بداية… دور عليها جواك قبل ما تدور عليها فيها… وأنا مش زيك يا ابني… أنا سكت لحد ما خسرت كل حاجة."

الجملة دي ضربتني في مقتل.

افتكرت كلامه… لما قال إن مراته ماتت… وابنه سابه…

هو كان عارف.

عارف الإهمال بيعمل إيه… عارف إن السكوت بيكبر الغلط… لحد ما يبقى فجوة مالهاش رجوع.

عديت الليلة دي وأنا ما نمتش.

الصبح… فاتن رجعت.

وقفت قدامي… وساكتة.

وأنا ساكت.

لحد ما هي قالت: — "أنا تعبت يا رأفت… ومش قادرة أكمل بالطريقة دي."

بصيت لها وسألت بهدوء: — "تحبي نمشي كل واحد في طريقه؟ ولا نحاول نصلح؟"

سكتت شوية… دموعها نزلت لأول مرة من ساعة الحادثة.

— "مش عارفة…"

قعدنا بالساعات نتكلم… لأول مرة من سنين نتكلم بجد… من غير تمثيل… من غير مجاملات.

طلعت حاجات كتير مدفونة… وجع… إهمال… احتياج… فراغ… إحنا الاتنين كنا بنهرب منه بطريقتنا.

بس الحقيقة المؤلمة…

إن في حاجات لما بتتكسر… حتى لو حاولت تصلحها… عمرها ما بترجع زي الأول.

بعد شهور…

انفصلنا بهدوء.

من غير فضايح… من غير كره.

بس بجرح كبير.

قبل ما تمشي… قالتلي: — "يمكن لو كنا اتكلمنا بدري… كنا أنقذنا نفسنا."

ما رديتش… بس كنت عارف إنها عندها حق… وجزء من الحقيقة.

رجعت بعدها المستشفى أسأل على عم جلال…

قالولي… توفى من يومين.

وقفت ساكت…

حسيت إني فقدت حد قريب… رغم إني عرفته أيام قليلة.

بس هو سابلي حاجة أكبر من عمره كله…

درس.

إن الحب مش كفاية لوحده… وإن الإهمال بيقتل أبطأ من الخيانة… بس بيوصل لنفس النهاية.

ومن يومها…

بقيت لما أشوف أي علاقة… دايماً أسأل نفسي:

"هل لسه فيها احترام؟ ولا خلاص… بتحتضر من غير ما حد يحس؟"

بعد وفاة عم جلال، حسيت إن في حاجة اتقفلت جوايا…

وفي نفس الوقت حاجة تانية اتفتحت غصب عني. الورقة اللي سابهالي مكنتش مجرد نصيحة، كانت زي مرآة… بتجبرني أبص لنفسي من غير تجميل. رجعت البيت يومها وأنا تقيل، البيت بقى أوسع من اللازم، وهادي بشكل يوجع.

عدت أيام وأنا عايش على الذكريات… كل ركن فيه حكاية، وكل حاجة بتفكرني بفاتن… بس مش فاتن اللي كانت في آخر فترة، لا… فاتن اللي كانت بتضحك من قلبها، اللي كانت بتجري عليّ أول ما أرجع من الشغل، اللي كانت بتقعد جنبي نتفرج على فيلم ونضحك على نفس الإفيهات كل مرة.

كنت فاكر إن المشكلة كلها فيها… بس مع الوقت بدأت أفهم إن الحكاية أعقد من كده بكتير.

في يوم، وأنا بقلب في الدولاب، لقيت كرتونة قديمة… فيها رسايل بيني وبين فاتن من أيام الخطوبة. قعدت أقرأ… كلمة كلمة… لحد ما وقفت عند جملة أنا اللي كاتبها: "أوعدك عمري ما هخليكي تحسي إنك لوحدك."

قفلت الرسالة… وبصيت للسقف… وضحكت ضحكة مكسورة.

— "وأنا خالفت

الوعد ده إمتى؟"

الإجابة جت لوحدها… من غير ما أفكر: "لما بقيت موجود بجسمي… وغايب بروحي."

 

تم نسخ الرابط