اتصل بي ابني الأكبر بعد منتصف الليل
ابتسامة رجل مطمئن، بل ابتسامة رجل تأكد أن ما يملكه ما زال كافيًا ليحميه أو ليُساوم به في الوقت المناسب.
أعاد الأوراق إلى مكانها، وأغلق الخزنة، ثم أعادها إلى داخل الفتحة، وأغلق الباب الخشبي بإحكام، وأعاد الخزانة إلى مكانها بدقة شديدة، كأن شيئًا لم يكن، ثم أطفأ الضوء واختفى.
ابتعدت عن الشق ببطء وجلست في الظلام، قلبي يضرب صدري بقوة، وعقلي يحاول أن يفهم. عبارة مصطفى ترددت في رأسي لا تُخبر راشد. لم يقلها عبثًا، لم تكن تحذيرًا عاديًا، بل كانت يقينًا هو لا يعرف كل التفاصيل، لكنه كان يعرف ما يكفي ليخاف.
وضعتُ رأسي بين يديّ، وحاولتُ أن أرتّب أفكاري.
لم تمضِ سوى أشهر قليلة على تلك الحادثة حين تم القبض على مصطفى بتهمةٍ لم أفهمها يومًا.
كانت القضية غريبة وسريعة.
أدلة ظهرت فجأة وشهود لم نعرفهم وكل شيء انتهى قبل أن نفهم ما يحدث، وكأن هناك من رتّب كل شيء بعناية ليدفعه إلى هذا المأزق.
قضى مصطفى عدة أشهر في الحبس، ثم خرج فجأة كما دخل، بعد أن تبيّن أن الأدلة غير كافية وأن القضية مبنية على معلومات مضللة.
لم تُثبت التهمة، لكن الشك ظلّ يحيط به، فتم إيقافه عن العمل رسميًا.
اختفى فترة لم يتحدث مع أحد، ولم يشرح شيئًا.
ثم عاد بعد وقت مختلفًا أكثر هدوءًا، وأكثر تركيزًا.
وعلمت بعدها أنه لم يستسلم، بل ظلّ يبحث خلف ما حدث، بشكل غير رسمي، مستعينًا بأشخاص من داخل الدوائر التي حاولت إبعاده، دون أن يلفت الانتباه إليه مرة أخرى.
والآن أنا أجلس فوق غرفة يخفي فيها صهري وصية مزورة لزوجتي.
فهل يمكن أن يكون كل شيء مرتبطًا؟
هل يمكن أن ما حدث لابني لم يكن صدفة؟
رفعتُ رأسي ببطء وشعرتُ أن هناك خيطًا يربط
خيطًا واضحًا رغم ظلامه.
راشد لم يكن مجرد رجل دخل حياتنا
ربما كان هو السبب في كل ما حدث.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وفي تلك اللحظة اهتزّ هاتفي في يدي، نظرت إلى الشاشة فوجدت رسالة من مصطفى هل ما زلت في الأعلى؟
كتبت نعم. ظهرت النقاط ثم اختفت، ثم جاء الرد ابقَ مكانك حتى أقول لك.
حدّقتُ في الكلمات، ثم أغلقت الهاتف ببطء، ونظرت إلى الظلام من حولي، وأدركت أخيرًا أن هذه الليلة لم تكن بداية الخوف بل بداية الحقيقة.
جلستُ في مكاني، مسندًا ظهري إلى الجدار الخشن، أحاول أن أُبقي أنفاسي هادئة، لكن جسدي كان يفضحني، وقلبي لم يتوقف عن الخفقان كأنه يحاول الهرب من صدري.
لم أعد أفكر في راشد فقط، بل في كل تلك الأيام التي مرّت دون أن أرى ما كان يحدث أمامي، في كل مرة جلس فيها إلى طاولتي، وفي كل مرة ابتسم لي، وفي كل مرة ناداني فيها عمي وكأنه واحد منّا، وكأن تلك الثقة التي منحته إياها كانت بالضبط ما احتاجه ليُخفي كل شيء أمامي.
مرّت الدقائق بطيئة، ثقيلة، حتى شعرت أنها لن تنتهي أبدًا، ثم اهتزّ هاتفي مرة أخرى.
رسالة جديدة من مصطفى انزل الآن من الباب الجانبي دون أن تُشعل أي ضوء.
وقفتُ ببطء، كأنني أخشى أن يسمع أحد حتى حركة الهواء من حولي، ثم فتحت باب الغرفة بحذر، ونزلت السلم الضيق خطوة خطوة، أحاول أن أتذكر كل درجة فيه حتى لا تُصدر صوتًا. كان المنزل غارقًا في ظلام كامل، كأنه لم يكن بيتي الذي عشته لسنوات، بل مكانًا غريبًا لا أعرفه.
مررتُ بجوار غرفة الضيوف دون أن أنظر إليها، لم أجرؤ على ذلك، فقط واصلت السير حتى وصلت إلى الباب الجانبي، فتحته ببطء، وانزلقت إلى الخارج.
لفح الهواء البارد وجهي، وكأنني
رأيت سيارة مصطفى متوقفة على بُعد منزلين، محركها مطفأ، وأضواؤها مطفأة، وكأن وجودها هناك جزء من ترتيب محسوب لتجنّب أي ملاحظة.
تقدّمت نحوها بخطوات سريعة، وفتحت الباب، وجلست بجانبه دون أن أقول كلمة.
نظرتُ إليه.
لم يكن كما أعرفه.
كان وجهه شاحبًا قليلًا، وعيناه تحملان إرهاقًا لم أره فيه من قبل، لكنه في الوقت نفسه بدا أكثر تركيزًا، أكثر حدّة، كأن كل ما مرّ به قد صقله بدل أن يكسره.
قلتُ بصوت منخفض
كنتَ تعرف.
لم ينظر إليّ مباشرة، بل ظلّ محدّقًا في الطريق أمامه، ثم قال
نعم.
شعرتُ بأن شيئًا في داخلي يهبط فجأة، كأنني كنت أنتظر أن ينكر أن يقول إنه يشك فقط لكنه لم يفعل.
قلت
منذ متى؟
أجاب بعد لحظة صمت قصيرة
منذ فترة كافية منذ أن بدأت تظهر خيوط تربطه بما حدث لي.
التفتُّ إليه، ولم أستطع منع نفسي
وأنا؟ كنتَ تتركني أعيش معه تحت سقف واحد؟
أغلق عينيه لثانية، ثم فتحهما ببطء وقال
لو أخبرتك قبل أن أملك دليلًا لكنت ستذهب إليه أو إلى آمنة وعندها كان كل شيء سيتحطم قبل أن نُثبت شيئًا، خصوصًا أن بعض الخيوط كانت تمرّ عبر أشخاص قريبين منكم دون أن تدركوا.
سكتُّ، لأنني أدركت أنه محق، حتى لو كان ذلك يؤلمني.
مدّ يده إلى المقعد الخلفي، وأخذ ملفًا سميكًا، ثم وضعه في حجري.
قال
افتحه.
ترددت، لكنني فعلت.
كانت هناك أوراق كثيرة، تقارير، صور، مستندات رسمية، أسماء لم أعرفها، وأرقام حسابات، وتحويلات مالية شبكة كاملة، متشابكة، معقّدة، تبدو كأنها لم تُجمع في وقت قصير، بل عبر تتبع طويل ومقصود.
قلت
ما هذا؟
أجاب بهدوء
هذه ليست مجرد أوراق هذه كل ما يخفيه راشد.
ثم أضاف وهو ما زال ينظر
صفقات مشبوهة رشاوى تحويلات مالية وأسماء لأشخاص في مناصب حساسة.
رفعتُ عيني نحوه ببطء.
أكمل
لم أكن أعرف أين يحتفظ بها لكنني كنت متأكدًا أنه لن يترك شيئًا كهذا بعيدًا عن متناول يده خاصة بعد أن بدأ يشعر بأن هناك من يراقبه.
توقف لحظة، ثم قال
فجعلته يقلق.
عبستُ
كيف؟
ردّ بهدوء
وصلته معلومة مدروسة أن هناك تحركًا ضده وأن جزءًا من هذه الملفات قد تسرّب، عن طريق شخص من داخل دائرته يثق به دون أن يشك فيه.
شعرتُ بقشعريرة خفيفة.
أكمل
هذا النوع من الناس حين يخاف أول ما يفعله هو أن يراجع ما يخفيه بنفسه ليتأكد أنه ما زال يسيطر على كل شيء.
سكت لحظة ثم نظر إليّ أخيرًا
وهذا بالضبط ما فعله الليلة.
تجمّدت مكاني.
قلت بصوت خافت
الخزنة
هزّ رأسه ببطء
لم أكن أعرف مكانها كنت أعرف أنها داخل البيت فقط حتى رأيتها أنت، وكان ذلك الجزء الناقص الذي كنا ننتظره.
ظللت أحدّق في الملف بين يديّ، ثم رفعت رأسي ببطء.
قلت
وماذا سيحدث الآن؟
أخذ مصطفى نفسًا عميقًا، ثم قال
لن نتحرك الليلة.
نظرت إليه بدهشة
بعد كل هذا؟
هزّ رأسه
ما رأيته مهم لكنه لا يكفي وحده. نحن بحاجة إلى أن يُضبط وهو يحتفظ بكل شيء وبشكل لا يمكن إنكاره، لأن النسخ وحدها لا تكفي في مثل هذه القضايا، خاصة إن حاول إنكار صلتها به أو ادّعى أنها ليست بحوزته.
أشار إلى الملف في يديّ، ثم أضاف
هذه نسخ وليست الأصل.
شعرت بأن الصورة تكتمل تدريجيًا.
قال
غدًا سيجمع كل من يثق بهم حوله في مكان واحد وسيكون مطمئنًا.
توقفت لحظة، ثم قلت
العشاء
هزّ رأسه
ذكرى زواجه.
سكت قليلًا، ثم أكمل
لقد تم التنسيق. هناك إذن رسمي ومتابعة منذ فترة، ولم نبدأ الليلة بل كنا نتابعه منذ