اتصل بي ابني الأكبر بعد منتصف الليل

لمحة نيوز

اتصل بي ابني الأكبر، في منتصف الليل.
إنه يعمل في جهاز الأمن.
أطفئ كل شيء اصعد إلى الغرفة الصغيرة فوق السطح، وأغلق الباب ولا تُخبر صهرك.
همستُ أنت تُخيفني
صرخ فقط افعلها! حالًا!
أطعتُه دون أن أفهم.
ومن خلال فتحةٍ ضيقة في أرضية الغرفة فتحةٍ لم تكن موجودة بهذا الشكل من قبل، بدا الخشب حولها أحدث قليلًا كأنه أُعيد تركيبه مؤخرًا رأيتُ شيئًا جعل دمي يبرد.
في الثالثة والستين من عمري ما زلتُ أنام بعينٍ واحدة مفتوحة.
كانت زوجتي الراحلة، فاطمة، تقول ذلك عني دائمًا، وهي تبتسم في الظلام
يا عبد الرحيم، تستطيع أن تسمع حركة نملة في قلب العاصفة.
ولم تكن مخطئة.
ولطالما كنتُ كذلك لذلك، عندما رنّ هاتفي عند الساعة الثانية عشرة وأربع دقائق من فجر يوم خميس في نوفمبر
كنتُ مستيقظًا قبل أن تكتمل الرنّة الأولى.
أعيش في الخرطوم، في حيٍّ قديم هادئ،
حيث الأشجار أقدم من البيوت
وكلُّ جارٍ يعرف الآخر.
شارعٌ لا يحدث فيه شيء.
هكذا اعتدنا.
ليس عادةً إلا في تلك الليلة.
نظرتُ إلى شاشة الهاتف.
مصطفى.
انقبض صدري بطريقة لم أعرفها منذ سنوات.
ابني الأكبر لم يتصل بي بعد التاسعة مساءً منذ يوم جنازة والدته.
مصطفى رجلٌ شديد الانضباط
مواعيده لا تختل، وكلماته محسوبة،
حتى تهانيه بالأعياد يرسلها مبكرًا.
أجبتُ قبل الرنّة الثانية.
مصطفى
كان صوته غريبًا هادئًا أكثر مما ينبغي.
قال لا تتحدث فقط استمع.
أريدك أن تفعل كل ما أقوله الآن.
جلستُ وقد بدأ القلق يتسلل إلى صدري.
قلت يا بني إنه منتصف الليل
قال أبي.
كلمة واحدة
جعلتني أعتدل في مكاني.
سمعتُ هذه النبرة منه مرتين فقط في حياتي
مرة حين أخبرني أن السرطان قد انتشر في جسد أمه
ومرة حين قال إنه سيتهم بجريمة لم يرتكبها.
قلتُ أنا أستمع.
قال
أطفئ كل الأضواء

في المنزل
لا تلمس حاسوبك
ولا جهاز الإنترنت
اصعد إلى الأعلى وأغلق الباب من الداخل
ثم سكت.
كنت أسمع أنفاسه.
ثم قال
وأبي لا تُخبر راشد.
بردت الغرفة فجأة.
كان راشد زوج ابنتي آمنة منذ تسع سنوات
وكان يقيم في غرفة الضيوف منذ أربعة أيام،
مدّعيًا أن شقته في بورتسودان تخضع لبعض الإصلاحات
إصلاحاتٍ بدت لي غريبة في مدتها، لكنه أصرّ أنها ستنتهي قريبًا.
همستُ مصطفى أنت تُرعبني.
قال بهدوء هذا جيد كن خائفًا وكن صامتًا
اصعد الآن.
لم أطرح سؤالًا آخر.
تحركتُ في أرجاء المنزل في الظلام
كأنني أتدرّب على ذلك منذ زمن.
مررتُ بالصور القديمة
وبالذكريات التي لم تغادر الجدران.
صعدتُ السلم الضيق المؤدي إلى السطح
ثم فتحتُ باب الغرفة الصغيرة وأغلقته من الداخل بإحكام.
جلستُ فوق صندوقٍ قديم كُتب عليه
فاطمة ملابس شتوية
وحاولتُ أن أتذكر كيف يتنفس الإنسان.
لم أكن أعلم حينها
أنني أجلس على بُعد أمتار قليلة فقط
من سرٍّ لم يُدفن هنا منذ البداية كما كنت أظن بل تم تجهيزه واستغلاله مؤخرًا في غيابي.
كانت الغرفة نصف مهملة.
أرادت فاطمة يومًا أن تجعلها مكانًا للقراءة
لكن المرض سبق كل شيء.
ومنذ رحيلها
تحولت إلى مخزنٍ للحزن.
صناديق أثاث قديم
أشياء لم نملك الشجاعة للتخلص منها.
كانت هناك نافذة صغيرة تطل على الفناء الخلفي
يتسلل منها ضوء خافت يرسم ملامح الظلام.
رأيتُ السقف الخرساني
وصناديق قديمة
وأشياء نُسيت منذ سنوات.
في البداية
لم أسمع شيئًا
سوى صوت أنفاسي.
ثم أدركت فجأة أن الصوت الذي أسمعه لم يكن صوت أنفاسي وحده، كان هناك حركة خفيفة، حذرة، لكنها حقيقية.
تجمّدت في مكاني وأصغيت بكل حواسي، فالصوت كان قادمًا من الأسفل، من غرفة الضيوف غرفة راشد.
زحفت ببطء فوق أرضية الغرفة متجنبًا أي احتكاك قد يُصدر صوتًا،
حتى شعرت بخشونة خفيفة تحت كفّي، وحين تحسستها أكثر أدركت أنها فجوة، شق ضيق بين ألواح الأرضية، بدا الخشب حوله أقل قِدمًا من باقي الألواح، كأنه أُعيد تركيبه حديثًا، ولم ألاحظه من قبل، أو ربما لم أنتبه له يومًا رغم أنه لم يكن موجودًا بهذه الصورة من قبل.
ترددت للحظة، ثم انحنيت ببطء وألصقت عيني بذلك الشق.
في البداية لم أرَ شيئًا، فالظلام كان كثيفًا في الأسفل، ثم فجأة انقطع الصمت حين أضاء الضوء.
ضغط راشد على مفتاح المصباح، فظهر واقفًا في منتصف الغرفة، مرتديًا قميصًا خفيفًا وسروالًا، ينظر إلى ساعته بهدوء. بدا كما هو دائمًا، مرتبًا، هادئًا، واثقًا، ذلك النوع من الرجال الذين لا يكشفون شيئًا مهما طال النظر إليهم.
تحرّك بخطوات ثابتة نحو زاوية الغرفة حيث تقف خزانة خشبية قديمة ورثتها فاطمة عن والدتها، وتوقعت أن يفتحها، لكنه لم يفعل.
وضع يديه على جانبها ودفعها فتحركت بسهولة بسهولة غير مريحة، كأنها لم تكن مثبتة كما كانت من قبل، وكأن أحدًا فكّها وأعاد تركيبها بطريقة تسمح بتحريكها، كأنها اعتادت الحركة في غيابي دون أن ألاحظ.
توقفت أنفاسي لحظة، فأنا لم أكن أعلم أن تلك الخزانة يمكن تحريكها أصلًا لا، أنا متأكد أنها لم تتحرك هكذا من قبل.
تحتها لم تكن الأرض كما أعرفها، بل انحنى راشد ومرّر أصابعه على حافة الخشب، ثم ضغط نقطة خفية، فصدر صوت خافت وانفتح جزء من الأرضية.
باب صغير مخبأ بإتقان، بدا كأنه جزء من تصميم قديم تم استغلاله وتعديله بعناية، لا كشيء صُنع بالكامل في أيام قليلة، بل كأن الأساس كان موجودًا وتم تطويره مؤخرًا.
شعرت ببرودة تسري في أطرافي، وعقلي يحاول أن يلحق بما أراه.
هذا لم يكن موجودًا أو على الأقل لم يكن ظاهرًا هكذا
ثم بدأت الأفكار تتجمع ببطء، كأنها قطع متناثرة
وجدت مكانها أخيرًا.
راشد لم يكن يعيش هنا كان يأتي زيارات فقط.
ثم فجأة انتقل منذ أيام بحجة أن شقته تُجهّز.
وفي نفس الوقت
كنت أنا خارج المنزل.
عدة أيام قضيتها في أم درمان تاركًا له المكان بالكامل، وقتًا كافيًا ليفعل ما يشاء دون أن يلاحظه أحد.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
لم أحتج إلى مزيد من التفكير.
هذا المخبأ ربما كان له أساس قديم في البناء لم ألتفت له يومًا، لكنه بالتأكيد لم يُستخدم بهذه الطريقة، ولم يُجهّز بهذا الشكل إلا مؤخرًا في غيابي.
لقد استغل غيابي وعدّل كل شيء بينما كنت أظن أن البيت آمن كما تركته.
مدّ راشد يده إلى الداخل وأخرج صندوقًا معدنيًا، خزنة، فتحها بسرعة مريبة كأن الأرقام محفوظة في ذاكرته، ولم يستغرق الأمر سوى ثوانٍ.
جلس على حافة الكرسي وأخرج ملفًا سميكًا مربوطًا بشريط مطاطي، فتحه وبدأ يقلب الصفحات، ثم أخرج هاتفه وبدأ يلتقط صورًا بهدوء تام، دون ارتباك، وكأنه يراجع شيئًا يخشى فقدانه، أو يتأكد أن كل ما فيه ما زال تحت سيطرته بعد أن وصله ما يقلقه.
اقتربت أكثر رغم ضغط الخشب على وجهي، وحاولت أن أرى، لم أستطع قراءة كل شيء، لكنني رأيت العنوان بوضوح لا يحتمل الخطأ الوصية الأخيرة، وتحتها اسم زوجتي فاطمة عبد الرحيم.
توقفت عن التنفس، فهذا مستحيل، أنا كنت هناك، كنت ممسكًا بيدها عندما وقّعت الوصية، كنت أعرف كل حرف فيها، كانت بسيطة، عادلة، واضحة، لا تترك مجالًا للشك، ولم يكن هناك سوانا إلا من حضر الإجراءات الرسمية ومن بينهم من كان قريبًا بما يكفي ليعرف تفاصيلها.
فما الذي يفعله هذا الرجل بوثيقة تحمل نفس العنوان في خزنة مخفية داخل بيتي؟ بدأت أشعر أن الأرض تميل، وأن شيئًا ما لم يكن صحيحًا منذ وقت طويل، طويل جدًا.
قلّب راشد الصفحات ببطء، ثم توقف عند صفحة بعينها،
حدّق فيها للحظات، ثم التقط لها عدة صور، وبعدها ابتسم ابتسامة خفيفة لم أرها على وجهه من قبل، لم تكن
 

تم نسخ الرابط