مراتي يتيمه ٢

لمحة نيوز

نمُت ليلتها على الكنبة وأنا حاسس إني غريب في بيتي، كل ركن في الشقة كان بيفكرني بوقفتها معايا.. السجاد اللي نقيناه سوا، العفش اللي ساعدت في تمنه بقلب راضي، وصورنا اللي مالي الحيطان. الصبح طلع، وقومت على صوتها وهي بتلبس الولاد عشان المدرسة.
حاولت أصحيها، أقول صباح الخير، ألمس إيدها.. بس كانت بتتحرك كأنها إنسان آلي، ملامحها خالية من أي تعبير، بتتعامل معايا كأني هوا. نزلت الولاد ورجعت، ولقيتها قاعدة بتشرب قهوتها وبتبص من الشباك على عمارة أختها.
قعدت قدامها وقولت بصوت واطي
أنا كلمت منى أختي، ووقفتها عند حدها.. وكلمت أمي وقولتلها إن كلامنا كان غلط، وإنك حرة في مالك وتعبك.
بصت لي بابتسامة سخرية توجع، وقالت
تفتكر ده كفاية؟ تفتكر لما تروح تطفي الحريقة اللي أنت ولعتها، يبقى كده خلاص؟ أنت روحت قولت ليهم أماني زعلت، مروحتش قولت ليهم أنا غلطت في حق مراتي. هما دلوقتي شايفيني الست اللي مسيطرة عليك واللي منعتك تديهم حقهم اللي أنت وهمتهم بيه.
قامت وقفت وكملت وهي بتمسح تراب وهمي من على التربيزة
أنا النهاردة نازلة مع أختي، هنشتري التلاجة والشاشة.. ومن مالي الخاص يا أشرف، والوصلات هتتكتب باسمي واسمها. وأي حد من أهلك هيفتح بوقه بكلمة، الرد هيكون مني أنا، مش منك.. لإن اللي مبيعرفش يحمي خصوصية بيته، مبيتحاماش فيه.
وقفت قدام المراية تلبس طرحتها، وبصت لي في المراية وقالت
البيت ده من النهاردة هيمشي بالنظام.. ميزانية الأكل

والشرب والولاد والدروس عليك أنت بالكامل، زي ما الشرع بيقول، وزي ما الرجالة بتعمل. وتعب شقايا هيروح للي يستحق، لأختي اليتيمة اللي ملهاش حد غيري، ولنفسي اللي نسيتها عشان أكبرك وأكبر بيتك. لو قدرت تشيل الشيلة دي لوحدك، يمكن ساعتها أحس إنك بدأت تفهم يعني إيه مسؤولية.. ويعني إيه راجل.
خدت شنطتها ومفاتيحها، وقبل ما تخرج بصت لي وقالت جملة نزلت عليا زي الصاعقة
على فكرة.. أختي رغم ظروفها كانت جايبة لي طقم دهب هدية بمناسبة ترقيتي اللي أنت متعرفش عنها حاجة، وكان نفسها تفاجئني بيه في عيد ميلادي.. بس بعد اللي حصل، أنا قولتلها تبيعه وتكمل بيه جهازها، 
خرجت ورزعت الباب، وسبتني واقف مكاني، مش بس شايل هم المصاريف اللي هتتضاعف عليا، أنا شايل هم نظرة الاحتقار اللي شوفتها في عينيها، والسر اللي كانت مخبياه عني عشان تفاجئني بيه، وأنا ضيعته بغبائي.
مر أسبوع على الحالة دي، والبيت مابقاش هو البيت. أماني تحولت لظِل موجود معانا بس روحها مش هنا، بتعمل كل واجبات البيت بدقة مرعبة، بس من غير نَفَس، من غير الضحكة اللي كانت بتملى المكان.
أنا بدأت أحس بضغط الميزانية من أول يومين؛ دروس الولاد، وطلبات البيت، وفواتير الكهرباء والغاز اللي كانت هي دايمًا بتدفعها من سكات عشان متضغطش عليا، فجأة لقيتهم كلهم فوق دماغي. كنت بشوفها وهي راجعة من بره وشايلة شنط لجهاز أختها، كانت بتدخل بيهم أوضتها وتقفل الباب، ولا كأني موجود، ولا كأني ليا
حق أعرف جابت إيه ولا بكام.
في يوم، جرس الباب رن، كانت والدتي. دخلت وهي شايلة ملامح الهجوم، وقبل ما تقعد قالت بصوت عالي وهي باصة لأماني اللي كانت طالعة من المطبخ
إيه يا ست أماني؟ سمعت إنك روحتي جبتي تلاجة ماركة غالية لأختك، ومنى بنتي يا عيني لسه بتلف على تمن غسالة نص أوتوماتيك؟ مش عيب يبقى خيرك لبره وأهل جوزك أولى؟
أماني وقفت بكل هدوء، قلعت جوانتي المطبخ، وبصت لأمي بنظرة خلتني أنا نفسي أترعش، وقالت بصوت ثابت زي الرصاص
البيت ده يا حماتي، أشرف هو اللي شايل مصاريفه مليم بمليم من أسبوع، اسأليه قصرت معاه في لقمة ولا لبس ولاده؟ أما مالي وتعب شقايا ، فأنا حرة فيه..
أجهزه لأختي اليتيمة، أو أرميه في البحر، محدش ليه عندي كلمة. وأختي اللي يتيمة الأب والأم، هي عندي أولى من أي حد، لأن ده واجبي قدام ربنا، مش فضل مني.
أمي بصت لي وقالت بصوت عالي
شايف يا أشرف؟ شايف مراتك بتكلمني إزاي؟ انطق، قول حاجة!
بصيت لأماني لقيتها مستنية ردي، وكأنها بتقولي دي آخر فرصة ليك عشان تكون راجل في نظري. بلعت ريقي وقولت لأمي وصوتي بيترعش بس بوضوح
أماني عندها حق يا أمي. أنا اللي غلطت لما حكيت ليكم خصوصياتنا، وأماني مش ملزمة تجهز حد، كفاية إنها شايلة بيتي وعيالي. يا ريت نقفل الموضوع ده، ومنى ربنا يرزقها ويرزق اللي داخل عليها، بس مش من جيب مراتي.
أمي قامت وهي بتبرطم وبتدعي عليا وعلى اللي غيرت حالي، وخرجت وقفلت الباب وراها برزع.
لفت أماني
ليا، ولأول مرة من أسبوع، ملامحها لانت سنة بسيطة، بس لسه فيها قسوة. قالت لي
الكلمتين دول لو كانوا اتقالوا من أول يوم، مكنش ده بقى حالنا. بس كويس إنك بدأت تفهم إن الرجولة مش إنك تلم أهلك على مراتك، الرجولة إنك تكون الحيطة اللي بتصد عنها.
قربت منها وقولت
أماني.. أنا تعبت من العيشة دي، مش قادر على البُعد ده. والفلوس والمصاريف غارت، فداكي وفدا أختك، بس نرجع زي الأول.
بصت لي بوجع وقالت
أنا كمان تعبت يا أشرف.. بس الجرح اللي في كرامتي لسه بينزف. أنت محتاج وقت عشان تثبت لي إنك مش هتروح بكره تحكي لأمك إني كسرت كلمتها عشان ترضيها تاني. الثقة بتبنيها سنين، وتهدها بكلمة.. وأنت هديتها، فاصبر عليا لما أبنيها من جديد.
دخلت أوضتها، بس المرة دي، مسابتش الباب مقفول بالترباس.. سابته موارب، كأنها بتديني إشارة إن الطريق لسه مفتوح، بس محتاج مجهود حقيقي مني عشان أعديه
يوم الفرح كان عبارة عن لوحة أماني رسمتها بصبر وتعب سنين. القاعة كانت فخمة، وهند أختها كانت طالعة زي الملكة بفضل مجهود أماني وتعبها. كنت واقف ببدلتي، شايف نظرات الهمس واللمز من أهلي اللي قاعدين في ترابيزة لوحدهم، وعينيهم مش مفارقة أماني، كأنهم بيدوروا على أي غلطة أو بيعدوا عليها الفستان اللي لابساه اتكلف كام.
أماني كانت بتتحرك في القاعة بخفة، بترحب بالناس، وضحكتها رجعت تنور وشها بس كانت رسمية معايا زيادة عن اللزوم. مكنتش بتسيب إيد هند لحظة، كأنها بتطمنها إن
ضهرها لسه محمي.
قربت منها
 

تم نسخ الرابط