ابني عمل حادثة ٢

لمحة نيوز


عشان تبيعه وتهرب، أو إنها ضيعته من إهمالها. هند كانت عايزة تضرب عصفورين بحجر ترجع ياسين لصفها وتخليه يشوف حقيقة البنت اللي جابوها من الملجأ، وتكسر نور قدام نفسها وقدام ياسين كسر ملوش جبر.
هند رجعت أوضتها، خبت الطقم في قاع شنطتها، ونامت وهي مبتسمة.. وفي سرها بتقول نشوف بقى يا ياسين، الملاك بتاعتك دي هتعمل إيه لما تلاقي نفسها حرامية قدامك؟
البيت صحي على صرخة هند اللي شقت السكون. كانت واقفة في الصالة، منكوشة الشعر، وماسكة العلبة القطيفة في إيدها وهي بتترعش بتمثيل متقن، وعينيها بتدور في المكان بذهول مصطنع.
هند بصوت عالي ومنهار يا مصيبتي! يا خراب بيتك يا هند! الطقم ضاع.. طقم ألماظي اللي ماليش غيره طار من الدولاب!
خرج ياسين ونور من أوضتهم مخضوضين. نور وشها اصفرّ وبدأت تترعش من غير ما تنطق، أما ياسين فكان واقف بيبص لأمه بنظرة ثابتة، نظرة خلت هند تتوتر للحظة، بس كملت في تمثيليتها.
هند شاورت بصوابعها في وش نور هي! مفيش غيرها دخل الأوضة دي! أنا قولت آمنك وأديكي ورثي ألبسهولك، تقومي تمدي إيدك عليه؟ قوليلي وديتيه فين؟ بعتيه لمين من بتوع الملجأ اللي كنتي بترميهم بالباقي من أكلي؟
نور وقعت على ركبها، والدموع نزلت زي الشلال

والله العظيم ما لمسته يا ماما! أنا نمت وهو في مكانه، والله ما أعرف راح فين.. يا ياسين صدقني، أنا مش حرامية!
هند بصت لياسين بلهفة، مستنية منه القلبة اللي خططت لها، مستنية يشوف جرم البنت اللي دافع عنها. وقفت هند وقالت بنبرة حادة شوفت يا ياسين؟ شوفت الأمانة؟ شوفت اللي بتبيع أمك عشانها؟ دي عرقها دساس، والملجأ مبيطلعش غير ناس جواعة ومداديين إيديهم!
ياسين فضل ساكت لثواني، بص لنور وهي منهارة في الأرض، وبعدين بص لأمه بنظرة باردة ومرعبة.. نظرة مفيش فيها ذرة شك واحدة تجاه نور.
ياسين بصوت هادي ومرعب خلصتي؟
هند اتصدمت من هدوءه أنت بتقول إيه؟ أنا بقولك طقمي اتسرق! ورث أمي ضاع!
ياسين قرب من أمه ووطى بصوته لحد ما بقى فحيح في ودنها الطقم ما ضاعش يا هند هانم.. الطقم إنتي اللي خدتيه. إنتي فاكرة إنك لسه بتتعاملي مع طفل بتضحكي عليه بحواديتك؟ أنا عارف إنك مستعدة تحرقي البيت كله بس عشان تثبتي إنك صح.. بس المرة دي اللعبة رخيصة أوي، أرخص من الألماظ اللي إنتي مخبياه دلوقت في قاع شنطتك.
هند وشها جاب ألوان، ولسانها اتعقد إنت.. إنت بتتهمني أنا؟ بتصدق دي وتكدب أمك؟
ياسين بصوت زلزل الصالة وهو بيمد إيده يرفع نور من الأرض دي هي مراتي، والوحيدة
اللي حمتني من قسوتك. وعشان إنتي مفكرتيش للحظة في كرامتها ولا فيّ، أنا هنفذ اللي قولتلك عليه مبارح.
ياسين بص لنور وقال بلهجة آمرة مفيش فيها راجع ادخلي هاتي هدومك يا نور.. مش هنقعد في البيت ده ثانية واحدة كمان.
هند بصراخ وهيستيريا هتروح فين؟ هتمشي وتسيبني عشان خاطر حرامية؟ هتروح لمطرح ما جيبتها؟
ياسين وقف عند الباب وهو ماسك إيد نور اللي كانت بتترعش من الصدمة والفرحة في نفس الوقت، وبص لأمه للمرة الأخيرة بقرف
هروح لمكان نضيف مفيش فيه سم.. مكان أقدر أتنفس فيه من غير ما أحس بخنقة تمثيلك. اشبعي بالدهب وبالحيطان يا ماما.. لعله يونسك في وحدتك، لأنك من النهاردة، بقيتي فعلاً لوحدك.
خرج ياسين ونور، ورزع الباب وراه رزعة هزت كيان هند، وسابتها واقفة في نص الصالة الفاضية، والبيت اللي كانت فاكرة إنها سيدته، بقى فجأة أوسع وأضلم مما تتخيل
مر شهر كامل على هند في البيت الكبير، بس المرة دي مكنش بيت.. كان قبر واسع. البيت اللي كانت هند فاكرة إن سيطرتها فيه هي منتهى القوة، اتحول لعدو بياكل في أعصابها. مفيش صوت بيقطع السكون غير دقات الساعة، ومفيش حد بيفتح معاها كلام غير خيالها اللي بقى يطاردها في كل ركن.
هند بدأت تحس ب الاكتئاب وهو
بيتسلل لروحها. كانت تدخل المطبخ، تلاقيه بارد، مفيش ريحة خبيز ولا ضحكة هادية كانت نور بتملى بيها المكان. تدخل أوضة ياسين، تلاقي سريره مترتب ببرود يوجع القلب، وكأنه بيعايرها بإن صاحبه اختار الغربة على إنه يعيش تحت جناحها المسموم.
لأول مرة في حياتها، هند حست ب العجز. اكتشفت إن الدهب اللي في الشنطة والألماظ اللي خبيته ملوش أي قيمة وهي مش لاقية حد تتخانق معاه، أو حتى حد يطلب منها رضاها. الوحدة كانت كرباج بينزل على ضهر كبريائها كل ليلة.
هند وهي قاعدة قدام المراية وبتبص لملامحها اللي دبلت بقى ده العز يا هند؟ ده اللي كنتِ بتحاربي عشانه؟ تموتي في وسط الحيطان دي لوحدك ومحدش يسمي عليكي؟
الغل اللي كان مالي قلبها بدأ يدوب، مش عشان هي بقت ملاك فجأة، لكن لأن الحاجة ليهم كانت أقوى من كبرها. حست إنها غلطت، مش بس في حق نور، لكن في حق نفسها لما خسرت الوتد اللي كانت سانده عليه.
في ليلة، هند مقدرتش تتحمل أكتر من كدة. لمت شتات نفسها، ولبست أغلى ما عندها بس المرة دي عشان تداري انكسارها، وراحت للعنوان اللي عرفت إن ياسين ونور أجّروا فيه شقة بسيطة.
وقفت قدام الباب وهي بتنهج، إيدها اترعشت وهي بترفعها عشان تخبط. فتح ياسين الباب، وأول
ما شافها، ملامحه
 

تم نسخ الرابط